الناصرة- “القدس العربي”: ينتمي البروفسور مصطفى عباسي لجيل المؤرخين الفلسطينيين الجدد وتمتاز دراساته بالتركيز على التاريخ الاجتماعي وقد خص عددا من المدن الفلسطينية وبناتها الريفية بأبحاث عن مسيراتها وتحولاتها في القرون الأخيرة. وعباسي (59 عاما) من بلدة الجش قضاء صفد داخل أراضي 48 وهي قرية على خط الحدود بين الجليل وجنوب لبنان وتعني تسميتها، وفق “لسان العرب”، موقعا مرتفعا من الأرض لم يبلغ الجبل (ترتفع الجش 950 مترا عن سطح البحر) وهي محاطة بالجبال.
“القدس العربي” زارته في بيته في الجش فاصطحبنا في رحلة عبر الجغرافيا والتاريخ والسيرة الذاتية العصامية له ولعائلته الصفدية الأصل. بفضل يدين ماهرتين يبدو بيت المؤرخ عباسي متحفا تراثيا فهو مبني على الطراز المعماري الريفي ويزدان بالعقد والأدوات التراثية ومحاط بالأشجار والورود وقد ورث من والده مهارة البناء وصنع التحف الصخرية من الحجارة الصماء وهذه مهارة ورثها نجله البكر أيبك وهما يتنافسان في إتقان هذه التحف الممتازة بقيمتها الجمالية مثل نحت الجاروشة الفولكلورية أو الأواني الحجرية من الصخر الأسود والأبيض وغيرها.
من شرفة بيته المطلة على ناحيتي الغرب والجنوب تبدو الأرياف اللبنانية في الجنوب بأبهى حللها في شهر أبريل/ نيسان الحالي ولقربها يمكن مشاهدة أهلها خلف السياج الحدودي الذي قطع علاقات النسب والجيرة والصداقة مع الأرياف الفلسطينية منذ نكبة 1948 وقيام الدولة اليهودية. يشير عباسي لكل واحدة من هذه الأرياف اللبنانية من بيت جبيل ورميش ويارون ومارون الراس وغيرها ويستذكر بعض ما يميز كل منها وينبه لوقوعها في منطقة جبل عامل بينما بلدته الجش وشقيقاتها في قضاء صفد تتبع منطقة الجرمق وكلاهما تبعتا ولاية بيروت. ويؤكد على أوجه الشبه والقواسم المشتركة في حياة الأرياف اللبنانية والفلسطينية في هذه المناطق الحدودية ويشير للتواصل الاجتماعي الوثيق بينها حتى النكبة في الصداقات والمصاهرات والجيرة.
درس مصطفى عباسي في قرية الجش وانتقل للمدرسة الثانوية في بلدة الرامة عام 1977 مع شقيقه البروفسور في العلوم الطبية زيد عباسي لعدم وجود مدرسة ثانوية في مسقط رأسيهما. وفي سياق استعادة ذكريات الطفولة والصبا يقول عباسي “كانت هذه فترة ممتعة فقد كنا نجمع بين العمل وبين الدراسة كي نعين أهالينا في الحياة وعلاقاتنا مع المعلمين كانت طيبة جدا وكافتهم تركوا بصمة مهمة علي وتميزوا بالعطاء وبالتعامل الحلو والديمقراطي مع التلاميذ معاملة خالية من التوتر”.
ومن أجل استكمال الدراسة الثانوية انتقل مصطفى وزيد عباسي الذي يكبره بعام إلى المدرسة الثانوية في بلدة الرامة والتحق بالفرع الأدبي فيما التحق شقيقه في الفرع العلمي. وقتها كانت المواصلات متقطعة جدا وغير متوفرة وعنها يقول: “كنا أحيانا نسير خمس كيلومترات كل يوم سيرا على الأقدام لعدم وجود وسائل نقل وكان لهذه المدرسة فضل كبير علينا”.
وردا على سؤال يوضح أن أستاذ التاريخ الراحل غطاس غطاس قد ترك أثرا عميقا عليه فهو معلم مثقف ومدجج بمعلومات غزيرة وصاحب أسلوب شيق في تمرير المواد وكان عندما يصف معركة ما تسمع أصوات المدافع وترى غبار الوغى. ويتابع: “كان معلمنا غطاس مثالا لمحبة الطلاب والإخلاص في العمل وأسلوبه في التدريس نموذجا حيا لذلك فالراوي لا يقل أهمية عن الرواية وبفضله صرت مؤرخا. وقد تعلمت التاريخ في جامعة حيفا وهناك تعرفت على الراحل بروفيسور بطرس أبو منة وقد كان علما وباحثا مميزا وترك بصمات علي ورعاني هو الآخر “.
ولد عباسي في عائلة تعد 13 نسمة ووالده أحمد عباسي كان عاملا وفلاحا ورجلا عصاميا، ربى أسرته بـ”دموع العين” كبقية أبناء جيله وهو محط اعتزازه. وكذلك كانت والدتي رقية وهبي فقد تركت بصماتها على روحي وشخصيتي وساندت والدي في أعباء الحياة وهي سيدة صالحة من عائلة أصيلة من قرية سعسع المهجرة المجاورة للجش”.
ويكشف عباسي أن جده، والد والدته سعيد وهبي، جاء من سعسع للجش مهجرا بعد احتلال قريته وتهجيرها في نهاية 1948 وقدم لبيت جده من والده بحثا عن دواء فكان للنكبة دور في زواج والدي ووالدتي. ويوضح أن جده سعيد وهبي من سعسع استقر وعائلته في الجش الناجية من النكبة بفضل بقاء أقلية فيها رغم القصف والقتل، وبفضل أحد رهبانها الذي قاد البلدة في محنتها وحماها من التهجير.
ويتابع: “كان جدي مصطفى عباسي إمام الجش ورجل دين معروفا بقي في القرية بينما هاجر بعض أبنائه الشباب ومنهم عمي محمد، وهو صيدلاني امتلك وأدار صيدلية “قطرة اللؤلؤ” في حيفا وعندما سقطت في مثل هذه الأيام عام 1948 نقل صيدليته من حيفا للجش بكل محتوياتها وأودعها في بيت جدي. وفي نهاية اكتوبر/تشرين أول 1948 استكملت إسرائيل احتلال الجليل في عملية “حيرام” فنزح عمي محمد إلى لبنان بعد احتلال الجش تاركا كمية كبيرة من الأدوية لدى والديه فصار جدي يوزع ويبيع الدواء فجاء جدي والد والدتي سعد وهبي يبحث عن دواء برفقة أمي وهي فتاة في مقتبل عمرها وهكذا ولدت المصاهرة”.

ويستعيد عباسي مصاهرة أخرى سبقت ذلك وربما كانت هي سبب بقائه والعائلة في الوطن فيقول: “كان جدي الحاج مصطفى علي عباسي شيخا صوفيا بارزا في مدينته صفد ينتمي لعائلة صفدية عريقة وجاء للجش بعدما تزوج من جدتي أمون ابنة الجش وكانت سيدة قوية وملاكة ولذا اشترطت الزواج منه ببقائها في قريتها. وفعلا هذا ما حصل فبعدما توفيت زوجته الأولى ارتبط بها وصار يتنقل بين بيته في صفد وبين بيته الجديد في الجش حتى 1948 واستقر بعد النكبة في الأخيرة”.
ويوضح أن صفد كانت عاصمة التصوف بلا منازع ومن أهم مراكز التصوف في بلاد الشام منذ عهد المماليك منوها أن التصوف يعني المحبة والتسامح والعطاء وهو أجمل ما في الإسلام رغم مهاجمته من قبل متشددين وهذا ما أعطى صفد خصوصيتها”.
وكانت جدته أمون تستغرب انقطاع جده مصطفى للتعبد والتصوف المفرط وعن ذلك يقول: “كانت جدتي تشكو من انشغاله الكبير في القراءة فهي فلاحة وجاء لها رجل مدني يحمل كتابا ومعتكفا ومنقطعا للذكر وكان ذلك أحيانا يدفعها للقول عاتبة عندما يعود من صفد وما يلبث أن ينقطع للعبادة والتصوف والقراءة: جئت يا مصطفى بكتاب، خذه وعد لصفد”.
وحول انتشار الصوفية في صفد يرى عباسي أن السبب يرتبط بتشجيع المماليك للصوفية وكذلك السلطان العثماني سليم الأول منوها لسكن ثلاثة من كبار شيوخ الطرق الصوفية في صفد. ويؤكد أن عدد الزوايا الصوفية في صفد يفوق عدد المساجد وما تبقى منها زاوية “بنات حامد” المملوكية داخل عكارة جميلة ما زالت قائمة بجوار المسجد الأحمر المملوكي. ويستذكر قيام لصوص أو معتدين قبل عامين تقريبا بسرقة منقوشة حجرية من واجهة الزاوية تحمل نصا يعرف بها وتاريخها، ويضيف: “حاولنا استعادتها بالتعاون مع بلدية صفد وبعض المحاضرين اليهود ولكن دون جدوى”.
علاوة على صفد، التي صدرت له دراسات ومؤلفات هامة عنها وعن أريافها في فترات تاريخية مختلفة، يخص عباسي بالذكر التاريخ الاجتماعي في مدن فلسطينية أخرى منها مدينة نابلس ومسيرة عائلة طوقان فيها وقدعالج هذا الموضوع ضمن رسالة الماجستير. ويستذكر أن عائلة طوقان حكمت منطقة جبل نابلس نحو 250 سنة على التوالي، وكانت مركز ثقل في فلسطين سياسيا واجتماعيا في تلك الفترة وأدارتها عائلة طوقان بكل قوة واحتفظت بنوع من الحكم الذاتي مقابل الدولة العثمانية. خرجت شخصيات مهمة في مجالات مختلفة ومنها حكام في مناطق مختلفة مثل حاكم بعلبك صالح باشا طوقان وفي الثقافة برزت العائلة كإبراهيم طوقان وفدوى طوقان.
وعن جبل النار يضيف عباسي “كانت نابلس حتى القرن التاسع عشر هي المدينة الرائدة ولكن مع ارتفاع مكانة القدس سياسيا فضلا عن قيمتها الدينية ومع نمو مدن الساحل الفلسطيني كحيفا ويافا بدأت أوضاع نابلس تتراجع وتصبح مدينة داخلية بعدما كانت في صلب صناعة القرارات طيلة قرون في البلاد. وأوضح أن دراساته عن نابلس اعتمدت بالأساس على سجلات محكمة نابلس الشرعية من السجل الأول عام 1656 حتى العام 1823 عندما توفي موسى بيك طوقان حاكم نابلس الشهير، مؤكدا أن الدراسة بالاعتماد على الينابيع الأولى مهمة لأنها تمنحنا فرصة لنتعلم تاريخنا استنادا لمصادرنا.
وردا على سؤال يشير لوجود عائلات كثيرة لعبت دورا في نهضة وإدارة البلاد منها عائلة النمر في نابلس وفي منطقتها عائلة جرار وعائلة الحسيني والخالدي في القدس وعبد الهادي في منطقة عرابة جنين ومرج بن عامر وعائلة زيدان في الجليل صاحبة الفضل في نهضة الجليل وكذلك عائلة قدورة في صفد يقول عباس إنه مع نمو مدن الساحل نشأت وتبلورت عائلات أعيان وإقطاعيين ولها دور في إعمار ونهضة البلاد في نهايات الحكم العثماني خاصة في القرن التاسع عشر فانتقل مركز ثقل من الجبل إلى الساحل.

وتركّز عباسي في مدينة عائلته صفد، التي اشتهرت بالنسيج والحياكة على غرار مدينة مجدل عسقلان، وكانت مركزا لمنطقة واسعة. وفي زمن المماليك عرفت بمملكة صفد وتتبعها 1000 بلدة في الجليل ولبنان والجولان ومساحات واسعة تخضع لإدارة صفد وهي موضوع أطروحة الدكتوراه التي قدمها وأجيز بها في جامعة حيفا.
وأشار إلى أنه في الفترة الانتدابية كانت صفد قضاء تبعت له 93 قرية دمرت في النكبة 88 قرية منها. وصدر في الشهر الماضي كتاب عن مدينة طبرية الفلسطينية في فترة الانتداب البريطاني كانت “القدس العربي” قد نشرت مراجعة له وفيه توقف عند التحولات الكبيرة في كثير من نواحي الحياة فيها حتى حسم أمرها وكانت أولى المدن الفلسطينية التي احتلتها الصهيونية.
وعن التحول في رئاسة بلدية طبرية يشير عباسي للعام 1923 حيث تم استبدال رؤساء البلدية العرب بيهود وكانت البداية باستبدال قدري حافظ بك الذي تمت إقالته وانتخب بدلا منه زكي الحديف ابن عائلة يهودية شرقية حتى اغتيل في 1938 واغتيل نائبه العربي أيضا المحامي إبراهيم يوسف.
في الكتاب يتوقف عند نهاية طبرية ويشير إلى خطورة ضرب القيادات الفلسطينية التاريخية في المدينة فيقول إنه بعد وفاة أعلام وشخصيات مهمة أمثال الشيخ عبد السلام الطبري والشيخ سعيد الطبري ظهرت قيادات مختلفة لا تسيطر على الأوضاع مما ترك أثرا سلبا على مصير المدينة التي فقدت السيطرة فيها بدءا من مارس/آذار 1948 حتى وصلنا لـ 18 نيسان/أبريل. ومن المفارقات أن المدينة رمز الشراكة العربية اليهودية كانت أولى المدن الفلسطينية التي تهجر علما أن حاكم الجليل ضاهر العمر الزيداني كان قد استقدم اليهود لطبرية وما لبثوا أن صاروا أغلبية فيها ثم عاد عددهم ليتساوى مع سكانها العرب عشية النكبة التي لعبت السلطات البريطانية دورا في ترجيح كفة الصهيونية فيها.
لو أحسنت القيادة العربية الأداء وأدركت حقيقة موازين القوى وحالت دون تدهور الأوضاع الأمنية هل كانت طبرية ستنجو مع العلم أن الهغاناه كانت مصممة على تفريغ المدينة من أهلها وغير معنية بأي سلام معهم؟
“لا أملك جوابا لهذا السؤال ولكن دور القيادة مهم وحاسم في الأزمات وللأسف مجتمعنا ساهم في ضرب القيادات خاصة في فترة الثورة الكبرى عام 1936 بسبب خلافات شخصية. القيادات المذكورة في طبرية لم تقدر كما يجب موازين القوى بين العرب واليهود وإن كان لاحقا قد تبين أن قيادة الهغاناه في البلاد كانت معنية بتهجير طبرية بكل الأحوال”.
وشارك البروفيسور مصطفى عباسي في مؤتمرات محلية ودولية وله مؤلفات ودراسات وهو محاضر أكاديمي وعميد الطلبة في الكلية الأكاديمية تل حاي فماذا يتبقى لك وللبيت؟
“كان من الصعب جدا علي أن أنجز لولا مساندة أسرتي لها كل المحبة والتقدير. من أقرب هواياتي لوجداني ارتباطي بالأرض فهو حقيقي وعملي وأزرع وأحصد وأجني بيدي وهذا العام زرعت 80 شجرة زيتون جديدة. ربما هو البحث عن الهوية وعن نقطة البداية والعودة للصبا والطفولة والابتعاد عن صخب المدينة فالفلاحة رياضة نفسية فأنت تتدرب وتنتج وتطعم. أزرع الخضراوات والعنب والزيتون والتين بأنواعه. كذلك الجبنة الصفدية: نعم صناعة الجبن العربي المعروفة بالصفدية أجمل هواياتي في الفترة ما بين الربيع والخريف.
