الرسمي والحكومي الأردني معني بتفكيك ألغاز عبارة وردت في تقرير منظمة «الديمقراطية الآن» لأنها اعتمدت بجانب فقرة تذكر الرئيس الأمريكي بأنه يدفع لدول مثل الأردن أموال الضرائب.
عمان ـ «القدس العربي»: قد لا يكون من اللائق لا سياسيا ولا وطنيا تجاهل تلك العبارة الغريبة التي وردت لأول مرة في تقرير حقوقي لمنظمة دولية «الديمقراطية الآن» يتحدث عن اعتقالات الاحتراز ووضع الحريات في الأردن.
«ديكتاتورية تسحق مواطنيها».
استعمال مفردة «ديكتاتورية» ينطوي على قدر كبير من المبالغة في الوصف لا يعكسه الواقع فحسب ولكن في منطوقه «رسالة سياسية» بامتياز على الأرجح من الأفضل لدوائر القرار الأردنية قراءتها جيدا وبعمق حيث لا ينفع هنا الحديث عن استهداف الأردن ولا عن «تقارير حقوقية مغرضة».
لا يمكن التحدث عن ديكتاتورية من أي نوع في الأردن إلا عند الحديث عن سطوة المصارف والبنوك ومن يساندونها من منتحلي صفة الليبرالية.
وصعب جدا تقديم أدلة من أي صنف على «سحق ولو مواطن أردني واحد» وفي كل حالات الاحتكاك مع الرأي الآخر بينما يحفل السجل بـ«انتهاكات جسيمة» لم يعد مفيدا الاستمرار في إنكارها.
ولا تبدأ ولا تنتهي عند التوسع الذي يعكس الكثير من «التأزم الداخلي» في الاعتقالات وأحيانا لأسباب لا معنى لها أو عند الإصرار الغريب على الاستمرار في دفع ثم تدفيع النظام نفسه كلفة «هندسة الانتخابات» والتدخل فيها.
حتى رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية سمير الرفاعي شعرت «القدس العربي» بأنه «لا يجد ما يقوله» في التعليق على محاولات «التدخل المستمرة» في تركيب وتصنيع أحزاب جديدة ولا يبدو راضيا إطلاقا عن عودة جدل الاعتقالات والحريات التي يوافق على اعتبارها «ضارة جدا» ليس بسياق «التطلع لمستقبل تحديث المنظومة» فقط ولكن تتعاكس مع الرؤية والتوجيهات الملكية.
عليه يصبح السؤال: ما الذي يحصل في المشهد الداخلي بعد حصول الأطراف الرسمية والمحافظة على وعاء كامل من الضمانات؟
الإجابة على سؤال بهذا الحجم ليست ميسرة دوما لكن ما تلاحظه حتى نخبة من رجال الدولة هو أن «الأوضاع غير مريحة» قال ذلك سياسي مثل عبد الرؤوف الروابده.
وقاله نظيره طاهر المصري وهو يرد على استفسار لـ«القدس العربي» حول دور الشخصيات الوطنية في النصيحة والمشاورة والاشتباك وبعنوان: مع من يتحدث مثلنا اليوم؟
سؤال المصري بنكهة استنكارية وليس «استفهامية» فقط لكنه مليء بالدلالات في حال تعميمه على بقية طبقة رجال الدولة بمن فيهم الذين تحدثوا عن «ثرثرة على ضفاف الحقيقة».
يسأل في حضرة اجتماع سيادي أحد الرموز: ما الذي يريده الأردنيون؟
الإضافة «تأزيمية» بامتياز وإشارة إلى تلك العبارات «النفاقية» التي تضلل مؤسسات القرار أحيانا لأن الأردني وبرأي السياسي مروان الفاعوري ما يريده واضح ومحدد ولا يمكن الاجتهاد فيه وهو «استعادة دولته..كرامته والعيش الكريم..اختيار مسؤولين من طينة الناس والعودة للدولة الأردنية التي يعرفها الجميع والبقاء خلف المؤسسات والقيادة».
تلك- يشرح فاعوري لـ«القدس العربي»- ليست مطالب لا يمكن تحقيقها وهي أبسط بكثير من ما تزينه شياطين المصالح ومراكز القوى وما تؤسس له من قطيعة بين الأردنيين وقيادتهم.
عمليا لا حاجة لتذكير المواطنين الأردنيين بأن دولتهم لم تفعل بهم ما فعل بالشعب في ليبيا وسوريا لأن الأردنيين ببساطة شديدة يعلمون ذلك خلافا لأن أشرسهم في الحراك والمعارضة الجدية يقف خلف الشرعية ولا يناقشها وينشد على رأي الشيخ مراد العضايلة «الإصلاح فقط».
لكن الرسمي والحكومي والسياسي الأردني اليوم معني بتفكيك «ألغاز» تلك العبارة التي وردت في تقرير منظمة «الديمقراطية الآن» ليس فقط لأنها خطيرة وحساسة ولا تعكس الحقيقة والواقع، ولكن لأنها بثت ونشرت واعتمدت بجانب فقرة تحاول تذكير الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنه يدفع لدول مثل الأردن «أموال الضرائب الأمريكية». أين الخبث في مثل ذلك الربط؟ سؤال فني طرحته «القدس العربي» على عدة خبراء وحصلت على إجابة مقنعة واحدة عليه من الباحث الاقتصادي المتابع الدكتور أنور خفش حين أفاد بأن التلميح في العبارة الخبيثة إياها واضح، فالمساعدات الأمريكية ولاحقا الغربية ستبدأ قريبا من حيث بقائها واستمرارها تعتمد على «معايير جديدة ومحكمة» سيكون من بينها بصورة مرجحة مستويات العدالة الاجتماعية والعمل ضد ثنائية السلطة والمال.
«لابد من الإنتباه»- يقترح الخفش فيما يثير موسم الاعتقالات مثل هذه العبارات «الكبيرة» قياسا في الظرف والمسألة حيث لا مجال للتحدث عن «سحق».
وحيث الاعتقالات تحصل موسميا ومنذ عام 2011 في الأردن دون أن تنتهي بتقارير دولية حقوقية تتعرض لمسألتين في غاية الخطورة الأولى هي «تصنيف الديكتاتورية» والثانية «مفعولات قانون منع الجرائم» الذي يعتبر «محور المفصل» في صلاحيات النظام الأمني المدني الأردني.
اللافت جدا هنا أن موجة الاعتقالات التي استجلبت «تعبيرات ثقيلة» في وصف السلطة الأردنية مؤخرا عمليا كانت «الأنعم» والأقل خشونة وإن تخللتها انتهاكات ومخالفات فردية يتعامل معها القانون على حد تعبير وزير الداخلية مازن فرايه.
لذلك اقتضى التنوية، فتعبير مثل «سلطة تسحق مواطنيها» ليست مجرد عبارة شاردة بقدر ما تعكس واقعيا سلسلة تصنيفات وبرمجيات في الخارج وعبر الإعلام والمنظمات الحقوقية أخطر بكثير مما تعتقده حلقات «الغفلة» في الإدارة ليس فقط على نطاق «التحرش الدائم» ولكن في سياق «تشويه سمعة الدولة»هذه المرة ولأغراض ضغط اللوبيات لاحقا على ملف المساعدات، الأمر الذي لا يمكنه الحصول إلا لأسباب أو في نطاق أجندة سياسية.
تجاهل تلك الأجندة ليس خيارا، كذلك المبالغة في مخاطرها أو الإدعاء بأنها «غير مهمة».