قرابين الدين على مذبح السياسة في المسجد الأقصى

هشام عبد الله
حجم الخط
1

ليست ثمة منطقة وسطى في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل استراحة محارب تتعدد تسمياتها وتوصيفاتها بين الفينة والأخرى، وصواعق تفجير لا تصدأ أبدا، إنما يتباين عزمها، ويظل المسجد الأقصى أشدها فتكا.
وعلاقة الدين والسياسة ملتبسة، لكنها تتجلى في القدس، حيث حرب الولوج إلى بوابة السماء مستمرة، أو ربما مستدامة، تغذي جذوتها حكومات اليمين المتعاقبة في إسرائيل واندحار السياسة أمام سلطان الدين.
في نيسان/ابريل الحالي، التقى الجمعان الفلسطيني والإسرائيلي على توقيت رمضان الإسلامي والفصح اليهودي. وراحت إسرائيل تدق طبول الحرب حتى قبل ثبوت هلال الشهر الفضيل وشد رحال عشرات آلاف الفلسطينيين إلى المدينة المقدسة.
ولم يكن شد الرحال لغاية الصلاة والتعبد في جنبات الحرم القدسي وقبة الصخرة وحسب، بل لمواجهة ومنع المستوطنين الإسرائيليين الذين ينادون ببناء الهيكل اليهودي مكان الأقصى، من إقامة شعائر الفصح اليهودي في ساحاته.
وما لبثت المواجهة حتى اندلعت لتضيء، ليس فقط على الصورة التقليدية للمتظاهرين الفلسطينيين أمام الجنود الإسرائيليين المدججين، وانما لتعيد إحياء الصراع مجددا بعد ان غاب في غفلة من الجميع لارتفاع الضجيج الذي تركته اتفاقات التطبيع بين الدولة العبرية وعدد من الدول العربية في العام الماضي.
لكنه الدين الذي لا يعبأ بالاتفاقيات ولا بالقرابين، بل يحرك القلوب والمشاعر التي في الصدور.
ووصفت كاسنيا سيفاتلوفا، المستشرقة الإسرائيلية، وعضوة الكنيست السابقة، في مقال لها على منصة القناة الثانية عشرة الإسرائيلية الوضع الحالي حيث قالت «عندما تشتعل النيران في الأقصى فإن كل شبكات التواصل الاجتماعي باللغة العربية، وجميع القنوات الإعلامية والمواقع الإخبارية ستسلط الأضواء على الأقصى، حتى يظن أحد المارة الإسرائيليين أنها الحرب العالمية الثالثة».
وأضافت «هذا التخوف الإسرائيلي من تحول أي حدث في الأقصى إلى مسار حتمي للصدام، يؤكد أنه قادر على إعادة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى أصوله الدينية وجذوره التاريخية، بل إنه عمل على تبديد فرص نجاح الاتفاقيات التطبيعية».
ومع تصاعد المواجهة وتوسعها في مختلف مناطق الأرض المحتلة، راحت الأمور تسير نحو التدهور مجددا، وبدأ العالم العربي والإسلامي ومعه الهيئات الدولية بإطلاق صيحات التحذير من المساس بالمقدسات الإسلامية في القدس.
وفي حين تواصلت اقتحامات المستوطنين ومحاولاتهم ادخال القرابين الدينية إلى ساحة الأقصى، بدأت تهديدات حركتي وحماس من غزة تقلق حكومة إسرائيل التي يقودها زعيم المستوطنين المتدينين، نفتالي بينيت.
وأضطر بينيت، الذي وصل إلى سدة الحكم بدعم المستوطنين والمتدينين اليهود إلى إصدار أوامره بمنع ذبح قرابين في ساحة الأقصى. وراحت حكومته التي تحكم بتحالف هش، تتعرض لانتقادات قوية من معسكر المستوطنين في إسرائيل.
انقلب السحر على الساحر، أو هكذا بدت أمور حكومة بينيت، زعيم المستوطنين الذي يرفض مجرد التفاوض مع الفلسطينيين، فضلا عن رفضه المطلق لإقامة دولة فلسطينية.
أو ربما هي المخاوف من توسع جبهة الحرب الدينية ودخول فصائل المقاومة في غزة والتي أطلقت رشقات صاروخية باتجاه مستوطنات غلاف غزة وقالت إنها لن تقف مكتوفة الإيدي إذا ما سمح للمستوطنين بذبح القرابين داخل ساحات المسجد الأقصى.
ثمة مخاوف كبرى أخرى أشعلتها المواجهة الدينية في الأقصى لدى حكومة بينيت، وهي خشية انتقال المواجهات إلى داخل إسرائيل حيث الفلسطينيون الذين لا يترددون عن تقديم الدعم والمساعدة.
وقد أبدت أوساط أمنية إسرائيلية مخاوفها من تفجّر الأوضاع في المدن والبلدات الفلسطينية داخل الخط الأخضر، في أعقاب أحداث المسجد الأقصى. ونقل موقع صحيفة «يديعوت أحرنوت» عن مصادر في داخل المؤسسة الأمنية قولها إن أعدادا من فلسطينيي الداخل شاركوا فعلا في «أحداث شغب» رداً على ما يجري في الأقصى.
وحذرت الأوساط من أن حدثا ما يمكن أن يفجّر الأوضاع داخل التجمعات السكانية الخاصة بفلسطينيي الداخل، وتحديدا في المدن المختلطة، تماما كما حدث قبل عام عند اندلاع هبة القدس.
ما يثير مخاوف الفلسطينيين، هو مواصلة حكومات إسرائيل المتعاقبة في السماح للمستوطنين بدخول المسجد الأقصى وإقامة شعائر دينية في ساحته، الأمر الذي يتعبرونه مخططا متواصلا لتقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين كما فعلت في حالة المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.
ومنذ العام 2000 بدأت إسرائيل بالسماح لدخول المستوطنين والمتدينين اليهود إلى ساحات المسجد، وشكلت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ارييل شارون في ذات العام تحولا كبيرا في تعامل إسرائيل مع الأمر.
وإضافة إلى تحول زيارة شارون في حينه إلى شرارة اندلاع الانتفاضة الثانية، أو ما يعرف بانتفاضة الأقصى، شددت إسرائيل وفرضت قيودا مشددة على دخول الفلسطينيين إلى القدس والأقصى بالتحديد.
وهي تمنع معظم الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول الحرم الشريف حتى في المناسبات والأعياد الدينية، مسلمين ومسيحيين على حد سواء.
وكانت اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة) أصدرت في تشرين الأول/اكتوبر عام 2016 قرارا قالت فيه انه ليس ثمة ارتباط ديني أو علاقة بين الديانة اليهودية والسمجد الأقصى، لكنها السياسة التي توارث الدين والدين الذي يورث السياسة.
واستنادا إلى جوزيف مسعد، أستاذ التاريخ السياسي والثقافي العربي بجامعة كولومبيا الأمريكية، فإنه لم تكن للمسجد أي أهمية تذكر قبل ظهور الحركة الصهيونية.
وكتب مسعد في مقال نشره موقع «ميدل ايست آي» تعقيبا على الأحداث الأخيرة في القدس «في الواقع، لم يكن لحائط البراق (المبكى حسب تسمية إسرائيل) فضلا عن الحرم الشريف، أهمية دينية مركزية كموقع صلاة لليهود قبل ظهور الصهيونية».
وأضاف: «وفي حين سُمح لليهود الفلسطينيين بالصلاة هناك في العهد العثماني، كان المستعمرون الصهاينة والمتطرفون هم الذين بدأوا يطالبون بالحائط، مما تسبب في عدد من المواجهات العنيفة مع المسلمين الفلسطينيين في عشرينيات القرن الماضي، بلغت ذروتها في أعمال عنف عام 1929 اجتاحت البلاد بأكملها، وقد أطلق عليها الفلسطينيون اسم (ثورة البراق) وقتل فيها أكثر من 200 يهودي وفلسطيني».
وقال مسعد «في الواقع، لا تزال مسألة السماح لليهود بالدخول إلى الحرم الشريف، ناهيك عن الصلاة فيه، نقطة خلاف رئيسية في الأوساط الدينية اليهودية في إسرائيل، لدرجة أن بنيامين نتنياهو قد أبرم صفقة في العام الماضي مع حاخام محافظ ورئيس حزب سياسي لمنع اليهود مؤقتا من دخول الحرم مقابل الانضمام إلى حكومته الائتلافية».
وبعد نحو مئة عام من موقعة البراق تلك، ما زالت حرب الدين والسياسة متواصلة في ساحة المسجد الأقصى وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
ويقول مسعد: «بينما يدرك الفلسطينيون أن الاستعمار الاستيطاني استهدف أرض الفلسطينيين بأكملها ويواصل استهدافها، فإن المحاولات المستمرة للسيطرة على الأماكن المقدسة لدى المسلمين الفلسطينيين، سواء في القدس أو الخليل أو في مقام يوسف الدويك (ولي محلي في نابلس) أو ما يزعم الصهاينة المتعصبون أنه قبر يوسف التوراتي، مستمرة على قدم وساق».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية