فلسطين وفي قلبها القدس والمسجد الأقصى المبارك، كانت قديما وحديثا المسبار الأدق والمؤشر الأصدق لحال هذه الأمة. فإن كنت تريد ان تتعرف على حالها صعودا وهبوطا، إقداما وإحجاما، ونهوضا وتخلفا، فانظر إلى فلسطين والقدس والأقصى، فسترى الحقيقة مجردة من دون رتوش! فتح الرسول عليه الصلاة والسلام القدس فتحا ربانيا من خلال رحلة الإسراء والمعراج والتي رسمت طبيعة العلاقة العقائدية بين مكة والقدس. وفتحها الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) صلحا عندما تسلم مفاتيحها من يد البطريرك صفرونيوس بعد رحلة قطعها من المدينة المنورة إلى القدس نزولا عند رغبة بطرقها، حيث لم يكن مثلها لأي مدينة فتحها المسلمون على كثرتها وأهميتها في أنحاء الأرض، وبذلك عزز الخليفة الفاروق العلاقة الروحية والسياسية بين مكة والقدس والمدينة المنورة، فلا أمان لأحدها إذا لم تأمن الأخرى. لم يكن غريبا مع هذه المنزلة التي أنزلها الإسلام للقدس والمسجد الأقصى ان يهب المسلمون لتحريرها من قبضة أول احتلال غربي صليبي لها، فكانت الملحمة الكبرى في حطين تحت قيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي (رضي الله عنه) والتي فتحت الأبواب على مصاريعها لتحرير القدس والمسجد الأقصى حربا. وقعت فلسطين ضحية مؤامرة دولية مهدت لإقامة دولة إسرائيل عام 1948 بعد ان أنزلت بفلسطين وطنا وشعبا ومقدسات نكبة ما زالت تتدحرج دما ودموعا وآلاما ودمارا وخرابا حتى يومنا هذا! احتلت إسرائيل عام 1948 القسم الغربي من القدس وبقي قسمها الشرقي بما في ذلك المسجد الأقصى تحت الإدارة الأردنية حتى حرب عام 1967 فوقعت فلسطين كلها بما في ذلك القدس في يد الاحتلال الإسرائيلي الذي ما يزال يسعى لتشديد قبضته على المدينة المقدسة تهويدا وحصارا ومصادرة للأراضي وانتهاكا للمقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، وطردا لسكانها الأصليين وإقامة للبؤر الاستيطانية اليهودية في قلب البلدة القديمة وأحيائها، وبناء المستوطنات العملاقة حول المدينة التي استوعبت مئات آلاف المستوطنين اليهود، أصبحت جزءا مما تسميه إسرائيل بـ «القدس الكبرى» وتشييد الجدار العنصري لقطعها تماما عن عمقها الجغرافي والديموغرافي الفلسطيني، تنفيذا لمخططها الذي جعل القدس العاصمة الأبدية للدولة العبرية رغم مخالفة ذلك صراحة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
الحلقة الأخطر
بدأت المؤامرة على مدينة القدس وعلى المسجد الأقصى المبارك مباشرة بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967. شملت خططا مولتها حكومات إسرائيل المتعاقبة إضافة إلى جهات صهيونية أجنبية ضخت المليارات لتحقيق برامجها التي استهدفت أساسا الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة. إلا ان المؤامرة على المسجد الأقصى المبارك كانت وما تزال الحلقة الأخطر، حيث يتعرض الأقصى منذ الاحتلال لمسلسل من الانتهاكات والاعتداءات الخطيرة تكاد لا تتوقف، بدأت بمحاولة حرقه عام 1968 مرورا بالحفريات التي تهدد وجود الأقصى وأحياء البلدة القديمة والمنشآت التاريخية الخالدة، وليس انتهاء بالاقتحامات الوحشية التي تسببت في انتهاك حرمة المسجد والحوض المقدس، وإسالة دماء مئات الأبرياء من المصلين والمعتكفين عبر السنين، وزرع البؤر الاستيطانية قريبا من بوابات الأقصى المبارك، والسعي الحثيث لفرض التقسيم الزماني (يتم تنفيذه حاليا بشكل جزئي) والمكاني، على نحو التقسيم الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي في الحرم الابراهيمي الشريف في الخليل بعد المجزرة الرهيبة التي نفذها الإرهابي اليهودي باروخ غولدشطاين.
وصلت هذه المخططات درجة لم تتردد معها الصحافة الإسرائيلية «هآرتس كنموذج» من الكشف عن تفاصيل سيناريوهات لهدم الأقصى والمساس به وضعتها جمعيات يهودية متطرفة تحظى بالدعم الرسمي والشعبي وعلى نطاق واسع. من أهم هذه السيناريوهات 1. قيام أحد الطيارين المتطرفين بقيادة طائرته الحربية المحملة بالقنابل والصواريخ وإطلاقها على الأقصى وقبة الصخرة بهدف تدميرهما، ومن ثم الادعاء بجنون الطيار، أو بالحكم عليه بالسجن ثم إطلاق سراحه 2. توسيع نطاق الحفريات تحت ساحات الأقصى وقبة الصخرة وأساساتهما، ومن ثم افتعال هزة أرضية تؤدي إلى هدمهما والصاق «التهمة» بالقدر!
بالرغم من التوافق الوطني الصهيوني «الكونسنزوس» حول القدس الموحدة، وانها العاصمة الأبدية لإسرائيل، وأن أية حكومة لن تقبل بأي مشروع لتقسيمها تحت أي ظرف حتى لو كان ذلك شرطا لتحقيق السلام الشرق أوسطي، تظل القدس والمسجد الأقصى المبارك، وموقف الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده الرافض للاحتلال والمصر على تحرير القدس، وكذلك موقف الأمة العربية والإسلامية المساند للشعب الفلسطيني في إصراره على تحرير القدس على اعتبارها العاصمة الأبدية لفلسطين، يظل ذلك كله الهاجس المقلق لأية حكومة إسرائيلية بما في ذلك الحكومة الحالية بقيادة الثنائي بينيت-لابيد خصوصا وان الأردن ما زال يتمتع بوضع قانوني خاص ومميز، يمنحه حق الوصاية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، وذلك حسب الوضع القائم «الستاتوس كفو» وحسب بنود اتفاق السلام بين الدولتين الموقع عام 1994 وحق التدخل لوقف أي انتهاكات تخالف القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بين الطرفين.
العد التنازلي
صحيح ان الحكومات السابقة عموما وفي أغلب الأحوال، لم تواجه تحديات تستهدف وجودها واستقرارها بسبب القدس والأقصى، حيث تمتعت هذه الحكومات بغالبية منحتها حرية في تنفيذ مخططاتها ضاربة بعرض الحائط القانون الدولي ومتجاهلة في حالات كثيرة الوصاية الأردنية، إلا ان حكومة بينيت-لابيد الحالية لها وضع آخر تماما، خصوصا وانها تعتمد في بقائها على القائمة العربية الموحدة التي اتخذت قرارا غير مسبوق بالدخول إلى الائتلاف الحكومي الحالي مستغلة حالة الانقسام الحاد في الساحة السياسية الإسرائيلية وفشل نتنياهو في تشكيل الحكومة بعد ثلاث جولات انتخابية متتالية (2019 – 2021) ورغبة الكثير من الأحزاب الصهيونية والعربية إقصاء نتنياهو عن سدة الحكم، أملا في تحقيق مكاسب للمجتمع العربي لم يكن ممكنا تحقيقها في ظروف يحكم فيه ائتلاف صهيوني صرف!
تم التوافق في إطار الاتفاق الائتلافي على المحافظة على الستاتوس كفو، في كل القضايا ذات العلاقة بالملف الفلسطيني بما في ذلك في القدس والمسجد الأقصى المبارك، إلا ان الأحداث الأخيرة التي وقعت في القدس والأقصى في رمضان الماضي (2021) ورمضان الحالي (2022) والتي مارست فيها الحكومة الإسرائيلية سياسة عدوانية تجاوزت في بعض الأحيان سياسة نتنياهو ووزراء الأمن الداخلي المتطرفين الذين خدموا في حكوماته، كان لا بد للقائمة العربية الموحدة وهي الذراع السياسية للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، من التحرك السريع وتأكيد رفضها لسياسات الحكومة الحالية تجاه القدس والمسجد الأقصى المبارك.
هذا الموقف للقائمة الموحدة خلق واقعا جديدا حيث قرر مجلس شورى الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني «تعليق» دعم القائمة العربية الموحدة للحكومة مع تواصل العنف في المسجد الأقصى ومحيطه في القدس، معتبرا القدس والمسجد الأقصى خطا أحمر لا يمكن للحركة الإسلامية معه دعم حكومة تمارس انتهاكات خطيرة تهدد الأمن والاستقرار المحليين والإقليميين والدوليين. لم يترك مجلس شورى الحركة الإسلامية مجالا للشك في ان الحركة لن تتردد في إصدار أمرها للقائمة العربية الموحدة للانسحاب الكامل من الائتلاف الحكومي، وحتى الاستقالة الجماعية من الكنيست، والذي يعني سقوط الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة، إذا ما استمرت الحكومة في سياساتها العدوانية تجاه القدس والمسجد الأقصى! أصدرت القائمة العربية الموحدة بيانا بهذا الخصوص أشار إلى أن القرار جاء على ضوء «مواصلة الاحتلال عدوانه على القدس والمسجد الأقصى المبارك، وخيبة الأمل من تعامل الحكومة الإسرائيلية مع ملف القدس والأقصى» وأوضحت القائمة أن هدف دخولها إلى الائتلاف الحكومي كان «تحقيق مصالح المجتمع العربي والبحث عن حلول لقضاياه العديدة وتعزيز قوة وشرعية التمثيل العربي في الساحة السياسية في إسرائيل».
ما من شك ان العد التنازلي لحكومة الثنائي بينيت-لابيد قد بدأ، ومع ذلك ستظل مدينة القدس وفي قلبها المسجد الأقصى المبارك تحقق انتصارات على الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، وذلك من خلال ما تملكه من مخزون استراتيجي روحي وتاريخي وحضاري إسلامي وعربي تتحطم على صخرته كل مؤامرات الاحتلال ومشاريع تهويده للمدينة المقدسة. هذا إضافة إلى احتضانها لشعب فلسطيني أعلن عدم اعترافه بالاحتلال وبآثاره، ويسجل في كل منعطف من منعطفات هذا الصراع بين الحق الإسلامي-العربي-الفلسطيني ذي الجذور العميقة، وبين الباطل والافك الصهيوني الذي تلفظه الأرض والإنسان، يسجل هو أيضا صفحات من نور ما زالت تربك حسابات المحتل الإسرائيلي وتخلط أوراقه وتفقده توازنه، وتثبت له مرة بعد مرة انه إلى زوال مهما طال الزمن ومهما بلغ ظلمه وطغيانه.
دعم القدس والأقصى المبارك وفلسطين واجب بل فرض عين على العرب والمسلمين في أرجاء الأرض أنظمة وشعوبا، ولن يرحم التاريخ جحافل المفرطين بحقها والعابثين بحاضرها ومستقبلها، والمقامرين بمصيرها. كما ان التاريخ سيذكر أنصارها والعاملين لها والداعمين لصمودها وصمود أهلها بكل الطرق المشروعة الممكنة. القدس بحاجة إلى كل الدعم المادي والمعنوي الممكن، ولكنها بحاجة أكثر إلى من يسعى لتحريرها من أيدي الاحتلال، على اعتبار أن تخليصها من قيد المحتل هو الضمان الوحيد لأمنها ونهضتها وازدهارها واستقرارها. هذا كان في الماضي، وما سيكون عاجلا أو آجلا.