شراء الفلسطينيين من القدس عادة قديمة تحولت إلى دعم صمود المواطنين أمام سياسات الاحتلال الجائرة

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

القدس – “القدس العربي”:

لا يمكن للفلسطينية إيمان محاجنة التي تسكن في مناطق فلسطين 48 أن تزور مدينة القدس دون أن تجلب معها شيئا من رائحة المكان. وهي تؤكد أن الكعك هو الأكل الشعبي الأكثر قربا إلى قلبها، فهو يمتاز بنكهة خاصة لا مثيل لها بين المخبوزات الشعبية الفلسطينية. وتضيف محاجة: “الأمر بالنسبة لي شخصي جدا، لقد كانت جدتي تذهب للقدس بشكل ثابت وكانت دوما تجلب معها كعك القدس، إنه شيء ارتبط معي بزيارة القدس منذ كنت صغيرة”. وتحلل سر سلوكها الحالي في جلب الكعك بإن فعل جدتها خلق لديها نوعا من توارث العادات القديمة والبناء عليها.

ويندر أن يعود أحد من الآلاف المؤلفة التي تحج طوال شهر رمضان إلى مدينة القدس، إلى قراهم ومدنهم ومخيماتهم من دون أن يجلبوا معهم طعاما أو أكلا شعبيا من شوارع المدينة المحتلة. وتعتبر مسألة الشراء من القدس بمثابة عادة قديمة لكنها مستمرة وإن كانت مؤخرا قد تعمقت لكونها ارتبطت بفكرة الشراء من أجل دعم صمود المقدسيين في سبيل تحسين حالتهم الاقتصادية بفعل سياسات الاحتلال التي تمارس بحق تجار المدينة.

 

لا مفاصلة في الأسعار

سليمان نجم من مدينة نابلس يعتبر أن أول شي يقوم بشرائه من القدس هو الكعك المقدسي المغطى بالسمسم، فهو يتمتع بنكهة خاصة ومميز عن بقية أنواع الكعك الفلسطيني. ورغم أن نابلس مدينة مشهورة بالصناعات التراثية المرتبطة بالطعام إلا أن نجم يؤكد أن أطعمه القدس من نوع مختلف عن أي مدينة فلسطينية أخرى حيث يجلب معه دوما أنواع الكعك المقدسي لكونه يمتاز ويحمل الطعم والنكهة المقدسية. ويؤكد نجم أن دعم المقدسيين لا يكون من خلال شراء الكعك الذي يعشقه، إنما يكون مرتبطا بشراء أغراض أخرى من أسواق البلدة القديمة من دون أن يخوض أي عملية مفاصلة على الأسعار. ويشدد أنه دوما ما يشتري أشياء تذكارية عن القدس ومن القدس، مثل الكاسات الخزفية، والميداليات، والمشغولات اليدوية وهدايا الأطفال.

ومع ذلك فالبعد التكافلي والرغبة بالمساعدة وتقديم العون يبقى الشراء من أطعمه القدس مسألة خاصة وصعبة التفسير، حيث ينظر إليها على أنها “واجب مقدس” بحيث لا تكتمل “زيارة التقديس” كما يسميها كبار السن من دون الشراء من مختلف ما تتيحه الأسواق الشعبية والمحلات الخاصة بالأطعمة والأطباق التقليدية.

زوار المدينة ارتبطوا روحيا بخبزها وحلوياتها ومصنوعاتها التذكارية

ويؤكد التجار أن كل توافد للفلسطينيين من الضفة الغربية أو فلسطين 48 تدفعان على إنعاش المدينة المستهدفة في اقتصادها بفعل الضرائب العالية التي تفرضها سلطات الاحتلال بحق التجار إضافة إلى أيام الإغلاق الطويلة وسياسة القمع التي تجعل الأسواق في البلدة القديمة بيئة طاردة للمتسوقين.

وإلى جانب الكعك المقدسي الشهير تقدم مخابز القدس نوعا آخر من الخبز يحمل اسم “خبز المجدَّل” الذي يرتبط بالشهر الفضيل ويكاد يكون هوية مقدسية بأشكاله المختلفة وطعمه اللذيذ. والمجدل الذي يقدمه مخبز وفرن أبو سنينة في البلدة القديمة يعتبر مكونا مهما في السحور والإفطار في حال رغب الصائم أن يتناول معه الحمص. ويباع هذا الصنف من المخبوزات في الشهر الفضيل حيث يجتهد مخبز أبو سنينة في العمل منذ ساعات الصباح كي يكون على عربات البائعة والموزعين بعد ساعات العصر كي يؤكل ساخنا. وإلى جانب المجدل تمتاز القدس بصنف خاص من الخبز الذي هو رقائق هشة لذيذة المذاق ومغطاة بالسمسم. ولا تكاد تخلو أي مائدة للصائمين من هذا الخبز الرقيق حيث يعرف محليا باسم “البرازق” التي ينتجها مخبز الرازم الذي يقع في حارة السعدية في البلدة القديمة في القدس.

يقول السبعيني أبو عواد الرازم أنه يقدم في رمضان كل أشكال الحلويات لكن البرازق التي يتخصص في صناعتها تعتبر المخبوز الأكثر شهرة. ويقول أبو عواد إنه يعمل في هذا المخبز القديم جدا (عمره 300 سنة تقريبا) منذ 22 عاما، حيث يخبز البرازق في فرن حجري قديم بعد عملية تحضير وتجهيز مضنية تتكون من مراحل سبع.

ويتابع أبو عواد: “هذا النوع من الخبز يقوم على العمل اليدوي كليا، وفي كل مرحلة تتطلب أيادي عاملة كثيرة، وهي مهمة يتولاها أبناؤه وأبناء أخوته الشباب الذين اتقنوا هذه المهنة أبا عن جد”.

أما حلو “النمورة” فهي الحلوى شهية المذاق التي يقبل عليها الناس في القدس، وهي نوع من الحلويات التي تتكون من 16 طبقة من عجينة رقيقة توضع فوق بعضها البعض مكون الحلو الذي يفضله أهل القدس وزوارها.

نور أبو صبيح، صاحب محل حلويات النجاح، يؤكد على علاقة المقدسيين بهذا النوع من الحلويات، ويقول: “إنها تتطلب وقتا طويلا في العمل لكن النتيجة مرضية، حلوى شهية ومفيدة للصائمين”.

وتتركز الحركة الشرائية النشطة على مجالات الأطعمة والحلويات في بداية الشهر، فيما ينشط بيع الملابس والأحذية في البلدة القديمة مع اقتراب العيد لكن بيع التذكارات والهدايا التراثية تستمر طوال أيام الشهر بفضل المصلين القادمين من مدن الضفة الغربية ومناطق فلسطين 48 حيث تنمو وتنشط مجالات التجارة الأخرى في القدس متأثرة بالحركة السياحية الدينية التي تصاحب الشهر الفضيل. ويشتري القادمون مجموعة متنوعة من البضائع مثل الحلويات والسكاكر التقليدية والراحة والحلقوم والطحينية والبخور وملابس الصلاة والعبايات والصحون المزخرفة والتحف والهدايا، وكلها أطعمة وأغراض وأدوات تبني جسرا بين المشترين ومدينتهم المحتلة التي يحرمون من زيارتها على أمل زيارة أخرى في رمضان قادم.

الأستاذ مجاهد زيود من مدينة جنين يقول: “أشتري كعك القدس، الفلافل المحشية، الفواكه المجففة، ألعاب الأطفال، والجلود الطبيعية، والنحاسيات والهدايا والتذكارات، وأحيانا ملابس”. ويضيف: “كل شيء في أسواق القدس له ما يميزه عن غيره وعندما تأكله أو تشربه أو تقتنيه تشعر بأنك نلت شرفا عظيما”.

أما رشا حرز الله فتقول: عندما أنزل على القدس أكون على علم أن كل شيء موجود في نابلس ماعدا الكعك، لكني أشعر بالقدس أنني أمام أشياء أول مرة أشاهدها، وعلى طول أقوم بشراء الكعك والميداليات والمعجنات والملابس”. وتتابع: “كل ما هو موجود في القدس يمنحك شعورا بأنك لم تره، بحس انه بدي أشتري البلد كلها وأرجع فيها”.

 

هوية مختلفة

الحلقة المصورة الأولى من الموسم العاشر والأخير من سلسلة برنامج “أزكا أكل في العالم” لمدون الطعام الفلسطيني الأصل طارق الحاج كانت مخصصة لجولة وتجربة عاطفية مع الأطعمة الشعبية في المدينة المحاصرة. يبدأ الحاج حلقته الطويلة نسبيا بمقدمة قصيرة عن المدن الخمسين التي زارها من خلال حلقات برنامجه، ليقول إنه “وبعد كل اللف في دول العالم أصبح اليوم هنا في القدس…عاصمة بلدي فلسطين”.

ويبدأ حلقته، التي حازت حتى اللحظة على أكثر من مليوني مشاهدة بالذهاب إلى الأكل الشعبي المقدسي الأكثر شهرة وهو كعك القدس ذو الشكل البيضاوي الذي يباع على عربات خشبية بسيطة تنتشر على أبواب المسجد الأقصى وأحياء البلدة القديمة. يحاول الحاج أن يقدم رؤيته لما يميز الكعك المقدسي حيث الشكل البيضاوي، وطريقة الطبخ في الفرن الحجري الذي يُستخدم فيه خشب الزيتون، والبركة.

يشرح الحاج موضوع بركة الطعام فيقول: “في القدس بركة مختلفة، يعني لو عملت نفس الكعك بنفس المكونات والمقادير في مكان آخر لن يكون بنفس طعم كعك القدس”. ويتجول الحاج في القدس مستعرضا مختلف أنواع الأطعمة والحلويات حيث يتوقف أمام طبق المفتول الفلسطيني وكذلك طنجرة المقلوبة التي تقدمها المرابطات على أبواب المسجد الأقصى.

وبعد تناوله طبق المقلوبة التي يعتبرها فعلا متجاوزا للطعام لكونها حالة من إثبات وجود وإعلان موقف يقدم اعتذاره لوالدته حيث أنه تناول في القدس “المقلوبة الأغلى في حياته والأقرب على قلبه والتي لا تنسى أبدا”.

ويتحدث الحاج بشكل خاص مع صاحب محل أبو خديجة في وسط المدينة المحتلة الذي يؤكد أنه رغم المعاناة وتراجع الأحوال الاقتصادية سنة تلو أخرى إلا أنه يرفض أن يستجيب لإغراءات بيع محلة القديم والتراثي رغم كم العروض التي تقدمها جهات استيطانية. ويؤكد أبو خديجة أن آخر عرض كان عبارة عن 40 مليون دولار.

يقدم الحاج، الذي ينتمي لأب فلسطيني من مواليد مجدل عسقلان عام 1944، في حلقته تجربة عاطفية للغاية في علاقته مع المدينة وأطعمتها ويبدو مثل طفل صغير متنقلا بين أزقتها مقدما حلقة مميزة في برنامجه الشهير ليس من ناحية تميز الأطعمة التي يحتفي بها فقط بل لكونها في مدينة القدس المحتلة التي تصبغ كل ما يخرج منها بروح وهوية مختلفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية