بيروت- “القدس العربي”:
أثرت الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان بشكل كبير على مختلف القطاعات في البلد ولا سيما منها القطاع العقاري الذي يشهد حالة ركود خلافاً للسنوات الماضية التي شهد فيها على ازدهار وحركة ناشطة، وذلك نتيجة عوامل مجتمعة منها انهيار القدرة الشرائية للمواطنين بسبب انهيار الليرة اللبنانية أمام تقلبات سعر صرف الدولار وبسبب توقف المؤسسة العامة للإسكان عن منح القروض ولا سيما للفئات الشبابية فضلاً عن توقف استبدال شيكات الودائع المصرفية بعقارات سكانية والمطالبة “بالفريش” دولار.
وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى جمود في حركة بيع وشراء الشقق السكنية على الرغم من انخفاض أسعارها بشكل ملحوظ ما بين 30 و40% حسب المناطق ولجوء العديد من أصحاب العقارات إلى تخفيض أسعار شققهم من أجل الحصول على الدولار لتأمين مستلزماتهم اليومية، وسط جمود في حركة تأجير الشقق السكانية بسبب الأزمة المستفحلة بين المالكين والمستأجرين الذي طرق الجوع والبؤس والوجع والقهر أبوابهما على السواء في ظل غياب تطبيق القوانين التي تراعي التوازن العادل بينهما، وهذا ما ينذر بأزمة إسكانية لا تحمد عقباها بعد انتهاء عقود الإيجار الموقعة قبل الأزمة ورفع البدلات بالعقود الجديدة ما يفوق قدرة الغالبية من المواطنين على الدفع.
وفي محاولة لإعادة تحريك القروض السكنية، أعلن المدير العام لمصرف الإسكان انطوان حبيب عن خطوة قد تفتح الباب ولو بشكل محدود أمام الشبان للاستفادة من قرض تصل قيمته إلى مليار ليرة أي ما يوازي حوالى 37 ألف دولار لشراء شقة أو بناء منزل أو الاستفادة من قرض 400 مليون ليرة لترميم مسكن بفائدة تبلغ 4.9 في المئة. وأوضح حبيب “أن مصادر التمويل منها داخلي ومنها خارجي ونسعى لتحويل القرض العربي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بما يُعرف بالقرض الكويتي بقيمة 165 مليون دولار من أجل القروض السكنية”.
خلل في قوانين الإيجار
وفي حديث إلى “القدس العربي” لفتت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المستشارة القانونية المحامية أنديرا الزهيري إلى “أن الأزمة المالية في لبنان انعكست على القطاعات كافة ومن ضمنها القطاع العقاري والتأجيري، ولم يعد باستطاعة المواطن الحصول على القروض أو دفع قيمة شراء الشقة، فضلاً عن فقدان ثقة التعامل مع المصارف وهذا ساهم في زيادة الطلب على الإيجار”.
ورأت الزهيري أنه “لا يخفى على أحد مشاكل القطاع التأجيري في لبنان وخصوصاً أننا نصطدم دائماً بعدة قوانين غير موحدة وغير متوازية سواء لجهة احترام الملكية الفردية أو العدالة الاجتماعية وغيرها. ولحين إقرار مراسيمها التطبيقية نصبح أمام واقع جديد وحالة مستجدة، فلم تعد تلك القوانين المتأخرة متناسبة مع الوضع الجديد وخلقت خللاً في توازن العقد، وخلقت نزاعات عقيمة تبدأ في المحاكم وتنتهي بوفاة أصحابها لاستعادة الحقوق”.
مصرف الإسكان يفتح الباب أمام قروض سكنية خجولة قياساً لارتفاع سعر الدولار
وأوضحت “أن القانون الجديد للإيجارات تعثر بسبب الأزمة الحاصلة والتصادم السياسي”، وأبلغت “القدس العربي” أنه “صحيح أن قانوناً جديداً للإيجارات صدر منذ عام 2014 وعُدل في 2017 واعتُبر المنقذ من هول التمديد القسري وغير الدستوري للقانون القديم ووسيلة عبور إلى درب الخلاص وخصوصاً للمالكين القدامى، وشكل بصيص أمل لأصحاب أماكن الإيجارات غير السكنية باعتبار أن أملاكهم ستتحرر من التمديد بعد الانتهاء من قانون الإيجارات السكنية الذي يمهد لتحرير العقود بطريقة تصاعدية مدعومة من الدولة من خلال لجان حساب الدعم”. لكنها اعتبرت في الوقت عينه “أن الأزمة والتصادم السياسي كانا العثرة الأكبر أمام حل هذه الشائكة وقصة إبريق الزيت”.
وأضافت “إن حالة المواطن في عسر وهناك فقدان للثقة بالمصارف حال دون الحصول على الأموال، ووضع المالك القديم الذي معاناته منذ 75 سنة تفوق الحالة المتردية التي ظهرت منذ قرابة 3 سنوات، ولعبة الدولار لم يكن يوماً مستفيداً منها فأصبحت ملكيته المبتورة عالقة بين أمله في تحرير عقوده وبين أن يتقاضى بدلات عادلة تعوض عليه السنوات التي سُلبت منه، فضلاً عن أن عدم تنفيذ القرار الصادر عن المجلس الدستوري الذي كان واضحاً بخصوص الطعن بعدم تمديد أماكن الإيجارات غير السكنية، بحيث لا يمكن لفئة خاصة أن تستفيد على حساب فئة أخرى، ولا يمكن التمديد أكثر من سنة باعتبار أنه مخالفة دستورية، وما هو مؤكد لدينا نسف ما يُقال حول إعداد المستأجرين وتضخيم الأرقام وخصوصاً ما كشفته وزارة المالية عن الأعداد الحقيقية للعقود القديمة والجديدة والجهات المستأجرة”.
وكشفت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات “أن مجموع الإيجارات غير المحررة في كل لبنان وفي جميع المناطق وبحسب جميع فئات العقود هي 25,901 أي بنسبة 22.92% لم يشملهم قانون تحرير العقود، منذ بداية التسعينات أي منذ 30 سنة، مما يدل على أن القانون قد قسم المواطنين إلى قسمين وبالتالي فقد كال بمكيالين، وما زال هناك قسم من المالكين، عانى ويعاني الظلم والقهر واللاعدالة واللا مساواة حتى الآن، وهذا أمر لا يجوز مهما كانت الظروف ومهما كانت الأسباب أو الموجبات التي أدت إلى ذلك، بالإضافة إلى أن النسبة المرتفعة للإيجارات المحررة في هذا القطاع أي (77.08%) تُظهر وبشكل واضح أن المستأجرين قادرون على تغطية عقود الإيجار بحسب الإيجارات الجديدة وقدرتهم على البقاء والاستمرار مع الشروط الجديدة للتعاقد، لذلك وجب تحرير العقود، لكي يسود العدل والعدالة ويعود ميزان الثقة يصب في خانة التشريعات والعلاقات السليمة ما بين الدولة والمواطنين من جهة والمصداقية أمام الهيئات والمؤسسات الدولية من جهة أخرى، وخصوصا أننا على أبواب تنفيذ مقررات سيدر، حيث التزم لبنان بإجراء الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة والتي تشجع على الاستثمار وإعادة التوازن ما بين العرض والطلب، وزد على ذلك، أن واقع الإيجارات غير السكنية لا يتطابق بأي شكل من الأشكال مع كل الادعاءات التي يطلقها المستأجرون، من تفكك أو انتشار ديمغرافي أو فرز أو تهجير. فكلها مقولات لا تمت إلى الواقع بصلة، والغاية منها الأولى والأخيرة هي تمديد الإيجارات القديمة، والامتناع عن دفع البدل العادل، بالرغم من أن أماكن إنتاجهم توفر لهم المداخيل الطبيعية بحسب السعر الرائج، وبالمقابل فإنهم يدفعون الإيجارات شبه المجانية لشريحة المالكين القدامى المغبونين”.
وانطلاقاً من هذا الواقع، دعت الزهيري “إلى التعامل مع ملف الإيجارات على أنه مفتاح إصلاحي لإعادة ثقة الدول المانحة لمساعدة لبنان في أزمته، بالتزامن مع إيجاد حل لمشكلة سعر صرف الدولار الذي كان السبب الأساسي لخلق المشكلة وخلق خلل في تحرير أماكن الإيجارات القديمة سواء كانت سكنية أو غير سكنية التي كانت ستساهم في انخفاض أسعار الشقق المؤجرة من خلال عملية العرض والطلب. كما أنه يعيد تحريك الدورة الاقتصادية وعجلتها ويساهم في الإصلاحات ويؤمن زيادة في الإنتاجية من حيث الصيانة والترميم والمصانع وغيرها…”.
وختمت مطالبة “بوجوب احترام المواثيق الدولية حول حماية الملكية الفردية واحترام الدستور اللبناني واحترام حق الفرد في تقرير مصير ملكه وتأمين السكن البديل من الدولة وليس من حساب المواطن، وبوجوب تقديم حلول ذات منفعة تخفف الضريبة عن كل من تضرر من تلك القوانين وإعطاء كل مواطن حقه في المحاكم من دون انتظار سنوات طويلة ليكمل ورثته من بعده”.