باحث إسرائيلي: الحرب البحرية بين روسيا وأوكرانيا دروس ومصدر قلق لإسرائيل

حجم الخط
1

الناصرة – “القدس العربي”:

يقول باحث إسرائيلي، وهو عميد في جيش الاحتياط، إن هناك ما يقلق إسرائيل من الحرب البحرية في أوكرانيا داعيا البحرية الإسرائيلية لاستخلاص دروس من تلك الحرب. ويوضح البروفيسور شاؤول حوريف – رئيس مركز دراسات السياسة والاستراتيجيا البحرية في جامعة حيفا، والعميد السابق في سلاح البحر الإسرائيلي، أن المعركة البحرية في الحرب الروسية – الأوكرانية ليست الحلبة المركزية، وهي غير متاحة أمام وسائل الإعلام، والسكان المدنيون ليسوا طرفا فيها، كما أن أحداثها لا تحظى سوى بأصداء إعلامية خافتة إذا ما قورنت بأصداء الأحداث التي تقع على اليابسة.

التحليلات المنشورة عن مجريات الحرب تتميز باللامهنية وباستخدام خاطئ للمفاهيم والمصطلحات

وبرأي حوريف، الذي ينشر مقاله في موقع المركز المذكور، فإن المعلومات المنشورة عن الحرب البحرية بين روسيا وأكرانيا تتميز بأنها تحليلات غير مهنية، وبالاستخدام المغلوط فيه للمفاهيم والمصطلحات البحرية، وبالفهم الخاطئ لمعنى الأحداث ودلالاتها، موضحا أن التقارير المتعلقة بهذه المعركة البحرية، والتي تصل إلى الجمهور، تعتمد على الروايات المقدمة من قبل الأطراف المتنازعة، بما في ذلك التلاعب بالمعلومات. ويرى أنه مع ذلك، من غير الممكن تجاهل بعض الأحداث المؤسسة التي وقعت في هذه الحلبة حتى الآن: غرق الطراد الروسي “موسكفا” (وأغلبية أعضاء طاقمه المؤلف من 500 شخص، كما يبدو) جراء صواريخ أوكرانية مضادة للسفن، إغلاق مضيقيْ البوسفور والدردنيل أمام حركة القطع البحرية العسكرية (التابعة لروسيا ولدول حلف شمال الأطلسي/الناتو، على حد سواء) حصار الأسطول الروسي على الموانئ الأوكرانية (أدى إلى تشويش سلسلة الإمدادات العالمية في المضائق المختلفة) زرع الألغام البحرية في البحر الأسود (الذي لم تعرف بعد هوية الجهة التي قامت به) إطلاق الصواريخ الموجهة من الغواصات والقطع البحرية الروسية الأخرى في البحر الأسود وبحر قزوين ضد أهداف برية، والمخطط الروسي (لم يخرج إلى حيز التنفيذ بعد) لتنفيذ عمليات برمائية في محيط مدينة أوديسا.

الطرّاد الروسي

كما يرى أن بحثا معمقا في هذه الأحداث يؤكد استمرار منحى التغيير في طابع الحرب البحرية، وهو ما يحتم على أساطيل الدول المختلفة في العالم ملائمة العقيدة، وتنظيم القوة والتقنيات التي تعتمدها وتعمل على تطويرها لمواجهة هذا التحدي. ربما كانت أساطيل دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) هي الأولى التي ستكون مضطرة إلى مواجهة إجراء من هذا القبيل، ولا سيما أن المعركة الحالية قد أيقظتها من الوهم الذي نشأ وتكرس لديها في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وفي مركزه الاعتقاد أنه من غير المتوقع في المدى المنظور حدوث مواجهة عسكرية على نطاق واسع على الأرض الأوروبية وفي محيطها البحري. ويقول إنه من الضروري أن تسارع الجهات المعنية وذات الصلة بالموضوع في إسرائيل وفي الجيش الإسرائيلي – بما في ذلك الذراع البحرية – إلى استخلاص العِبر من أحداث المعركة البحرية بين روسيا وأوكرانيا، وفهم التغيرات التي حدثت، ثم تنفيذ الإجراءات اللازمة في مبنى القوة البحرية من أجل ملائمة عقيدة استخدامها للمميزات الفريدة الخاصة بإسرائيل. ويعتبر أن ثمة اتفاقا واسعا يسود بين الخبراء البحريين على أن غرق الطراد الروسي، الذي يمثل سفينة القيادة في أسطول البحر الأسود، شكل ضربة قاسية للهيبة للروسية، إلا إن بعض المحللين العسكريين يخطئون في عزو سبب الغرق الرئيسي إلى “عمر الطراد المتقدم” وحالته المتدنية من حيث الصيانة. ويعلل ذلك بالقول إنهم يتجاهلون التغيرات في طابع الحرب البحرية خلال العقود الأخيرة، والتي غض الأسطول الروسي أيضا الطرف عنها في عقيدته الخاصة بتشغيل الطراد، الأمر الذي أدى إلى إصابته في نهاية المطاف.

ويستذكر أن بناء هذا الطراد أنجز في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، في أوج الحرب الباردة، وكان معدا للتصدي لمجموعات حاملات الطائرات الأمريكية وتوفير الحماية الجوية لقطع الملاحة البحرية السوفياتية التي كانت تنشط في منطقة المحيط الأطلسي، طبقا للرؤية التي وضعها خبير الاستراتيجيات البحرية البارز في بداية القرن العشرين، الأدميرال الأمريكي ألفرد ماهان. ويضيف: “كانت نظريته الأساسية تقول إن مهمة الأسطول الحديث تتمثل في تحقيق التفوق البحري بواسطة المعارك الحاسمة، وهي النظرية التي ثبتت فاعليتها خلال الحربين العالميتين. وقد أثبت الصراع على السيطرة على البحر المتوسط، على شمال المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، والذي انتصرت فيه بريطانيا والولايات المتحدة، مدى حيوية الأسطول وفاعليته في هزم دول المحور”.

ويقول إنه عقب الحرب العالمية الثانية فقدت المعارك الحاسمة في البحار المفتوحة من أهميتها وصلاحيتها كعنصر في تحقيق التفوق البحري وذلك لأسباب عدة: استجابات القوات البحرية بطيئة مقارنة بالقوات الجوية، الشروع في استخدام وسائل أخرى جديدة تحت الماء وفي الجو بصورة خاصة، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرة القوات البحرية على تحقيق التفوق المطلوب، وضع وسائل الكشف الجوي والبري في قيد الاستخدام، الأمر الذي أتاح للدول السيطرة على المناطق المائية دون الحاجة إلى تحقيق التفوق البحري.

لكن الطراد “موسكفا”، في الحالة العينية الراهنة في الحرب الروسية – الأوكرانية، كان مضطرا إلى التعامل مع صنف جديد من المواجهة يعرف باسم “القتال غير المتكافئ” الجاري في المنطقة الساحلية وليس في المحيطات أو في البحار المفتوحة. ويشير إلى أن العلامات الأولى لهذا النوع الجديد من القتال ظهرت خلال ثمانينيات القرن الماضي في منطقة الخليج إبان المعركة البحرية في الحرب العراقية – الإيرانية، والتي عرفت باسم “حرب الناقلات”. ويستذكر إصابة المدمرة الأمريكية “ستارك” بأضرار جسيمة جراء سقوط صاروخي جو- بحر من طراز “إكزوست”، أطلقته طائرة حربية عراقية في مايو/أيار 1987. كما يستذكر إصابة المدمرة الأمريكية “كول” أثناء رسوها خارج ميناء عدن في العام 2000 جراء استهدافها بقارب متفجر تابع لتنظيم “القاعدة”. ويلفت إلى أن هذا ما واجهه سلاح البحرية الإسرائيلي إبان حرب لبنان الثانية (2006)، حين تعرضت فرقاطة “آي إن إس هانيت – ساعر 5” لإصابة مباشرة قاسية بصاروخ مضاد للسفن، أطلقه عليها تنظيم حزب الله، بينما كانت تبحر غربا نحو ميناء بيروت. ويرى الباحث الإسرائيلي أنه في الحالات الثلاث هذه، لم تستوعب الأساطيل التغيير النوعي الذي حدث في طبيعة الحرب الجديدة التي تطورت في الفضاء البحري والحاجة إلى الاستعداد له.

حرب هجينة

ويقول الباحث الإسرائيلي إن الأدميرال الأمريكي جيمس ستافريديس، الذي كان يشغل منصب قائد القيادة الأوروبية والقوات العسكرية التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في القارة الأوروبية، ويعتبر أحد أكثر العقول التي ظهرت في الولايات المتحدة إبداعا، كان قد أشار قبل بضعة أعوام إلى تطور نوع جديد من الحرب يدعى “الحرب الهجينة”.

وحسب رؤيته تتجلى خصائص هذه الحرب في كلتا الحلبتين، البرية (مقاتلو فاغنر) والبحرية (المتمردون الحوثيون). ويتابع حوريف: “يسمح هذا النوع من القتال لذراعيْ روسيا وإيران، على التوالي، بتنفيذ عمليات ترهيب، وإذلال وتدمير لقدرات الخصم (مثل منشآت الطاقة في السعودية والإمارات) دون نسب هذه العمليات بصورة صريحة وواضحة إلى الدول التي تشغل الأذرع، ومع إعفائها من واجب تحمل المسؤولية ومع الأخذ في الاعتبار الغموض البنيوي في هذا النوع من الحرب، فهي لا تتطلب الاستثمار في وسائل باهظة الثمن”.

ويتابع: إنه إلى جانب الحرب غير المتكافئة والهجينة، التي يجري استخدامها في الحرب الروسية – الأوكرانية الراهنة، يجدر النظر أيضا في طبيعة أحداث إضافية أخرى: الإغلاق من طرف واحد لمعابر مائية دولية أمام حركة قطع بحرية عسكرية (مسألة تضررت إسرائيل جراءها أكثر من مرة)، ودلالات ضرب قطع بحرية عسكرية كبيرة تضم طواقم كبيرة العدد، من زاوية الحساسية العالية إزاء فقدان حياة البشر. ويدعو لإعادة النظر في استخدام طريقة زرع الألغام البحرية لأن المتمردين الحوثيين يستخدمون هذه الطريقة في جنوب البحر الأحمر، وهو ما قد يجعلها تهديدا للملاحة البحرية الإسرائيلية في هذه المنطقة. ويرى أنه من المهم التعلم من تجارب الآخرين، وينبغي لذراع البحرية الإسرائيلية استغلال هذه الفرصة لإعادة الفحص والنظر في مفاهيم العمل المعتمدة لديها حيال التغيرات التي حدثت في طبيعة هذا النوع من القتال، كما نشهدها في الحرب الراهنة.

ويعتقد حوريف أن مثل هذه الخطوة، ينبغي أن تصحبها ملاحظة تحذيرية: ما من شك في أن للتكنولوجيا بصورة عامة، وللتجديدات التكنولوجية بصورة خاصة، تأثيرا حاسما في الاستراتيجيا البحرية وعقيدة الأساطيل الحربية. ويضيف “ومع ذلك، ينبغي الحذر من مغبة الوقوع في الكمين الشائع في جهاز الأمن الإسرائيلي والقائم على فكرة أن لكل مشكلة استراتيجية حلا تكنولوجيا، ذلك أن هذا التوجه الأحادي البعد من شأنه أن يلغي، أو يعيق، بدائل من مجال العقيدة الحربية، ومن شأنه التسبب بحدوث مفاجآت، كتلك التي حدثت في إصابة الفرقاطة “آي إن إس هانيت – ساعر 5” خلال حرب لبنان الثانية (وهي الفرقاطة التي كانت مزودة بتجهيزات قتالية متطورة جدا للوقاية من الصواريخ، إلا إن مفهوم تشغيلها كان خاطئا). ويخلص الباحث الإسرائيلي للقول إن الرد على التغييرات في طابع الحرب يستدعي إيجاد وتحقيق التوازن المناسب، بين الاعتماد على العنصر التكنولوجي وبين المركب المفهومي والتنظيمي، وإنه من أجل ضمان النجاح في هذه المهمة، المطلوب من سلاح البحر الإسرائيلي، ضمن أمور أخرى، الاستثمار في تأهيل العاملين في مجال التفكير الاستراتيجي الخاص بالحلبة البحرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية