جديد الممارسة الإسرائيلية في الشهر الفضيل، منع المصلين من الدخول وإخراجهم بالكامل من المسجد والساحات وإغلاق قبة الصخرة والمسجد القبلي، واستخدام طائرات صغيرة تقذف القنابل على المصلين واقتحام الأقصى.
رام الله ـ «القدس العربي»: لا يشيد الفلسطينيون بشيء، في هذه الأيام، كما يشيدون بملف العلاقة والتنسيق الكامل ما بينهم والمملكة الأردنية الهاشمية على خلفية ما يجري في مدينة القدس والمسجد الأقصى.
اتصالات رسمية على قدم وساق، زيارات معلنة وغير معلنة، يحضرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولقاءات مع شخصيات القدس وكنائسها وطوائفها.
آخر اللقاءات جمعت الرئيس محمود عباس، الأربعاء الماضي، مع الملك عبد الله الثاني في قصر الحسينية في العاصمة الأردنية عمان. ما رشح عن اللقاء أشار إلى أن الطرفين بحثا «آخر المستجدات على صعيد سبل الدفاع عن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وتعزيز التنسيق المشترك بين القيادتين الفلسطينية والأردنية في القضايا ذات الاهتمام المشترك».
خلال اللقاء جدد الرئيس الفلسطيني التأكيد على ضرورة الضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف أعمالها أحادية الجانب واحترام الاتفاقيات الموقعة، ووقف عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني. أما الملك فأعرب عن عزمه مواصلة الاتصالات من أجل وقف الاعتداء على القدس والمقدسات، مؤكداً أن الأردن وبموجب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، يواصل جهوده مع الأطراف الإقليمية والدولية لوقف التصعيد الإسرائيلي والحفاظ على الوضع التاريخي للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.
وثيقة مطالب
مصادر رسمية فلسطينية أكدت لـ«القدس العربي» أن الأردن أطلع الفلسطينيين على خطة أو وثيقة مطالب تتعلق بتعديلات على أدوار حراس المسجد الأقصى.
وأكدت المصادر التي رفضت الكشف عن نفسها أن الأردن يفعل ذلك مستثمرا ما تحاول الجهات الإسرائيلية الرسمية (رئيس الوزراء نفتالي بينيت) ترويجه عبر وسائل الإعلام الدولية من أن هناك مناوشات بين الفلسطينيين وحراس الأقصى الذين يتبعون الأوقاف الأردنية، وأن القوات الإسرائيلية تقتحم الأقصى من أجل فض الاشتباك بين الطرفين.
المصدر الرسمي الفلسطيني أكد أن نقاشات طويلة دارت فلسطينيا وأردنيا خلال الشهر الفضيل كانت تتعلق بأدوار حراس الأقصى وأعدادهم وطبيعة مهامهم في ظل الاقتحامات المستمرة، فيما تركزت مطالبات الأردن على أنه طالما تقدمون صورة ما يجري في المسجد الأقصى على هذا النحو والشكل فإنه يمكن العمل على زيادة أعداد الحراس، مع زيادة الأدوار بحيث تمتد للجانب الأمني وتنقل مسؤوليات الحرم المقدسي الشريف إلى الوقف الأردني بما فيه الجانب الأمني، بحيث لا يجب أن يسمح للشرطة الإسرائيلية بالتواجد في الحرم الشريف.
وأكد المصدر الفلسطيني أن الأردن يريد أن يتعامل مع الدعاية الإسرائيلية التي يروجها الاحتلال عالميا في ضوء التوتر الذي يسود القدس وساحات المسجد الأقصى منذ مطلع شهر رمضان بفعل اقتحامات إسرائيلية للمسجد خلال عيد «الفصح اليهودي» الذي استمر أسبوعا كاملا.
آخر الاقتحامات كانت فجر الجمعة الأخيرة من رمضان، وخلفت إصابات بالعشرات بالرصاص المطاطي والغاز السام.
وفي المقابل ترفض جهات فلسطينية مسألة التنسيق الأمني بين الأوقاف التابعة للأردن داخل المسجد الأقصى والشرطة الاحتلالية، وترى هذه الجهات أن محاولة تعديل مهمة حراس المسجد الأقصى لتصبح التصدي للمتظاهرين مطروحة منذ سنوات، لكن هناك مخاوف من رد فعل شعبي هو ما كان يمنع المضي بها.
وعادت أحاديث أدوار حراسة واقتحامات المسجد الأقصى ومحاولات الاحتلال العمل على تغيير الوضع القائم واستهداف الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى إلى الواجهة مع تنامي الممارسات الاحتلالية بحق الأقصى.
وقال المصدر الفلسطيني إن الموقف كما يطرحه الأردنيون يمكن تفهمه وهو يأتي كمحاولة لمنع وصد المحاولات الاحتلالية تغيير الوضع القائم.
وتابع: «النقاشات والاجتماعات التي سيطرح فيها الموقف الأردني ومطالبه تم ترحيلها لما بعد رمضان، حيث من المتوقع أن تجري سلسلة من اللقاءات الثنائية».
يذكر انه في آذار/مارس 2013 وقع العاهل الأردني مع الرئيس عباس اتفاقية تمنح المملكة حق «الوصاية والدفاع عن القدس والمقدسات» في فلسطين.
لا ننازعهم الوصاية
وزير الأوقاف الفلسطيني الشيخ حاتم البكري قال لـ«القدس العربي» إن المملكة الأردنية الهاشمية أبلت بلاء حسنا في المواجهة الأخيرة، وتابع: «تبذل المملكة والملك جهودا كبيرة للغاية، ونحن لا ننازعهم في هذه الوصاية على أي شيء، بل أن الموقف الرسمي الفلسطيني رئيسا وحكومة يرى أن الوصاية الهاشمية تستمر بثبات على نهج يحقق الفكرة الإسلامية المرتبطة بالمسجد الأقصى، وهو أمر يدعمه الفلسطينيون».
وأكد البكري أن ما تقوم به المملكة لا ينكره عاقل وهو أمر ملموس ومحسوس ومشاهد، ويقدر الفلسطينيون كل ما يقوم به الملك على صعيد حماية الوصاية الهاشمية والمضي بها قدما للحفاظ على المقدسات في القدس.
وشدد على أن التنسيق بين الطرفين في أعلى مستوياته، وأكد أنه لا خلاف من أي نوع في توجهات الطرفين.
ونفى البكري علمه بأي معلومات تفصيلية حول خطط المملكة ومطالباتها الجديدة، وأكد أن الفلسطينيين يثقون بكل ما يطرحه الملك عبد الله الثاني، فكل ما يقوم به أو سيقوم به سيعمل على استكمال رسالة الهاشميين للحفاظ على المقدسات الإسلامية من دون أي تغيير.
وأمام التنسيق عالي الوتيرة أشار البكري أن الجهات الفلسطينية وتحديدا الرئيس الفلسطيني يدرس ويتابع أي خطط للملك الذي لا يخفي عنه أي شيء، فالموقف العام لدى الطرفين هو الحفاظ على المقدسات. «ونحن ثقتنا عالية ومطلقة بالأخوة الأردنيين والملك يتعامل مع هذا الملف بوضوح كامل، فالهدف هو حماية المقدسات في القدس، وهي ستبقى وديعة لديه وتحت وصايته إلى حين تحويلها للفلسطينيين مع دولتهم المستقلة».
وشدد أن الفلسطيني في الشهر الفضيل تعمقت لديه أهمية التواجد والمرابطة في الأقصى، وهو الأمر الذي كشف ما يملكه من نقاط القوة، وأضاف: «لا نملك إلا قوة البقاء والاستمرار بالتواجد وهذا أمر أزعج الاحتلال وجعله يراجع كل مخططاته وتحديدا معركته في إقصاء المصلين عن الأقصى».
الاستفراد بالقدس
محافظ القدس عدنان غيث اعتبر في حديث لـ«القدس العربي» أن المعركة مع الاحتلال في القدس طويلة ولا تنتهي مع نهاية الشهر الفضيل.
وأضاف: «معركة الاحتلال في القدس يستخدم فيها كل المنهجيات والمحاولات في سبيل السيطرة على المدينة وتهويد مقدساتها، والفلسطيني خرج من هذه المواجهة القصيرة نسبيا بنتيجة أنه هو (الفلسطيني) رأس الحربة لمواجهة المشروع الاستيطاني، فرهان الفلسطيني يجب ان يكون على سواعده فقط».
واعتبر غيث أن السر في تصاعد الهجمة على الأقصى والقدس مرتبط بمسألة ازدواجية المعايير الدولية، وتخاذل دول التطبيع العربي.
وأكد أن الفلسطينيين اليوم يدركون أنهم في أمس الحاجة إلى الوحدة التي يمكن من خلالها مواجهة الاحتلال، وهذا يكون عبر خطة منهجية واحدة تقوم على أساس التحصين الداخلي، والقدس في ذلك خير جامع وموحد.
وبرأي غيث فإنه مطلوب من الفلسطينيين مراقبة والتمعن في جديد الفعل والممارسة الإسرائيلية في الشهر الفضيل «هذا أمر يجب ان نتوقف عنده وتحديدا في مسألتين الأولى سياسة منع المصلين من الدخول وإخراجهم بالكامل من المسجد والساحات وإغلاق قبة الصخرة والمسجد القبلي، وهو أمر يفعله الاحتلال لأول مرة. والثانية استخدام طائرات صغيرة تقذف القنابل في الاعتداء على المصلين واقتحام الأقصى».
وأكد غيث انه لا يجب ان نطرح سؤال ما هو الإنجاز الذي حققناه خلال المواجهة الأخيرة، فالإنجاز الوحيد لا يكون إلا مع الانعتاق من الاحتلال كليا، أما ما حققه الفلسطينيون في رمضان 2022 فهو هذه الحالة العامة من الثبات والشموخ والكبرياء والذود عن المسجد الأقصى الذي توحدوا فيه سياسيا وجغرافيا.
وتابع: «سينتهي رمضان والعيد أيضا وسيعود الاحتلال إلى تنفيذ سياساته وهجمته على المقدسيين، وسيمنع دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى وسيمنع هذا الارتباط الديني والوطني بين الفلسطينيين والأقصى وسيكون المقدسي في مواجهته للاحتلال وحيدا كما كان».
وأكد أنه ليس هناك من قيمة تجلت في الشهر الفضيل أكبر مما عكسته الأحداث في المدينة، حيث استأنست القدس بناسها وبأبناء الشعب الفلسطيني. لقد أعلنت المدينة من هم سادتها، وأكدت أنها عاصمة الدولة الفلسطينية ليس عبر خطاب سياسي إنما عبر سلوك وممارسات الشعب الفلسطيني.