لبنان قصصه لا تنتهي كما هي معاناته وتناحر ساساته، وباتت قصصه حزينة أكثر كما الأرقام القاتمة، وبأي طريقة نظرت إلى لبنان فالصورة قاتمة. الإحصائيات التي تؤشر لوضع اقتصادي متدهور بسبب انهيار العملة وتراجع الناتج القومي، وقصص المهاجرين الذين يحاولون عبور المتوسط على قوارب متهالكة للحاق بالأثرياء من أبناء وطنهم وحملة الجوازات الأجنبية الذين سبقوهم إلى مدن الأمان، لكنهم لا يصلون لأن القوارب تغرق، فيصاب أهل لبنان بالهلع ويتهمون الدولة التي لم تعد موجودة وشبه مفلسة، لكنهم يواصلون الحياة والحديث عن مشاكلهم والبحث عن قصة جديدة، وحديث هذه الأيام، هو الانتخابات التي ستجري منتصف أيار/مايو.
بدلات وتغيير
فاللوحات الإعلانية تزين الشوارع، مع أن البلد يعاني من أزمة مالية خانقة إلا أن مرشحي الطوائف جيوبهم محشوة بالمال بحيث يستطيعون دفع ثمن اللوحات الإعلانية ونشر صورهم في بدلهم الأنيقة بشعارات تدعو للتغيير إلا تغيير أنفسهم أو الوضع القائم. ولعل ما يعلم حملة الانتخابات البرلمانية التي يتنافس فيها أكثر من ألف مرشح على 128 مقعدا هي الوعود بـ «التغيير» والإصلاح، ولا يعرف أحد من سيقوم بإصلاح من، وتظل هذه وعود، ويعرف الجميع في عالم السياسة أن الوعود يتم تجاهلها، تعاد صياغتها وتبدل ونادرا ما يتم الوفاء بها. لكن لبنان وجد قصة تشغله عن ظروفه وتعاسته وفقره، فبلد النور أصبح بلدا للظلام، وعندما يحل الليل يخيم على البلد ظلام مخيف، الشوارع بدون إنارة وإشارات المرور معطلة. وتحت ظلمة الليل يتسلل الشباب العاطل عن العمل للبحث في مكبات النفايات علهم يجدون ما يمكن بيعه. وفي المساء يخرج المتقاعدون إلى الشوارع للتسول علهم يحصلون على قطع نقديه قليلة من المارة، فنسبة الفقر بين السكان عالية، كل ثلاثة من أربعة هم فقراء. وبات اللبنانيون بحاجة للمساعدة مثل اللاجئين السوريين الذي أجبرتهم الحرب في بلادهم على اللجوء إلى لبنان. إلا أن حديث الانتخابات والمرشحين والآمال المعقودة عليها لا ينتهي، فهي في نظر البعض «حاسمة» وستغير المشهد ومهمة، من بين عدة أوصاف للعملية المقبلة. وربما كانت محورية وفرصة أمام اللبنانيين الذين تعبوا من ساساتهم لتغيير الوضع الراهن واستغلال الأزمة للتصويت ضد النخب التي تعودوا التصويت لها، او دفعوا عبر المال والولاء الطائفي لدعم مرشحي الأحزاب والطوائف.
قوائم بديلة
وبالنظر إليها فهي مهمة من ناحية ما سينبني عليها من نتائج، فلا يمكن حل المسائل الاقتصادية بدون حكومة تتفاوض مع صندوق النقد الدولي للاتفاق على شروط حزمة إنقاذ، أما الأمر الثاني فيتعلق بانتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشيل عون الذي دعم رئاسته عام 2016 حزب الله، وهو يأمل بأن يورث المنصب إلى صهره جبران باسيل الذي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه. وتتحدث أطراف المعارضة للنظام القائم وهيمنة حزب الله عن استغلال أزمة لبنان الحالية، وبالتحديد كارثة انفجار مرفأ بيروت لتحدي الوضع القائم. وهي تتحدث عن مرشحين بديلين عن مرشحي الأحزاب والطوائف، ومشكلة المعارضة أنها منقسمة وفشلت حسب مجلة «إيكونوميست» (28/4/2022) بالتوافق على كتلة واحدة لمواجهة ممثلي الوضع القائم، مما انتهى بها للتنافس في نفس الوقت فيما بينها والنظام القديم الذي تريد تحطيمه. ما يعني تضييع الأصوات. وأشارت المجلة لصعوبة تحويل الغضب الشعبي إلى أصوات، فالمعارضة تعول على دفع المواطنين لمعاقبة النظام القائم على ما حدث في بيروت قبل عامين والدمار الذي أصابها، قتلى بالمئات وتدمير معظم مركز المدينة والمرفأ بالكامل، في كارثة كان الجميع من رأس الدولة إلى أصغر حارس في المرفأ يعرف ماذا سيحدث في المخزن الذي احتفظ به بأطنان من نترات الأمونيوم ولسنوات في ظروف غير صحيحة. واعتبر انفجارها في آب/أغسطس 2020 أضخم انفجار غير نووي في العصر الحديث، والمفارقة، ولا توجد مفارقات في لبنان ان أحدا من المسؤولين لم يقدم للمحاكمة، بسبب معارضة النظام السياسي وأحزابه التحقيق بالحادث. وترى المعارضة أن حصولها على أربعة أو خمسة مقاعد هو نجاح لها. وربما قورن الوضع الانتخابي الحالي بالعراق الذي شهد مثل لبنان عام 2019 انتفاضة وطالب بحل النظام السياسي الفاسد، ولكنه حصل على مقاعد فيما ثبت النظام الذي ولد بعد غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 نفسه.
مشاكل النظام الانتخابي
وتواجه المعارضة التي تقول إن معظم مرشحيها ليسوا على علاقة مع النخبة الفاسدة معضلة أخرى، وهي أن نظام الحملات الانتخابية يفضل الأثرياء، فاللوحات الإعلانية تكلف 8.500 دولار وهو مبلغ خارج قدرة المرشحين الخارجين من القاعدة الشعبية. وهم يعولون على منصات التواصل الاجتماعي والتي تعاني من مشاكل مختلفة في الرقابة وضعف التغطية والإنترنت، فاللبنانيون لم يحصلوا منذ سنين على تغطية كهربائية لمدة 24 ساعة، فهي تأتي وتنقطع بشكل دائم. وقلت في السنوات الماضية ساعات تزويد البيوت بالتيار الكهربائي. وهناك مخاوف من أن يجري عد الأصوات في الظلام، وحسب وزير الداخلية فقد طلبت شركة الكهرباء 16 مليون دولار لإنارة مراكز الانتخابات، وهو مبلغ أعلى من الميزانية المخصصة للحملة الانتخابية، وهو ما قد يؤثر على نزاهتها.
مشاكل ما بعد الانتخابات
وبالإضافة إلى ذلك فالقانون الانتخابي الذي لا يفهمه الكثير من اللبنانيين يمزج بين المحاصصة الطائفية ونظام القائمة النسبية ويفضل نظام اللوائح ولا يمكن والحالة هذه مشاركة مرشح بدون لائحة. كما يعتمد القانون على النسبية في حساب الحاصل الانتخابي، فكل كتلة لا تحصل على 12ألف صوت يتم استبعادها من السباق. وحتى لو جرت الانتخابات في موعدها وبدون مشاكل إلا أن المسألة لا تتوقف عند عد الأصوات واحتساب الفائزين بل وبالمقايضات التي تجري بين الأطراف لتشكيل الحكومة، ومن ثم انتخاب رئيس جديد، وعادة ما تستمر لعبة المقايضات عدة أشهر. ففي الانتخابات السابقة لم يتم تشكيل الحكومة إلا بعد تسعة أشهر. وفي نظام المحاصصة الذي يشترط أن الرئيس هو من الطائفة المارونية ورئيس الوزراء سنيا ورئيس البرلمان شيعيا، ستظهر معضلة فيمن يمثل الطرف السني الغائب عن الانتخابات، ففي الماضي كان الوجه بشكل عام هو تيار المستقبل الذي تزعمه سعد الحريري، رئيس الوزراء لمرتين. ولن يشارك تياره في الانتخابات وأخبر أعضاء حزبه أنه لن يشارك لا هو شخصيا ولا تياره وان من يريد المشاركة فيها فستكون على مسؤوليته. ولن يشارك كذلك رئيس الوزراء الحالي نجيب ميقاتي في الانتخابات، والسؤال عمن سيقود السنة؟
البعد الإقليمي
وفي الوقت الذي يأمل فيه ما يمكن وصفهم بالإصلاحيين الرافضين للنظام القائم مواجهة حزب الله، إلا أن الأخير لم يخسر قاعدته الشيعية ولن يختفي والحالة هذه من المشهد، وهو من أشد المدافعين عن المحاصصة الطائفية. وبالنظر للصورة الإقليمية فحزب الله متهم بأنه أقام دولة داخل دولة في لبنان برعاية إيران الملتزمة بدعمه عسكريا وسياسيا، فعندما وصلت أزمة الوقود الذرورة أحضر الحزب اللبناني في العام الماضي، نفط إيران وسط أجواء احتفالية من الموانئ السورية، هذا مقارنة مع الدول الخارجية الراعية لأطراف في العملية السياسية، مثل السعودية التي غضبت وحجبت الدعم عن الجيش اللبناني والقوى السياسية الأخرى، بل وأجبرت الحريري على الاستقالة من منصبه عندما استدعته إلى الرياض عام 2017. ووعدت وأنذرت فرنسا ماكرون الطبقة السياسية بعد انفجار بيروت بالدعم وإجبار النخبة على تغيير طرقها ثم نسيت وعودها. ومشكلة الأطراف الخارجية وخاصة الولايات المتحدة أنها تسامحت مع النخب اللبنانية الفاسدة. ورأت هذه ان علاقاتها مع الولايات المتحدة تعتبر صمام أمان لها وقبولا لتصرفاتها. وفي مقال نشره موقع «فورين أفيرز» (18/4/2022) ناقش فيه سام هيلر هذه المسألة وقال إن أزمة لبنان نابعة مما أسماه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش من حيلة تشبه طرق الممول الأمريكي بونزي، حيث استخدم المصرف المركزي أموال المودعين العاديين لتمويل الحكومة المبذرة والفاسدة. وأثرى المشاركون في هذه الحيلة وحققوا مليارات الدولارات التي حولوها إلى الخارج تاركين أبناء البلد يتحملون تبعات جشعهم وفسادهم. ويرى هيلر ان الترتيب هذا ظل قائما لمدة طويلة حتى انهار كل شيء عام 2019 إلا أن المسؤولين رفضوا القيام بإصلاحات والاعتراف بخطئهم بل أطالوا أمد المشكلة، من خلال رفضهم شروط المانحين الدوليين والقيام بإصلاحات ضرورية. فهذه النخبة ستكون خاسرة من أي تسوية منظمة لمسألة الإفلاس. وبحسب البنك الدولي فأزمة لبنان هي «كساد من صنع النخبة في البلد التي استولت ولزمن على البلد وانتفعت من ريعه الاقتصادي». ويقول الاقتصادي روي بادرو إن «الحكومة والنواب والوزراء هم كيان واحد يتحمل المسؤولية بطريقة مشتركة» و «كان النظام السياسي حصرا عليهم حتى لو كانوا أعداء من الناحية السياسية». وبالعودة للسياق الدولي للأزمة ومحاولة الولايات المتحدة المساعدة، فقد أعلنت الإدارة الحالية عن أجندة مكافحة الفساد كجزء من سياستها الخارجية، إلا ان المشكلة مع أمريكا وإدارة بايدن هي أن أحدا في لبنان ولا المنطقة يرى ان كلمات أمريكا تحمل وزنا، ذلك انها كانت طوال الوقت جزءا من الفساد واستخدمت استراتيجية مكافحته لا لمعاقبة المذنبين الحقيقيين بل وأعداءها. وهي وإن قامت، حسب مسؤوليها بدفع المسؤولين اللبنانيين للإصلاح وتسهيل حزمة الإنقاذ إلا أن خطابها يعاني من الإغفال والحذف القاتل. وظلت واشنطن صامتة على خطط الفساد التي أدت للإفلاس الوطني والتي تورط فيها شركاء مهمون لأمريكا واتهموا بها. وهي بحاجة لإصلاح خطابها وطرقها إن ارادت أن تكون عاملا في إنقاذ البلد وإبعاده عن الهاوية. فمشكلة لبنان ظلت نابعة من المحاصصة الطائفية التي توزع ريع الدولة ومؤسساتها على 18 طائفة، كما هي نابعة من تحالف رساميل المال أي البنوك مع الساسة، وطالما ارتبطت النخب بالمؤسسات المالية وتبادلت المنافع فيما بينها. وهي نفس النخب التي سمحت لها البنوك بنقل أموالها للخارج وحرمت المودعين العاديين من الوصول إلى ودائعهم، وسط حالة من الفقر المتزايد وتداعيات كورونا وانفجار بيروت. وقاومت النخب السياسية والمالية أي محاولات من المانحين الدوليين لفرض إصلاحات وتنظيم النظام المصرفي وتحديد سعر العملة من بين عدة أشياء. ولأن النخب والبنوك ارتبطت برغبة أمريكا مكافحة تمويل حزب الله، فإنها تغاضت عنها، وفي عام 2020 دافعت سفيرة الولايات المتحدة دوروثي شيا عن حاكم البنك المركزي اللبناني رياض سلامة وأنها «عملت معه بشكل قريب على مدى السنين» و «يتمتع بثقة عظيمة من المجتمع المالي الدولي» مع أنه المسؤول عن الهندسة المالية التي قادت للأزمة المالية الحالية ويواجه اتهامات بالإثراء غير المشروع. بل واستخدمت إدارة دونالد ترامب مكافحة الفساد لمعاقبة أعدائها في لبنان، حزب الله وحلفائه. واعترف ديفيد شينكر الذي عمل مساعدا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ما بين 2019 -2021 بهذا «قمنا بفرض سلسلة من العقوبات ضد حزب الله وحلفاء حزب الله» و «بما في ذلك، والأهم، غير شيعة، وبلغت ذروتها في تصنيف ماغنستكي العالمي لجبران باسيل بتهمة الفساد». وحتى العقوبات التي فرضتها إدارة بايدن في تشرين الأول/أكتوبر فقد استهدفت حلفاء لحزب الله. وبدون استراتيجية لا تتسامح مع فساد الأصدقاء والأعداء فحديث أمريكا عن مكافحة الفساد سيظل ثرثرة مزعجة ودافعا لأصدقائها لمواصلة العادات القديمة. وفي النهاية أثبت حكام لبنان ومعظمهم من مخلفات الحرب الأهلية اللبنانية صمودا واحتفظوا بمقاعدهم في انتخابات بعد انتخابات، وتصرفوا في السلطة من دون خوف أو رادع. والنذر غير مشجعة، فالمعارضة التي تريد التغيير انقسمت على ثلاث كتل في كل منطقة انتخابية من 15 وبزيادة بنسبة 20 في المئة عن الانتخابات في عام 2018 وهناك 103 قائمة بـ 1.044 مرشح على 128 مقعدا موزعة على المسلمين والمسيحيين. والمشكلة أن لبنان لا وقت لديه لكي يضيعه، فهناك حزمة إنقاذ تنتظر حكومة قد تلد بعملية قيصرية من رحم انتخابات أيار/مايو. وبالنسبة للكثير من أبناء لبنان العاديين فلا أمل لديهم بحل ولكنهم يتطلعون للرحيل وإن كان محفوفا بالمخاطر.