انسداد أُفق الاختراق السياسي سيبقى عنوان مرحلة ما بعد الانتخابات

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: الانطباع السائد أن الانتخابات النيابية ستُشكِّل بداية فصل جديد من فصول الأزمة اللبنانية. الاستحقاق سيُعيد إحياء الطبقة السياسية ذاتها بتكويناتها الحزبية والطائفية وحتى بغالبية وجوهها السابقة وسط توقعات بدخول بعض الأسماء الجديدة واحتمال قليل لاختراق «المجتمع المدني». لا تبدّلات مُنتظرة في موازين القوى، بمعنى أن الأكثرية البرلمانية ستبقى في عهدة «حزب الله» وحلفائه، لكن عملية «القيادة مِن الخلف» ستصعُب على «الحزب». سيُعاد انتخاب نبيه بري رئيساً للبرلمان من جديد، إنما لا شيء مضموناً بعد ذلك في ما خص الاستحقاقات المنتظرة.

الاستحقاق الأول يكمن في تأليف الحكومة. تسمية الرئيس المكلّف تبدو عملية أسهل مع الحديث عن ترتيبات مبدئية على اسم نجيب ميقاتي الذي يشغل حالياً سدّة الرئاسة الثالثة. فهو خرج من سباق الانتخابات النيابية لحسابات عدة، ومنها العودة إلى رئاسة الحكومة. في ظل التوازنات الراهنة، تبدو الطريق أمامه معبّدة داخلياً، ذلك أنه يُتقن لعبة تدوير الزوايا، وفنّ الممكن، والسير بين الألغام. ويُدرك جيداً الخطوط الحمر التي عليه عدم تجاوزها في حسابات «المحور الإيراني». ضنين بموقع رئاسة الحكومة ويعلم أن همَّ المرجعية الدينية السُّنية هو عدم شغور الموقع السياسي الأول للطائفة. يتّكىء على ما لديه من علاقات عربية – فرنسية لتأمين بقاء الغطاء الدولي له، وتُسهِّل عودة إيمانويل ماكرون إلى الإليزيه من حظوظه. ليس حصاناً تُراهن عليه الرياض لكنه يطمح إلى نيل بركتها مع تبدُّل الظروف الإقليمية.
ستُظهّر الانتخابات واقع توزُّع النواب السُّنة سياسياً. ميقاتي يدعم لائحة في طرابلس يُريد من خلالها أن يُؤمِّن حضوراً نيابياً. لكن الأنظار تتجه إلى الإطار الذي سيتشكل في ضوء النتائج، وما إذا كانت هناك كتلة سنيّة وازنة ستُشكل جزءاً من كتلة وطنية يكون لها مرشحها إلى رئاسة الحكومة، وأين دور سيلعبه نادي رؤساء الحكومات السابقين في تظهير وتغطية اسم الرئيس المكلف.
مسألة اختيار الرئيس المكلف ستشقُ طريقها. فرئيس الجمهورية عليه بعد تكوّن البرلمان وانتخاب رئيسه أن يدعو إلى استشارات نيابية لتسمية رئيس الحكومة، وهي استشارات إلزامية قد يُؤخِّر الدعوة إليها في إطار عملية تحسين الشروط وترتيب الأحجام لكن لا يمكنه أن يحتجزها طويلاً.
لا ينطبق الأمر ذاته على تأليف الحكومة. حكومة ميقاتي ستتحوّل بعد الانتخابات إلى حكومة تصريف أعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وهنا بيت القصيد. لا وهم بأن تأليف الحكومة سيكون مسألة سهلة. على العكس، كل الحسابات تذهب إلى استحالة إنجاز الأمر، لا بل هي تنطلق في الأساس من هذه المسلمة، وهذا الذي حدا بصندوق النقد الدولي إلى الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق أوّلي مع حكومة ميقاتي، كون أن حكومة تصريف الأعمال لا يمكنها التفاوض على هكذا اتفاق، وليس متوقعاً أن تُبصر حكومة ما بعد الانتخابات النور بسلاسة.
كان الهدف من الذهاب إلى «الاتفاق الأوّلي» فتح باب خلفي أمام إمكانية تقديم مساعدات ستصبح في الأشهر المقبلة ضرورة ماسة وقصوى للبنان الذي سيشهد ما بعد 15 مايو مرحلة السقوط الحرّ. فكثير من الملفات رُحّلت إلى ما بعد الانتخابات خوفاً من أن تنعكس سلباً على القوى الحاكمة المرشحة لتجديد شرعيتها. بعد انتهاء الانتخابات، ستتدحرج الملفات والقرارات غير الشعبية. سيُرفع ما تبقى من دعم، وستذهب الخدمات الحياتية إلى مزيد من «الدولرة» وسيزيد التضخّم وسط انخفاض القوة الشرائية وعدم القدرة على تعديل الرواتب. سيطير ما تبقى من أموال المودعين، وستشتدُّ الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، وسيُفتح الباب على مصراعيه أمام الفوضى. وستكون هناك حاجة لمساعدات دولية، رُسِم أول خطوطها عبر الصندوق السعودي – الفرنسي الذي حدَّد المساعدات بوصفها مساعدات إنسانية تُقدّم من خارج هيكلية الدولة. هذا مسارٌ قد يطول، وقد تدخل دول أخرى على خط صندوق المساعدات الإنسانية، ما دام استمرار المأزق سيبقى عنوان المرحلة المقبلة.
والانسداد في الأفق السياسي مردّه إلى ارتباط تأليف الحكومة باستحقاق الانتخابات الرئاسية الذي يعتريه الكثير من الضبابية. تعذُّر حصول انتخابات رئاسة الجمهورية قبل انتهاء ولاية عون في نهاية تشرين الأول/اكتوبر المقبل يعني حكماً أن السلطة ستنتقل إلى الحكومة. مِن هنا تدور المعركة على توازنات الحكومة المقبلة، ومَن سيُمسك بالأكثرية وبـ»الثلث المعطِّل». هي معركة ذات أوجه متعددة. ليست قائمة على مبدأ الاختلاف السياسي بين معسكرين أو محورين فحسب، بل ستدور رحاها بين حلفاء «المحور» بخلفية الحسابات الرئاسية، والإمساك بأوراق القوّة في الوقت الضائع، الذي قد يكون طويلاً لارتباطه بتطورات المشهد الإقليمي، وما سيفرزه الصراع الدائر حالياً على المسرح الدولي من بوابة الحرب الروسية على أوكرانيا، وربما من بوابات أُخرى ستُفتح في قابل الأشهر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية