الخرطوم – «القدس العربي»: أحيا آلاف السودانيين الذكرى الثالثة لفض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة، في مدن البلاد المختلفة بما فيها العاصمة الخرطوم.
وفي فجر التاسع والعشرين من رمضان عام 2019، هاجمت قوات عسكرية تتبع للمجلس العسكري الانتقالي الحاكم وقتها، ميدان الاعتصام في المقر الرئيس للجيش السوداني في الخرطوم من كل الاتجاهات، حيث خلف الهجوم أكثر من 130 قتيلاً، وعشرات المفقودين ومئات الجرحى، بجانب عمليات اغتصاب وعنف جنسي.
وتمكن السودانيون من إحياء الذكرى الثالثة لفض الاعتصام الدموي، يوم السبت على الرغم من القبضة الأمنية المشددة منذ انقلاب العسكر على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وقالت لجنة أطباء السودان المركزية، في تقرير أمس، إنها رصدت 20 إصابة، خلال تظاهرات ذكرى فض اعتصام القيادة، التي انتظمت مدن السودان المختلفة مساء السبت.
وتشمل الإصابات 10 حالات إصابة بطلق ناري متناثر، يرجّح أنها بسلاح خرطوش، بينها إصابة بطلق ناري في الرأس، غير مستقرة في العناية المكثفة، بالإضافة إلى إصابتين في الرأس بعبوات غاز مسيل للدموع، وحالة دهس بعربة تتبع للقوات النظامية وإصابات أخرى في أجزاء متفرقة من الجسم بعبوات الغاز المسيل للدموع.
وجاء فض الاعتصام، بينما كان السودانيون يتحضرون للاحتفال بعيد الفطر من مقر الاعتصام أمام مباني القيادة العامة للجيش.
ويوم 6 أبريل/ نيسان 2019، اعتصم عشرات آلاف السودانيين أمام المقر الرئيس للجيش بالخرطوم، تتويجاً لاحتجاجات شعبية واسعة استمرت لأكثر من 4 أشهر، نجحت في إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في 11 أبريل/ نيسان من العام نفسه. وسرعان ما انضمت له ولايات سودانية أخرى، قرر المحتجون مواصلة الاعتصام حتى يتم تنفيذ مطالبهم بالحكم المدني الكامل،
في وقت انخرط المجلس المركزي للحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة بعد الإطاحة بالبشير، في مفاوضات لتكوين حكومة انتقالية مدنية.
وبينما كانت تجري تحضيرات الإعداد لعيد الفطر، في مقر الاعتصام، وعمليات صنع المخبوزات وتعليق لافتات التهنئة الملونة، شعر المعتصمون بتحركات مريبة في محيط الاعتصام وسرت أحاديث حول محاصرة قوات ترتدي أزياء عسكرية للشوارع المحيطة به، وعمليات تغيير واسعة لحراس بوابات القيادة العامة للقوات المسلحة وقوات الجيش الموجودة هناك.
وبالفعل، كانت تلك اللحظات التي سبقت فض الاعتصام، حيث تواصل الهجوم لساعات، سقط خلاله أكثر من 130 قتيلا حسب إحصائيات محلية وخارجية، بالإضافة إلى مئات الجرحى برصاص الأجهزة الأمنية، بينما رصدت حالات اغتصاب وعشرات المفقودين، وعثر على جثث أعداد كبيرة منهم لاحقاً في نهر النيل القريب من مقر الاعتصام وفي المشارح والمستشفيات بينما لا يزال مكان الآخرين غير معلوم حتى الآن.
وبالتزامن مع فض الاعتصام في الخرطوم فضت الأجهزة الأمنية عدة اعتصامات في المدن الأخرى.
واستمرت أعمال العنف والقمع لأيام، تصاعدت خلالها الاحتجاجات الرافضة لفرض الحكم العسكري، والتي أعادت العسكر لاحقاً لطاولة المفاوضات وتوقيع اتفاق الوثيقة الدستورية الذي تشارك عبره العسكر والمدنيون السلطة لأكثر من عامين، قبل أن ينقض العسكر على الاتفاق في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وبناء على الوثيقة الدستورية، شكل رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، لجنة تحقيق مستقلة في فض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة، برئاسة المحامي نبيل أديب، والتي كان ينتظر أن تقدم تقريرها خلال ثلاثة أشهر، إلا أن ذلك لم يحدث.
وقبل عدة أشهر، قال في تصريحات صحافية، إن نتيجة التحقيق قد تؤدي إلى انقلاب عسكري أو اضطرابات في الشوارع، مؤكدا أنه سيحافظ على نزاهة لجنته ولن ينظر إلى الأبعاد السياسية لنتائجها.
وفي مارس/آذار الماضي، أعلنت لجنة التحقيق المستقلة في فض اعتصام القيادة العامة للجيش التوقف عن ممارسة مهامها، بعد استيلاء قوات أمنية على مقر اللجنة ومنع العاملين من الدخول.
ويرى الخبير الحقوقي المعز حضرة، الذي تحدث لـ«القدس العربي» أن «لجنة التحقيق حول فض الاعتصام فشلت في القيام بمهامها وكانت سبباً رئيسياً للإفلات من العقاب الذي مكن قادة الانقلاب من العودة مرة أخرى عبر الانقلاب»، مضيفاً: «لو فتحت وقتها بلاغات ضدهم لما قاموا بتنفيذه.» ورأى حضرة أن ضعف اللجنة كان ثغرة واضحة استغلها الانقلابيون الذين لم يجدوا المساءلة.
وطالب لجنة التحقيق بالاستقالة، مشدداً على أن جرائم فض الاعتصام لا تسقط بالتقادم، وأن عجز القضاء الداخلي عن محاكمة الضالعين فيها يفتح الباب للقضاء الدولي الذي يتولى القضايا التي يعجز القضاء المحلي عنها. وبعد الاستيلاء على مقر لجنة التحقيق، حذر حضرة من طمس الأدلة واختفاء وقتل الشهود، لأن ملفات اللجنة جميعها الآن تحت يد قادة الانقلاب. وبعد ثلاث سنوات انتظروا خلالها تحقيق العدالة لأبنائهم، دون فائدة، قال كشة عبد السلام، لـ«القدس العربي»، الذي قتل ابنه عبد السلام -27 عاما – برصاص القوات الأمنية خلال فض اعتصام القيادة.
وأكد أن العدالة لأبنائهم لن تتحقق أبداً إذا لم يتم تدويل القضية، مشدداً على أن أي إجراء غير تحويل القضية لمجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، يُعد إهداراً للوقت.
وأشار إلى أن رئيس القضاء والنائب العام يقوم بتعيينهم المجلس العسكري الذي تتهمه الأسر بالأساس بفض اعتصام القيادة العامة، مؤكدا أن أحد أهم أسباب الانقلاب العسكري هو الإفلات من العقاب على الجرائم التي حدثت خلال فض الاعتصام.
وقال كشة: «هذه المرة تمادوا أكثر بقتل 95 شخصاً خلال قمع التظاهرات الرافضة للانقلاب، للتغطية على جرائمهم السابقة، على أسر الضحايا أن تتوحد لانتزاع العدالة لأبنائهم»، مؤكدا أنهم تلقوا دعوات كثيرة للتنازل عن القصاص والعفو عن العسكريين، ولكنهم رفضوا ذلك ولن يتنازلوا عن مطالبهم لتحقيق العدالة.
وأضاف: «سنعمل على تدويل القضية»، مشيرا إلى أن القضاء في السودان لا يملك الإرادة أو القدرة على تحقيق العدالة وكذلك الأجهزة العدلية لتنفيذ العقوبة حتى حال صدور أحكام، وكذلك القوانين في البلاد تحتاج لتحديث حتى تتعامل مع الجرائم ضد الإنسانية التي حدثت خلال فض اعتصام القيادة، من قتل وإغراق، وإخفاء، واغتصاب، وغيرها. وتابع متسائلاً: « كيف يمكن أن تتحقق العدالة في مثل هذه الظروف؟»
وظل السودانيون يتظاهرون مرتين كل عام في ذكرى فض الاعتصام حسب التقويمين الهجري والميلادي، مطالبين بتحقيق العدالة والقصاص لضحايا فض الاعتصام.
وفي رمضان من العام الماضي، هاجمت مجموعات أمنية تظاهرات في محيط القيادة أحيت ذكرى فض الاعتصام، وقتل خلال عمليات القمع شخصان وأصيب العشرات.
لاحقاً تم تشكيل لجنة تحقيق حول الانتهاكات التي حدثت، ولكنها أيضا لم تفض لأي نتائج. وأكدت تنسيقيات لجان المقاومة أنها لن تتنازل عن مطالبها بتحقيق العدالة والقصاص لضحايا فض الاعتصام وما سبقه ولحقه من جرائم.
وقالت لجان مقاومة العشرة جنوب الخرطوم في بيان في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة: «إن معركتنا طويلة، مليئة بالفقد والعثرات، ولكننا ماضون وصامدون حتى أخر نقطة من دمائنا»، مضيفة: «نُذكر القتلة وحلفاءهم من المدنيين والعسكريين أننا لن نتنازل عن قطرة دم واحدة أُريقت في سبيل وحدة وسيادة وحياة شعبنا، وأن مواكبنا وجداولنا مستمرة وسنبذل قصار جهدنا في سبيل إسقاط نظام الإبادة والبطش والاستبداد.»فيما جدد المجلس المركزي للحرية والتغيير الدعوة لوحدة قوى الثورة في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة، وقال في بيان إن جريمة فض الاعتصامات السلمية أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة في العاصمة والحاميات العسكرية في الأقاليم فجر التاسع والعشرين من رمضان، الموافق 3 يونيو/حزيران من عام 2019 ، مثلت طعنة غدر في خاصرة الثورة السودانية.
وأضاف: «طمحت قوى الردة والحالمون بإعادة عقارب الزمن الى الوراء من الانقلابيين والانتهازيين والنظام البائد، في كسر عزيمة الثوار، الأمر الذي ظل الحراك الجماهري المقاوم يؤكد أنها عصية على الانكسار رغم مرارة الفقد والقتل.
« لقد كانت مجزرة القيادة العامة ضربة موجعة في خاصرة الشعب السوداني، من المؤسف أنه لم يخرج للرأي العام السوداني تقرير دقيق يوضح حجم الإساءة وعدد الشهداء ولا يحمل الجناة المسؤولية»، هذا ما قاله القيادي في حزب الأمة الصديق الصادق المهدي أمس في تصريحات لقناة الجزيرة، مستنكراً عدم تحقيق العدالة لضحايا فض الاعتصام.