«بطلوع الروح»… المأساة في إمارة منة وإلهام ولواء الخنساء!

رغم أنه لم يدخل السباق الدرامي الرمضاني من البداية، إلا أنه لفت نظر الجمهور سريعاً جداً لاتصاله بقضية الإرهاب وإيغاله داخل عالم غامض تحكمه القوة، وتسيطر عليه الميليشيات المُسلحة لتنظيم «داعش».
مُسلسل «بطلوع الروح» من أكثر الأعمال الفنية التي أثارت جدلاً واسعاً بمجرد عرض الحلقة الأولى في النصف الثاني من الشهر الكريم، حيث استشعر المُشاهد أن ثمة شيئاً مُختلفاً وجديداً لا يعرفه ستطرحه الأحداث، فالصور والإيحاءات المُبينة في المقدمة تُنبئ بأهمية الموضوع، فضلاً عن غموض العنوان المُثير للفضول وهي حيلة الكاتب محمد هشام أبو عبيه والمخرجة كاملة أبو ذكري في جذب انتباه القطاع الأكبر من المشاهدين لتحقيق النسبة الأعلى من المُتابعة. وبالطبع يُضاف إلى كل هذه العوامل ظهور البطلتين الرئيسيتين، منة شلبي وإلهام شاهين بالملابس السوداء والنقاب، لاسيما أن الأخيرة بدت في الظهور وهي تضع شارة خضراء على رأسها مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكانت أجدر بلفت النظر والتركيز عليها لحين استبيان دورها وهويتها وما تقوم به.
ومع البداية الفعلية للأحداث والانتباه للأدوار والاشتباكات الدرامية التي ضفرها الكاتب والسيناريست داخل النص، لتكون دالة على الحالة الاجتماعية السياسية الناقدة لتنظيم «داعش» التكفيري حسب الوصف المكتوب، جاءت الاستنتاجات وتكشفت تفاصيل المُجتمع المُغلق على من فيه في الولاية الدينية المزعومة في مدينة الرقة الواقعة شمال سوريا، حيث تطبيق الشريعة الإسلامية من منظور قادة الدولة الجديدة الصاعدة، العازمين على مناهضة التيارات العلمانية الكافرة، لتحرير البلاد المُسلمة من الطواغيت وأنظمة الحكم الفاسدة التي لا تحكم بما أنزل الله.

ووفق هذا التصور الافتراضي الدرامي تسير الأحداث في مجرياتها مع تتبع مسيرة البطلة «روح» أو منة شلبي التي اتبعت زوجها أبو سيف فأدخلها مُعسكر «داعش» مُرغمة هي وابنها الصغير المريض فباتت تُعاني الويلات وتتلمس نسائم العطف والشفقة من ولاة الأمر، الذين يحكمون رعاياهم بالحديد والنار، الأمر الذي رأته روح اغتيالاً لآدميتها وكيانها الإنساني، إذ تحولت في ظل القمع والاستبداد والإرهاب إلى مجرد كائن مسلوب الإرادة عليه السمع والطاعة فقط إذعاناً لأوامر قائدة لواء الخنساء أم جهاد زوجة نصار المصري أمير جيش الرقة. وهي الشخصية التي جسدتها إلهام شاهين، وتسببت في إثارة خلافات كثيرة لغرابة الدور وازدواج الشخصية النسائية، التي تتظاهر بالحسم والشدة والمغالاة في تطبيق حدود الحلال والحرام، بينما هي في واقعها الشخصي ليست كذلك تماماً، فهي تتصرف في حياتها بحرية ولا تنسى نصيبها من الدنيا في المتع والملذات، غير أنها تعشق السُلطة وتمارسها بقسوة شديدة على المنضوين تحت لوائها والواقعين في أسرها، ليس هذا وحسب، وإنما ترتكب أخطاءً تُحسب عليها في تطبيقها لحدود الله، كحد الجلد الذي أقامته على واحدة من النساء في اللواء الذي تقوده.

وقد كان مشهد الجلد من المشاهد الكاشفة لعدم الدقة في المراجعة الفقهية في ما يتصل بالحدود، فرغم أن ذلك من مسؤوليات الكاتب هشام أبو عبيه والمخرجة كاملة أبو ذكري، إلا أن رد الفعل الجماهيري المُضاد انصب على أم جهاد أو بالأحرى إلهام شاهين بوصفها البطلة التي نفذت حد الجلد بلا فهم حقيقي لطبيعة الأحكام الشرعية، وهو ما نبه إليه المُنتج أحمد عبد الباسط، الذي شن هجوماً ضارياً على صُناع العمل واصفاً إياهم بالجهل، كونهم لم يفرقوا بين حُكم الجلد في الإسلام بالنسبة للمرأة والحُكم ذاته بالنسبة للرجل. فكما أورد عبد الباسط أن الجلد كعقوبة لا يُنفذ في المرأة المُسلمة المُذنبة إذا كانت محمومة أو مريضة أو حاملا، ولا يتم علانية في الساحات أو المساجد وتُعفى منه المريضة نهائياً إذا اشتد عليها المرض.
وقد فند الرجل في هذا الإطار مقاييس جلد المرأة وشروطه بدقة موضحاً أن ما ورد في المُسلسل مجافٍ لأحكام الشريعة الإسلامية، ومن ثم اعتبر عبد الباسط ذلك نقصاً في معلومات الكاتب وعدم إحاطة من المخرجة بما يجب النظر إليه في النص الدرامي قبل تنفيذه فنياً، وعليه تسرب الشك لدى المُتابعين والمُعجبين بالمُسلسل في دقة ما تم طرحه في الحلقات، وما يُمكن أن تسفر عنه المُعالجة الدرامية من نتائج إيجابية في مسألة الإقناع بمصداقية الأحداث. وبهذا يكون المُنتج أحمد عبد الباسط قد وجّه ضربة في مقتل للمُسلسل وصُناعة فأفسد الفكرة بأكملها وأضاع فرصة تصحيح المفاهيم حول جوهر الدين الإسلامي وممارسات القادة في التنظيمات الممولة، التي يُشير إليها العمل الفني الكبير بارتياب، حيث المقصود هو التحذير من مغبة الانضمام لمُعسكرات الإرهاب والاحتماء فيها والإيمان بها كتنظيمات دينية منوط بها تغيير المُنكر وإحقاق الحق.

وبعيداً عن المردود الإيجابي أو السلبي والمسائل الخلافية يبقى الشيء الأهم وهو جرأة الطرح والتشكيل المتميز للحالة الإبداعية بعناصرها كافة، بدءاً من تتر المُقدمة والموسيقى التصويرية للمبدع تامر كروان وبراعة الإخراج والتصوير والإضاءة والملابس والديكور والإكسسوار، وانتهاءً بالأداء التمثيلي لمنه شلبي وأحمد السعدني ومحمد حاتم وعادل كرم وبقية الأبطال الذين تقمصوا أدوارهم باحترافية شديدة، وأضافوا الكثير للمعاني المُستهدفة بما امتلكوه من إمكانيات وقدرات فاقت حدود المُتوقع، فاتسقت بوجودهم الحكاية المأساوية للبطلة روح شهاب الدين زوجة المُجاهد أبو سيف الذي كان سبباً رئيساً في توريطها ودخولها عالم القتل والتناحر والمجابهة بين العديد من القوى والجنسيات والعرقيات والاختلافات الفكرية والعقائدية والثقافية، بلا دراية منها أو استعداد أو تأهيل، اللهم غير الخوف الذي صار يرافقها أينما ذهبت ليذكرها دائماً بالموت!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية