عندما يستحوذ إيريك زمور على الميكروفون، فلا يمكن أن نترقب سوى حفلة. حفلة من البذاءة ومن التناقضات، حفلة من الاستعطاف ومن اللعب على الأحاسيس وإغفال العقل، حفلة مكتملة الأركان من إحياء الموتى وردم الأحياء. إنه متكلم جيد، لا يسمح لأحد بمقاطعته أو بالتفوه بكلمات أكثر من كلماته. يعرف كيف يسترسل في خطاباته، مستفيداً من هوايته الأثيرة في حفظ كلام الجرائد وبعض كلاسيكيات الأدب.
حين نستمع إليه نشعر كما لو أننا إزاء مذيع راديو مخضرم، لم يرضع حليباً من ثدي أمه، بل رضع منه فن الجدال، لا ينهي جملة دون أن يشرع في أخرى، يقتبس ما أتيح له من ثرثرة الصحافة في ترصيع الكلام، وفي معارضة من يُخالفه في الرأي. من خصوصيات زمور أنه يملك ذاكرة جيدة، وأنه يحفظ الدروس عن ظهر قلب، فقد اتخذ من بلزاك قدوة سياسية له، مع أن زمور لا يُشبه بلزاك الكاتب في شيء. ساير صاحب «الأب غوريو» في الركض عكس الانفتاح متمسكاً بالتقاليد الماضوية. بلزاك الذي أنكر على العامة حق التصويت في الانتخابات، مع ضرورة حصره في الطبقات الميسورة، بينما زمور ينكر على الأجانب حق العيش في فرنسا. الآن وقد حسمت الانتخابات الفرنسية، ولم يعد موضوعها من الراهن، فمن الممكن أن نتحدث دون استقطاب عن «المتلازمة الزمورية» عن هذا الرجل، الذي سقط على المشهد مثل جرم سماوي، فنال 7% من الأصوات، أي ما يقارب الملونين ونصف المليون من الأصوات، قد تبدو النسبة ضئيلة لكن رقم من صوت له مهول. فكيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ حيث إن بائع الكلام من شأنه أن يُنافس على رئاسة بلد، بل يتيح لنفسه حق طرد من لا يروقه؟ يرافع من أجل عنصرية صلبة ثم يؤيده مئات الآلاف، في بلد يُعتقد أن روح التنوير تسري في دمه، في بلد يظن أنه من محامي حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين؟
حين نقول إن إيريك زمور سقط على المشهد مثل جرم سماوي، فنحن نقصد ظهوره المباغت في الساحة السياسية، وهو الذي لم يسبق له أن تقلد منصباً سياسياً، لم يحظ بسيرة سياسية، وخطوته الأولى كانت رغبة محمومة في الجلوس على كرسي رئاسة البلد.
مصنع الصوت والصورة
مئات الآلاف من يهود الجزائر هاجروا إلى فرنسا، قبل الاستقلال أو بعده، دون أن تحصل لهم انتكاسة هوياتية، لكن إيريك استثناء، أو يود أن يجعل من نفسه استثناءً. لم يتقبل هذه الهوية الثلاثية، أن يكون فرنسياً، يهودياً، من أصول جزائرية، هذه القطبية تضايقه، وهو الذي ينادي بعدم السماح بتسجيل مواليد المهاجرين بأسماء غير فرنسية، لكنه يتحمل اسمه العائلي مرغماً (زمور تعني الزيتون باللغة الأمازيغية) ورغم أن المؤرخ بنجامين ستورا يقول إن جدة إيريك زمور كانت عربية، فإن صاحبنا يرفض هذا الانتماء الرابع له، فقد جعل من المهاجرين الجزائريين ثم العرب إجمالاً أعداء له. لا يتخيل فرنسا سوى في ماضيها، خالية من الأعراق كلها سوى العرق الأبيض، يريدها فرنسا الأموات لا الأحياء، فرنسا الماضي غير قادرة على استيعاب الحاضر، غافلاً عن ماضيها الكولونيالي، بل يبرأها منه، مستوحياً خطاباته ـ أكثر من مرة ـ من الجنرال شارل ديغول، فبالإضافة إلى تعلقه بروح بلزاك، فإن إيريك زمور يكن احتراماً غير مسبوق لأصحاب البدلة العسكرية، ويرى نفسه سليلاً لبونابرت. بونابرت الذي قضى حياة عسكرية، في حملات حربية من أوروبا إلى الشرق الأوسط، متسامحاً مرات مع الثقافات واللغات المحلية، عكس زمور الذي لا يرى بلده سوى بلون واحد، بلغة واحدة، وبعرق واحد لا تخالطه سمرة أو صفرة.
حين نقول إن إيريك زمور سقط على المشهد مثل جرم سماوي، فنحن نقصد ظهوره المباغت في الساحة السياسية، وهو الذي لم يسبق له أن تقلد منصباً سياسياً، لم يحظ بسيرة سياسية، وخطوته الأولى كانت رغبة محمومة في الجلوس على كرسي رئاسة البلد. فقبل ذلك كان اسمه واسع الانتشار في الأوساط الثقافية والإعلامية، على الرغم من أنه ليس كاتباً ذا سمعة، فما أصدره من كتب لا يعدو أكثر من مقالات مطولة طبعت في كتب (جرذان الحراسة، كآبة فرنسية، فرنسا لم تدل بكلمتها الأخيرة، إلخ) مع ثلاث روايات لم يُطالعها أحد سواه، كما إنه ليس ناقداً أدبياً كما حاول أن يظهر نفسه في الملحق الأدبي من جريدة «لوفيغارو» بل إن سمعة الرجل تتأتى من رشاقته في التسرب إلى الميديا. فقد عمل في ثلاث قنوات تلفزيونية مهمة، في راديو وفي جريدتين. هذا هو إذن «المثقف» الجديد في فرنسا. انتهى عصر السارترية والمثقف العضوي. بات المثقف الأنجح اليوم، من يحجز مقعدا له أمام كاميرا، أو من يتكرر اسمه أو صورته في الجرائد. لقد راكم إيريك زامور المناصب الإعلامية مثل عارض أزياء يُراكم سهرات الموضة. الفارق بينهما أن زمور ينال راتبه بينما هو جالس على كرسي، بينما عارض الأزياء عليه أن يبذل جهداً مضاعفاً، عليه الوقوف والمشي والطواف بين معجبيه.
اختلاق الأعداء
هكذا إذن فكثرة الظهور على الشاشة، مع قدرة على الثرثرة في شؤون الراهن كلها تمنحك بطاقة مثقف، ويضيف إيريك زمور إلى تلك الوصفة بعض البهارات التي يحشد من خلفها أنصاراً له بمئات الآلاف، بإثارة الجدل، وليس هناك موضوع أكثر إثارة للقلاقل من قضية الهوية، باستعارة خطابات مستوحاة من سنوات الكولونيالية، إيهام الفرنسيين بأن طوق نجاتهم لن يتحقق سوى بمصفاة، تسقط عنهم كل الاختلافات، كي يعيشوا في تناغم عقائدي وأيديولوجي في ما بينهم، كما يعتقد. وبعد المهاجرين يأتي الدور على النساء وعلى النسوية، التي يحمّلها هذا الرجل وزر تفكك الأسر التقليدية ـ حسب رأيه ـ بحكم أن النساء تعاظم حضورهن وهن سبب في هذه الاختلالات الاجتماعية، دون أن ينسى في سياق حفلة البذاءة التي يصر عليها، كلما أمسك بالميكروفون، التعريج على مسألة المثلية، وأن هؤلاء زادوا من تعميق الشروخ. إن ما يتحدث عنه زمور، هذا الجزائري الأصل الذي أربك بلداً مثل فرنسا، إنما موضوعات جاهزة، من الممكن التقاطها من الشارع أو من المقاهي أو من حانات مونمارتر، فهو لم يقترح في برنامجه الانتخابي حلولاً اقتصادياً ولا خريطة طريق سياسية، لم ينزع عن نفسه قميص الصحافي عذب الكلام، لكن المكسب الذي ناله، ورغم خسارته، ذلك الرقم من مليوني ونصف مليون شخص صوت له، ينبئ فعلاً أن فرنسا قد تضاعفت علاتها، إنها مريضة بخطاب الهوية، ولم تحل قضاياها الداخلية، وهو أمر من شأنه أن يسمح بظهور أخوة إيريك زمور وأبناء له في السنين القليلة المقبلة.
روائي جزائري