يوميات الحروب: هل التفسير الثقافي كاف لفهم العنف؟

ما من كلام يمكن أن يعبّر عن إحساس المرء وهو يشاهد مجموعة من الرجال يقادون إلى حفرة لتصفيتهم، ومن ثم حرقهم، فالمشاهد التي كنا نخشى أحيانا من مشاهدتها في الأفلام، ها هي تجري في حي التضامن في دمشق في عام 2013. إذ جاء التقرير الذي نشرته صحيفة «الغارديان» عن مجزرة التضامن ليؤكد مرة أخرى، كما ذهب رينيه جيرار، أنّ العنف الذي نشاهده في حروب اليوم بات أكثر وحشية من السابق، بل حتى من القرون الوسطى. فخلافا للصورة التي عادة ما تربط بين العنف المنفلت من عقاله في العالم البربري القديم، يلاحظ عدد من المؤرخين لتاريخ الحروب، أنّ قواعد القتال في ذاك الزمن كانت تقوم على الفروسية وعلى الهجوم أحيانا لمرة واحدة، ومن ثم التوقف عن القتل، طالما أنّ العدو قد تراجع. بينما وجد هؤلاء المؤرخون أنّ الحداثة هي من أسّست فعليا لزمن التوحش في الحروب، وأنّ هناك ثلاثة عوامل ساهمت في اتجاه الجيوش والجنود إلى تبني فكرة سحق العدو كاملا. وتتمثل العوامل هذه في اختراع الأسلحة الجديدة، التي أتاحت قتل أكبر عدد من الطرف الآخر، والخطط الحربية الجديدة، وبروتستانتية الإصلاح (في أوروبا) التي ساعدت على تحرير الحياة السياسية والأفعال العسكرية من أي التزامات روحانية أو أخلاقية. فمع توسع الإصلاح البروتستانتي، أخذ الجنود ينظرون إلى أعدائهم بوصفهم ممثّلين لجند الشيطان في الأرض. ولذلك يمكن القول إنّ ما نشهده اليوم من مشاهد وجرائم في العالم، يؤسّس لتطور تاريخي آخر من العنف، بدلا من محاولة تقليد الماضي.

وبالعودة إلى مجزرة التضامن، فإنّ ما يلاحظ أحيانا، أنه بالتوازي مع ما حدث على صعيد التعاطف والحزن واليأس حيال هذا المشهد، الذي تجاوز بلا شك كل ما هو معقول وإنساني، وإن لم يكن الأول من نوعه في منطقة المشرق العربي، كان هناك تبن لفكرة تقول إن ما حدث يكشف عن رؤية لاهوتية علوية عابرة للأزمان يحملها مجرم الحرب (أمجد) حيال السنة في سوريا، وهي تأتي في سياق المجازر الطائفية التي حدثت في البلاد، وأيضا تأتي في سياق سيطرة العلويين على السلطة منذ السبعينيات. وربما هذا ما دفع أحد الإعلاميين السوريين بالدعوة إلى استئصال منابع العنف في المذهب العلوي، ما يذكرنا بالمنطق ذاته الذي تبنته بعض الأطراف الغربية والعربية منذ سنوات لتجفيف المذهب السني من أفكار الجهاد، وتحويله إلى دين سلمي، بدلا من الخوض في السياقات الاجتماعية والسياسية التي دفعت أهله للقيام بها.

وبالتالي وفقاً لهذه الرؤية، لا بأس من وضع الأديان على سرير بروكست وتقطيعها لمنع تكرار ما جرى. وفي حال لم ينجح هذا الأمر، لا بأس وفق هذا المنطق من قمعها وقتل بعض أفرادها بالمقابل انتقاما. ولعل الإشكال في هذه القراءة، بالإضافة إلى كونها تفتح دوامة عنف لا نهاية لها، أنّ الركون إلى التفسير الثقافي (العلوي/السني) لتبيان ما جرى في حي التضامن، أولا لا يسمح بفتح نقاش حول العنف الذي جرى في الحرب السورية. صحيح أنّ هناك مذابح جرت في حمص والتضامن، لكن أيضا هناك مذابح أخرى جرت في الجزيرة السورية ودير الزور ودوما ومناطق اشتباكات عديدة، وبالتالي نحن أمام خريطة واسعة للعنف في سوريا. كما أنّ هذا التفسير يخرج هذا العنف من سياقاته، فما حدث وفق السردية الشائعة مرتب له، وكان ينتظر فقط الإعلان عن إطلاق أول رصاصة ليعبّر عن نفسه، وبالتالي في ظل هذه القراءة لا ضرورة للحديث عن بدايات تشكل هذه السياقات، وكيف كان يجري الحشد لتبرير وشرعنة هذا العنف، وما هي الرمزيات والآليات والمؤسسات التي ساهمت في صناعة هذا العالم، خاصة أن الحرب، ليست عبارة عن امتداد للفترة السلمية ومؤسساتها بالضرورة، بل هي حدث اجتماعي وعسكري كبير؛ صحيح أنها تستفيد من بعض الأنظمة المؤسساتية والاجتماعية التي صنعت في فترة السلم، مع ذلك فإنّ بعض الباحثين في سوسيولوجيا الحروب يرون أنّ القتال اليومي يؤسّس لمعطيات وذكريات جديدة، ليس على صعيد المكان وحسب، بل أيضا على صعيد بناء البنى التنظيمية للجهات المحاربة، وعلى صعيد تكوين أيديولوجيا مشرعنة قوية وفعالة. وهناك من يرى أنّ الأيديولوجيات التي نراها في الحرب (وبالأخص الحروب الأهلية) هي أحد أسباب اندلاعها، لكن مقاربات عديدة تعارض هذا التوجه، وترى أنه حتى الأيديولوجيات الدينية والإثنية (سأعتمد هنا مصطلح الأيديولوجيات الدينية تمييزا عن الجماعات الدينية التقليدية) تعيد بناء نفسها خلال الحرب، ما يعني أنّ الحديث عن وجود بنى ثقافية ثابتة ومستمرة في سوريا، هي التي دفعت مجرم الحرب أمجد إلى القيام بفعلته، أمر لا يمكن الركون إليه كمدخل وحيد لتفسير ما جرى، فالحروب عبارة عن زلازل اجتماعية وموجات متتالية، وليست فقط مجرد نزهة أو استمرار لما قبلها، وهي تحول يدفع الآلاف إلى تبني تصورات أيديولوجية وأفعال وسلوكيات مغايرة، حتى وإن بدت مندرجة في الأطر التقليدية.

أطر بديلة

إن أي محاولة لعقلنة والخروج من أسر التفسير الثقافي، لا يعني تبريره أو القول إن الآخرين (العلويين) مغفلون، أو أن تقوقع القسم الأكبر منهم خلال الحرب ودفاعهم عن النظام جاء بسبب الخوف من سيوف الآخر (السني) فقط، خاصة أن ترابط الجماعات لا يحدث على نحو طبيعي في أوقات الأزمات، بل هو وليد أحداث وعمليات معظمها خارج عن منطقة الحرب. وقد خاض العديد من الباحثين نقاشا جديا حول إعادة توظيف دور الطائفة العلوية في سوريا، أو أفرادها في السلطة وما مرت به أيضا من مراحل، خلال فترة الأب الأسد، وفترة بشار الأسد، التي شهدت حالة من الفتور الاجتماعي بين الطرفين أحيانا (زواج من خارج الطائفة/ غولد سميث). مع ذلك، فإنّ هذا الترابط بين العلويين والسلطة، لا يمكن تفسيره أيضا في سياقات ثقافية فقط، لأنه على الرغم من أنّ العلويين بقوا متماسكين خلال الحرب، لكن هذا الترابط الهوياتي لم يكن ناجما فقط عن خوف طائفي، بل أيضا عن ظهور محفزات جديدة للتماسك، خاصة أنه ليس بالضرورة أن تبقى الهويات الاجتماعية ثابتة ومستقرة أثناء الصراع. وهذا ما نراه جليا في الحالة الكردية في سوريا والخلافات بين أطرافها، ولعل هذا التماسك العلوي يمكن تفسيره من خلال ما تنبه له السوسيولوجي في جامعة دبلن سنيشا مالشيفيتش في كتابه المهم «سوسيولوجيا الحرب والعنف».

إن أي محاولة لعقلنة والخروج من أسر التفسير الثقافي، لا يعني تبريره أو القول إن الآخرين (العلويين) مغفلون، أو أن تقوقع القسم الأكبر منهم خلال الحرب ودفاعهم عن النظام جاء بسبب الخوف من سيوف الآخر (السني) فقط، خاصة أن ترابط الجماعات لا يحدث على نحو طبيعي في أوقات الأزمات، بل هو وليد أحداث وعمليات معظمها خارج عن منطقة الحرب.

إذ يرى أنّ من يحكم على هذا الترابط والاستقرار في النهاية هي الآليات التنظيمية والأيديولوجية لأجهزة الدولة القائمة ولبعض جماعات المجتمع المدني (الجمعيات الخيرية مثلا) في صناعة ذكريات سيتم حفظها وتأويلها. وهذا ما نراه في المناطق العلوية السورية في السنوات الأخيرة مثلا في ظاهرة نشر صور المقاتلين ممن سقطوا في المعارك التي خاضها جيش النظام على مداخل المقابر، وهي ظاهرة ربما لم تكن موجودة سابقا قبل الحرب. كما نرى هذه الظاهرة في مقابر تابعة لمقاتلي القوات الكردية في مدينة القامشلي، وهي صور تظهر كيف تجري تغذية خطاب الانقسام الهوياتي من خلال تحويل المقابر إلى مزارات يحج إليها الناس، لأنّ الاحتفاء بموتى الحرب يرمي إلى جعل الحاضر غير المستساغ أمرا مقبولا ومهماً بهدف الدفاع عن الوجود. وبالتالي تصبح صور المقاتلين، بالإضافة إلى عشرات الرمزيات والعوامل الأخرى، جزءا من عمليات التعويد والتسكين الروتينية. والحال أنّ عملية العنف مركبة وتتكون من ذكريات وصور، وسرديات تاريخية، أو فرص نفعية (كما يذهب لذلك كاليفاس في كتابه «منطق العنف في الحرب الأهلية») كما تؤثر في هذا العالم القرابة، والانتماء إلى مؤسسات السلطة، وظروف القتال اليومي، وسقوط قتلى، بحيث تصبح كل هذه العوامل خلال الحرب كمذكرات يومية قوية، وفق تعبير مالشيفيتش، تؤشر إلى انتماء المرء إلى أمة أو طرف معين، وهذا ما يجعل من هذه العوامل الأيديولوجية آلية قوية للغاية بمقدورها أن تتحول بسرعة إلى أيديولوجية عدائية وفتاكة في أوقات الحرب. وهناك من قد يحاجج عبر القول إن هذه الآلية موجودة في سوريا منذ أحداث حماة في الثمانينيات، وهذا ما ذهبت إليه مثلا سلوى إسماعيل في كتابها «حكم العنف في سوريا» من خلال حديثها عن دور المجازر والاعتقالات السياسية كآليات للحكم في البلاد، لكن ما يسجل على كتابها أنها لم تركز على فعل الحرب كحدث كبير واستثنائي ومولد لأشكال وسياقات جديدة من العنف، وليس استمرارا لما سبق، خاصة أن الجيل الذي شارك في عنف الحرب كان قد ولد في غالبه بعد أحداث حماة، وعاش في فترة أكثر هدوءاً وانفتاحاً، وبالأخص في العقد الأخير الذي سبق الحرب في سوريا، الذي كان على وشك توليد ذكريات أخرى (مدنية) لو لم تندفع الأمور نحو الحرب.
وفي هذا السياق، فإنّ ما يجب دراسته على صعيد فهم سياق الأيديولوجية العلوية المحاربة، من الضروري أيضا فهمه على صعيد سياق الأيديولوجيا السنية المحاربة التي وضعت لنفسها المبرر لوضع عشرات العلويين المدنيين في أقفاص في مدينة دوما، وأيضا تصفية عشرات الناشطين وقتلهم، وكذلك الحال على صعيد الأيديولوجية الكردية المحاربة.
في ختام كتابه السالف الذكر، يذهب مالشيفيتش (الساعى نحو بناء سوسيولوجيا جديدة عن الحرب والعنف) إلى القول إن «الحرب، هي في المقام الأول، حدث مادي يتضمن دمارا وقتلا وموتا. وقد نتفق على أن كل صراع عنيف يتطلب تأويلا جماعيا، وتعبيرا عموميا، وسردا ثقافيا، إلا أن أيا من ذلك ليس لازما ولا كافيا لإشعال حرب أو القيام بها.. يقينا، تجعل الأنساق الثقافية القيام بالحرب أمرا ميسورا ومعقولا وذات معنى حتى، لكنها بحد ذاتها، لا تحدث الحرب». ولذلك عوضا عن ذلك فهو يقترح علينا قراءة أحداث العنف والحرب ضمن سياقين أوسع، الأول يتعلق بالبرقرطة التصاعدية للقسر (وهذا ما فعلته سلوى إسماعيل) والثاني الأدلجة المنتشرة من المركز، أو بالأحرى الأدلجة الجماهيرية في فترات الحرب، والجماعات والمؤسسات الوسيطة التي تعمل على تغذيتها. وعلى الرغم من أنّ هذه الأجندات البحثية قد يراها البعض مثالية وغير مقبول الحديث عنها اليوم في سوريا، مع ذلك نرى أنها ضرورة كونها تنساق نحو منحى آخر لمقاربة العنف يركز على دراسة يوميات الحرب والفاعلين فيها وآلياتهم، وهي مهمة بلا شك لا تقع على عاتق المكلومين على أبنائهم أو الضحايا، بل تقع المسؤولية في ذلك على الباحثين والمشاركين في النقاش العام.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية