مشوار إخلاء المدنيين ما زال طويلا وهناك مئات الآلاف بحاجة ماسة إلى الخروج من الملاجئ بعد نفاد المواد الغذائية والماء والأدوية.
نيويورك (الأمم المتحدة) »القدس العربي»: المدنيون والحقيقة هما أوائل ضحايا الحروب. وسنحاول أن نبتعد عن السياسة في هذا المقال ونركز على الضحايا من المدنيين الذين لا علاقة لهم بالحرب ولم يتخذوا قرار الحرب ولم يستشاروا فيما إذا كان من الحكمة أن تدخل حكومتهم في حرب. ومن المؤكد أن عدد المتضررين من المدنيين الأوكرانيين في هذه الحرب من اللاجئين والمشردين والقتلى والجرحى يشكل أعظم مأساة من صنع الإنسان منذ الحرب العالمية الثانية بمقياس الزمن. فقد شرد نحو خمسة ملايين في أقل من شهرين، بينما شرد من الشعب السوري نفس العدد تقريبا لكن على مدى عشر سنوات أو يزيد. إن الشعور بمأساة الأبرياء ظاهرة إنسانية يجب ألا ترتبط بأي تبرير سياسي. فمن رأى أطفالا في بناية تحترق ثم راح يحلل أسباب الحريق ويبحث عن خلفيات الحادث والمشبوهين في إضرام النار أولا قبل أن يحاول أن ينقذ الأطفال أو يتعاطف معهم ويحس بوجعهم ووجع أهاليهم فإن ذلك مرفوض إنسانيا وأخلاقيا ودينيا وعرفيا. ومن لا يتعاطف مع مآسي الأبرياء في أي مكان لا يتوقعن من الآخرين أن يتعاطفوا مع مآسيه إن كانت واقعة أو عندما تقع.
لقد تميزت الحرب في أوكرانيا بأنها «تدميرية» وخاصة للبنية التحتية المدنية كالمباني السكنية والمدارس والمستشفيات والمحطات والمصانع ومخازن الحبوب في المناطق المأهولة بالسكان. ووصل عدد من أُجبروا على الفرار من مساكنهم الاعتيادية ما يزيد على 13 مليون أوكراني. من بينهم 7.7 مليون نازح داخلياً. ونحو 5.5 مليون لاجئ عبروا الحدود في كل الاتجاهات بما فيها روسيا. أما الأشخاص الأكثر ضعفا وهشاشة من كبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة فقد بقوا في منازلهم أو في مراكز اللجوء والإيواء لكنهم بحاجة إلى مواد غذائية وأدوية وملابس وغير ذلك من الاحتياجات الضرورية.
ارتقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني، والذين يصل عددهم إلى 217 منظمة وجماعة إنسانية على الأقل، إلى مستوى التحدي والمسؤولية وبسرعة غير اعتيادية نتيجة توفير السيولة النقدية بسرعة قصوى ووجود أممي على الأرض منذ عام 2014. ويعمل تحت راية المنظمة الدولية أكثر من 1400 موظف منتشرين في جميع أنحاء البلاد، يعملون من ثمانية محاور خارج كييف، تضم عددا من المستودعات والإمدادات، متصلة بـ 30 موقعا موزعة على جميع أنحاء البلاد. أضف إلى ذلك وجود نحو 600 موظف تابعين للجنة الدولية للصليب الأحمر والتي تعمل بالتنسيق والتشارك مع منظمات الأمم المتحدة الإنسانية. لقد تمكنت هذه المجموعات من إيصال المساعدات الإنسانية إلى أكثر من 4.1 مليون شخص في جميع مقاطعات البلاد الـ 24. وتسعى المنظمة الدولية إلى مضاعفة هذا العدد ليصل إلى 8.7 مليون شخص بحلول نهاية آب/أغسطس المقبل.
وتشمل المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، إضافة إلى المواد الغذائية والطبية، توزيع كوبونات نقدية للمحتاجين والمتضررين الذين تقطعت بهم السبل بعيدا عن مصادر رزقهم. وبحلول نهاية أيار/مايو الحالي، سيصل عدد المستفيدين من المنحة النقدية إلى 1.3 مليون شخص. وسترتفع قيمة المساعدات النقدية بشكل مطرد في الأشهر المقبلة.
زيارة الأمين العام لموسكو وكييف
تعرض الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى نقد حاد من كثير من الدول بسبب تردده في زيارة منطقة الصراع لمدة طويلة. ويبدو أن ذلك يعود لبرودة الموقف الروسي من الأمين العام وصل حدّ انتقاده علنا بالتحيز لصالح المعسكر الغربي من قبل الممثل الدائم لروسيا، فاسيلي نيبنزيا. وكانت الصحافة المعتمدة هي الأكثر قسوة في تكرار السؤال: متى سيزور الأمين العام المنطقة وهل ينوي زيارتها وهل وصلته دعوات للزيارة، لماذا يحتاج إلى إذن من أحد للقيام بالزيارة؟ أخيرا قرر الذهاب ولكن إلى موسكو أولا وهو ما عرضه إلى نقد حاد من السلطات الأوكرانية التي كانت تأمل أن يزورها أولا ليري بعينيه حجم الدمار والخراب وخاصة في مدينة بوتشا التي شهدت، حسب المصادر الأوكرانية، مجازر مروعة وعثر فيها على عدد من المقابر الجماعية.
وصل الأمين العام موسكو يوم 26 نيسان/أبريل وكييف يوم 28 من نفس الشهر. وتوقف في أنقرة وهو في طريقه إلى موسكو ثم توقف في رزيسزاو في بولندا وهو في طريقه إلى كييف. وفي أوكرانيا زار أربعة مواقع من بينها مدينة بوتشا التي كما قيل، شهدت مجازر مروعة. وقال الأمين العام في مؤتمر صحافي مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي: «أنا هنا لأقول لكم، لن نستسلم. بينما نواصل الضغط من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل، سنواصل السعي أيضا لاتخاذ خطوات عملية فورية لإنقاذ الأرواح والتخفيف من المعاناة الإنسانية».
وكانت الحكومة الأوكرانية وجهت نداءً إلى الأمم المتحدة وللأمين العام شخصيا للقيام بمحاولة لإنقاذ المدنيين المحاصرين في مدينة ماريوبول المنكوبة وتحديداً المحاصرين داخل مصنع آزوفستال.
ماريوبول ودور
المنظمة الدولية
في اجتماع غوتيريش مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، شدد الأمين العام على حتمية تمكين وصول المساعدات الإنسانية وعمليات الإجلاء من المناطق المحاصرة، بما في ذلك في المقام الأول ماريوبول. كما حث الأمين العام السلطات الروسية تسهيل عملية فتح ممر إنساني آمن وفعّال للسماح للمدنيين بالوصول إلى بر الأمان من مصنع آزوفستال. وحسب إحاطة الأمين العام لمجلس الأمن يوم الخميس 5 أيار/مايو، فإن السلطات الروسية قد بعثت له تأكيدا بعد وقت قصير من مغادرته موسكو الموافقة من حيث المبدأ على الممر الآمن وإخلاء المدنيين. وقال: «وتابعنا على الفور بعمل تحضيري مكثف مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى جانب السلطات الروسية والأوكرانية. كان هدفنا في البداية هو تمكين هؤلاء المدنيين من الإخلاء الآمن من معمل آزوفستال ولاحقًا من بقية المدينة في أي اتجاه يختارونه، وتقديم المساعدة الإنسانية. ويسعدني أن أبلغكم عن قدر من النجاح».
لقد بدأت عملية الإخلاء فعلا يوم 29 نيسان/أبريل وتطلبت تنسيقا هائلا ودعوة من الاتحاد الروسي والسلطات الأوكرانية. واستمرت خمسة أيام بتنسيق بين الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وطرفي النزاع. وحتى الآن، تم الانتهاء بنجاح من قافلتين عبرتا الممر الآمن. في الأولى، التي اختتمت في 3 أيار/مايو، تم إجلاء 101 مدني من معمل آزوفستال إلى جانب 59 آخرين من منطقة مجاورة. وفي العملية الثانية، التي اكتملت مساء الأربعاء، تم إجلاء أكثر من 320 مدنيا من مدينة ماريوبول والمناطق المحيطة بها. وهناك عملية ثالثة جارية – لم يكشف الأمين العام عن تفاصيلها قبل اكتمالها لتجنب تقويض أي نجاح محتمل. لقد بلغ مجموع الذين تم إجلاؤهم من ماريوبول نحو 500 جلهم من النساء والأطفال. وعلى طول الطريق، انضمت عائلات وأشخاص في سيارات خاصة إلى قافلة الحافلات وسيارات الإسعاف برفقة فرق اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة. ووصل أكثر من مئة شخص، بينهم بعض الجرحى إلى زابوريجيا. كما تمكن أشخاص آخرون من الخروج من المصنع إلى أماكن أخرى لم تحدد؛ ولم تنظم الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر هذه التحركات للمدنيين ولم ترافقاها.
وتعمل الأمم المتحدة الآن بحذر وروية على استكمال الإخلاء الآمن للمدنيين من جهة، ورفع مستوى وحجم المعونات الإنسانية للمحاصرين واللاجئين والمشردين من جهة أخرى.
وصرح باسكال هونت، رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أوكرانيا تعليقا على عملية الإخلاء: «مكنت هذه العملية المعقدة توفير ممر آمن للمدنيين من مغادرة آزوفستال ومنطقة ماريوبول، إلا أنه كان يحدونا الأمل أن يتمكن المزيد من الأشخاص من الانضمام إلينا». وأضاف: «ثمة ضرورة ملحة في التوصل إلى اتفاقيات مماثلة بين الأطراف لتخفيف المعاناة الهائلة التي يتكبدها المدنيون المحاصرون في مناطق الأعمال القتالية».
وقال رئيس اللجنة الدولية، بيتر ماورير: «إن ما يبعث على الارتياح الكبير خروج بعض المدنيين الذين عانوا منذ أسابيع أخيرًا». وأضاف: «لم تنس اللجنة الدولية الأشخاص الذين ما زالوا هناك، ولا الأشخاص الموجودين في المناطق الأخرى المتضررة من الأعمال العدائية أو الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى الإغاثة الإنسانية، أينما كانوا. كما أننا لن ندخر أي جهد للوصول إليهم». لقد نجحت الأمم المتحدة وبمساهمة هامة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في المرحلة الأولى من إخلاء المدنيين من ماريوبول وشاهدت ثمار عملهما خلال الأسابيع العديدة الماضية. لقد عمل الأمين العام ومنسق الشؤون الإنسانية بصمت لمدة طويلة ومارسا الضغط للحصول على اتفاق بشأن وقف إطلاق نار محلي، أو لفترات مؤقتة. وأخيرًا أثمرت تلك الجهود لكن مشوار الإخلاء ما زال طويلا وهناك مئات الآلاف بحاجة ماسة إلى الخروج من الملاجئ بعد نفاد المواد الغذائية والماء الصالح للشرب والأدوية. ويخشى المسؤولون هنا أن التأخر في ترتيب ممرات آمنة جديدة من المناطق المحاصرة قد يعني فوات الأوان لعدد كبير من المدنيين الأكثر ضعفا وقلة حيلة. لكن المنظمة الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والشركاء المحليين، كلها تعمل بصمت وبجدية مطلقة لضمان استمرار إخراج المدنيين قبل فوات الأوان.