نتيجة صفقات الأسلحة إسرائيل حائرة أمام غموض الرؤية الجيوسياسية لروسيا في الشرق الأوسط

حسين مجدوبي
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تردد السؤال التالي في أكثر من عاصمة غربية وآسيوية وفي مراكز التفكير الاستراتيجي: لماذا تلتزم إسرائيل الحذر في الحرب الروسية-الأوكرانية؟ أو: لماذا لا تريد تل أبيب إغضاب الكرملين؟ يسود الاعتقاد أن الموقف الإسرائيلي الحذر يعود إلى سياسة موسكو في الصفقات التي توقعها مع دول الشرق الأوسط ومنها مصر وتركيا، وقد يكون المنعطف هو تسليح سوريا بأسلحة متطورة.

ومنذ بدء شن روسيا هجوما ضد أوكرانيا يوم 24 شباط/فبراير الماضي، نهجت إسرائيل مواقف حذرة للغاية تجاه الصراع تتناقض منطقيا أو على الأقل نظريا مع توجهها الغربي وانخراطها في السياسة الأمريكية، علما أن واشنطن الآن هي التي تقود الغرب في إضعاف الجيش الروسي في هذه الحرب. ومن ضمن التفسيرات التي قدمها المهتمون بعلاقات إسرائيل الخارجية نجد: أولا، وجود نسبة هامة من اليهود من أوكرانيا وروسيا في إسرائيل، وبالتالي يجب تفادي تأييد دولة ضد أخرى لتجنب وقوع مواجهة داخلية في إسرائيل بين اليهود الروس واليهود الأوكرانيين قد تحمل انعكاسات سلبية للغاية على وحدة الإسرائيليين. ثانيا: سعي إسرائيل إلى لعب دور الوساطة بين كييف وموسكو، وقد طرحت هذه الوساطة في أكثر من مناسبة غير أنها لم تنجح بسبب الموقف الروسي الرافض لمنح إسرائيل أي مصداقية في هذا الشأن. ورغم حدة لهجة روسيا ضد موسكو سواء فيما يخص تورط اليهود في معاداة السامية ومن ضمن ذلك الحديث عن يهودية هتلر ثم اتهام موسكو لتل أبيب بوجود مقاتلين إسرائيليين في أوكرانيا، أو الرفع من مستوى التواصل مع حركة حماس، تستمر إسرائيل في الالتزام بالحذر التام.
وإلى جانب السياسة والدبلوماسية، من ضمن العوامل الرئيسية التي دفعت بإسرائيل إلى التريث في الحرب الأوكرانية هو قلقها من الغموض الذي يكتنف الرؤية الجيوسياسية لروسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط. ويبقى الجواب: فتش عن الأسلحة.
باستثناء سوريا التي عادة ما تشتري سلاحها من روسيا، هيمنت الولايات المتحدة خلال الثلاثين سنة الأخيرة على صفقات الأسلحة لكل دول الشرق الأوسط خاصة تركيا ومصر. وكانت إسرائيل مرتاحة لتفوقها النوعي في السلاح على جيرانها. غير أن الحديث الذي وقع هو بدء روسيا تكسير هذه المعادلة خلال السنوات الأخيرة، وكانت البداية مع مصر وتركيا وقد تنتقل إلى باقي الدول العربية ومنها العربية السعودية.
في هذا الصدد، ورغم اتفاق السلام والعلاقات التي تبدو متينة، ترى إسرائيل بقلق كبير مساعي مصر في تحديث ترسانتها الحربية. وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد مصر تعتمد على سوق السلاح الأمريكي بل تراهن على الصناعة الحربية الروسية. في هذا الصدد، اقتنت مصر مروحيات وخاصة مقاتلات متطورة من «عائلة سوخوي» مثل سوخوي 30 ثم صفقة بشأن سوخوي 35 المتطورة، كما اقتنت مقاتلات رافال الفرنسية. وتخلت مصر عن اقتناء المقاتلات الأمريكية. ويبقى المثير هو قرار واشنطن خلال اذار/مارس الماضي بيع مصر مقاتلات إف 15 بعد انتظار طال قرابة 40 سنة وضغطها على القاهرة للتخلي عن سوخوي 35. في الوقت ذاته، وقعت مصر خلال الصيف الماضي صفقة أولية لشراء 200 دبابة روسية متطورة T-90MS وقد تقتني 300 أخرى مع ميزة التركيب وتصنيع بعض الأجزاء في مصر. ويجري الحديث عن احتمال شراء إس 400 مستقبلا.
وتعتبر إسرائيل الخاسر الأكبر لأن السلاح الروسي لمصر بل حتى رافال الفرنسية تتم بدون شروط مسبقة سواء بالنسبة للاستعمال أو الحد من بعض المميزات. والفارق مع الأسلحة الأمريكية هي الشروط ونوعية السلاح. وعندما تبيع واشنطن السلاح إلى مصر يكون بشروط من ضمنها عدم مهاجمة إسرائيل، كما أن هذه الأسلحة الأمريكية ذات مميزات محدودة للغاية وخاصة في ضرب الأهداف بحكم أن المقاتلات التي تقتنيها مصر أو أي دولة عربية محدودة للغاية مقارنة مع النسخ الحقيقية الأمريكية التي يستعملها الجيش الأمريكي بل وحتى إسرائيل.
وما يحدث مع مصر بدأ يتكرر مع تركيا التي تعتبر عضوا في منظمة شمال الحلف الأطلسي، وفضلت اقتناء منظومة الصواريخ إس 400 الروسية، الأمر الذي عرض الحلف لهزة لم يشهدها من قبل. وبدأت الدول العربية وعلى رأسها العربية السعودية تفكر في عقد صفقات عسكرية مع روسيا للحصول على أسلحة متطورة ومنها منظومة الدفاع إس 400 والتفكير في اقتناء مقاتلات بعدما جمدت واشنطن صفقات مهمة. ويبقى التخوف الإسرائيلي الكبير هو من قرار روسيا منح سوريا أسلحة متقدمة ومتطورة مثل أنظمة إس 400 وصواريخ دقيقة من نوع إسكندر التي باعتها للجزائر لأن ذلك يعني وضع جديد في الشرق الأوسط. والمعادلة العسكرية واضحة: منظومة الدفاع الجوي إس 400 لدول الشرق الأوسط يعادل انهيار التفوق الجوي الإسرائيلي.
كما أن مصالح الدول تتغير ولا تعد ثابتة، وهذا يعني تغيير المواقف السياسية والتحالفات. وعمليا، تعد إسرائيل من الكيانات التي لا تثق في العرب رغم اتفاقيات السلام والحديث عن أنظمة عربية عميلة للغرب وإسرائيل أساسا، فهي تدرك مدى تعرض المجتمعات العربية للتغيير الاجتماعي والسياسي، وعليه، انتظار مفاجآت ومنها عسكرية. ومن الأسئلة التي تطرحها الاستخبارات ومراكز التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورث اتفاقية السلام وتقرب لإسرائيل ولكن لماذا تخلى عن السلاح الأمريكي وفضل السلاح الروسي الذي لا يخضع لشروط الاستعمال؟ ثم: ماذا لو كان خليفة السيسي مختلفا في التفكير تجاه إسرائيل وتكون رهن إشارته ترسانة عسكرية متطورة؟ خلال الخمسة عقود الأخيرة، غيرت مصر من مواقفها، كانت تابعة لموسكو وأصبحت في فلك واشنطن ووقعت السلام مع إسرائيل، والآن تبحث عن وضع جديد في الساحة الدولية على شاكلة تركيا وإيران، وبالتالي هي مهيئة للتغيير لاسيما في ظل التطورات التي يشهدها العالم وعلى رأسها تقدم الصين لمنافسة الولايات المتحدة على قيام المنظم الدولي.
لقد انتصرت إسرائيل في حروبها ضد العرب بفضل التفوق العسكري الذي ضمنته لها الولايات المتحدة. غير أن هذا التفوق بدأ يتراجع خلال السنوات الأخيرة بسبب التطور الحاصل في الأسلحة. فمن جهة، رهان حزب الله على استراتيجية الصواريخ، ومن جهة أخرى بسبب سياسة موسكو المستعدة لتزويد بعض الدول العربية بل ودول الشرق الأوسط بأسلحة متطورة وشرعت في هذه السياسة مع مصر وتركيا. وينتج عن هذا فقدان إسرائيل للتفوق العسكري النوعي ومعه لسياسة الردع العسكري، ويكفي تأمل كيف لم تعد إسرائيل تجرأ على مهاجمة إلى لبنان منذ الهزيمة النسبية في حرب تموز/حزيران 2006.
الحذر الإسرائيلي في حرب أوكرانيا والحذر في التعاطي مع روسيا يعود أساسا إلى تخوف تل أبيب من استراتيجية جديدة لموسكو في الشرق الأوسط تقوم على عدم التردد في تسليح بعض دول المنطقة بأسلحة متطورة مثل مصر، الأمر الذي يعني نهاية التفوق النوعي الإسرائيلي في الشرق الأوسط. إن السؤال الشائك الذي لم تجد له إسرائيل جوابا شافيا وهو: ما هي الرؤية الجيوسياسية الحقيقية لروسيا في الشرق الأوسط؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية