اندلع نقاش حاد وغير عادي من ناحية مضمونه وتداعياته بين روسيا وإسرائيل، فهو وإن كان من متركزا على الحرب في أوكرانيا وغضب روسيا الواضح مما ترى أنه دعم إسرائيلي لحكومة «النازيين» في كييف وتوفير الإسرائيليين المرتزقة لها وقتالهم في كتيبة اسمها أزوف، إلا أن اللغة التي استخدمت فيه مثيرة للاهتمام والدهشة، فكما قلل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الحقيقة التاريخية لوجود أوكرانيا في مقاله الشهير تموز/يوليو 2021 وأكد على الرابطة الوجودية بينها وروسيا الأم، حاول وزير خارجيته سيرغي لافروف نقل المواجهة إلى منطقة حساسة بالنسبة لإسرائيل ووجودها عندما اتهم اليهود أو بعضهم بأنهم أشد عداء للسامية، ممن ترمى عليهم التهمة في الغرب وحول العالم من إسرائيل وأنصارها، بل وذهب لافروف أبعد عندما قال إن هتلر نفسه الذي أقام محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية كان يحمل دماء يهودية.
وتصريحات كهذه تعتبر في سياق مختلف نارية وذات تداعيات خطيرة على من يتفوه بها. لكنها جاءت من دولة صديقة ومهمة لوجود إسرائيل من ناحية الدعم المستمر لها منذ الحقبة السوفييتية وحتى اليوم وحقيقية ان نسبة 15 في المئة من سكان إسرائيل هم من أصول روسية وأوكرانية، ولا يزالون رغم هجرتهم منذ عقود يحتفظون بعلاقات عاطفية ومادية مع البلاد التي جاءوا منها. وردت إسرائيل بغضب على تصريحات لافروف من الرئيس اسحق هيرتزوغ ورئيس الوزراء نفتالي بينيت ووزير الخارجية يائير لابيد وغيرهم، إلا أن وزارة الخارجية الروسية واصلت الهجوم.
وجاءت المعركة الكلامية تعبيرا عن غضب روسي متصاعد من إسرائيل سواء شجب دبلوماسييها للاتهامات الروسية بارتكاب جرائم حرب وما اقترحه سفير تل أبيب في كييف من إطلاق أسماء ضحايا الهولوكوست على شوارع في كييف واستدعاء موسكو السفير الإسرائيلي الكسندر بن زئيف الأسبوع الماضي للاحتجاج على هذه التصريحات. وقبل ذلك عنف وزير الخارجية الروسي نظيره الإسرائيلي لابيد على التصويت في الأمم المتحدة لتجميد عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان واقتراحه ان القوات الروسية ارتكبت جرائم حرب في مدينة بوتشا الشهر الماضي.
مشكلة اللعب على الحبلين
وتعبر هذه المعركة الكلامية عن فشل في الإستراتيجية التي اتبعها بينيت من الحرب الروسية في أوكرانيا واللعب على الحبلين، فهو يقوم بدور المفاوض المحايد والوسيط بين أوكرانيا وروسيا ولابيد يتولى الجبهة الإعلامية ويصدر تصريحات ناقدة وأحيانا عنيفة لما تقوم به روسيا من غزو لأوكرانيا. فالحكومة الإسرائيلية حرصت منذ البداية على عدم إغضاب حليفتها الأمريكية التي تولت مهمة تعبئة دول الناتو والعالم ضد الرئيس بويتن وأصبحت جزءا من الحرب فيها نظرا للدعم العسكري المباشر والأموال التي أعلنت عن تخصيصها للجهود الحربية، ومن جهة أخرى الحفاظ على العلاقات القوية مع موسكو التي نمت بشكل قوي خلال السنوات الماضية واستفادت منها إسرائيل أثناء فترة حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا التي تحولت فيها روسيا اللاعب الرئيسي. ولم تنجح إسرائيل في البقاء على عارضة الجمناز والحفاظ على توازنها، وبدأت تميل كفتها نحو الغرب كما رأت صحيفة «الغارديان» (3/5/2022) وأن تعليقات لافروف عن هتلر هي محاولة لزيادة الضغط عليها كي تتخلى عن موقفها المحايد من الحرب الروسية في أوكرانيا، وهو موقف أغضب حلفاء إسرائيل التي كانت واحدة من الدول القليلة الحليفة لأمريكا التي امتنعت عن فرض عقوبات مشددة على موسكو، فمنذ بداية الحرب ركزت تل أبيب على الجهود الدبلوماسية والإنسانية لدعم حكومة أوكرانيا التي يترأسها فلودويمير زيلينسكي، وامتنعت في الوقت نفسه عن تقديم الأسلحة العسكرية الثقيلة مثل نظام القبة الحديدية التي ذكرت صحف إسرائيلية وغربية أن إسرائيل رفضت بيعه لأوكرانيا إلى جانب أجهزة تجسس لاختراق الهواتف الروسية مثل برنامج بيغاسوس الذي صنعته الشركة الإسرائيلية «أن أس أو غروب» وأصبحت في مركز فضيحة دولية لاستخدامه في اختراق هواتف المعارضين للأنظمة الديكتاتورية. واكتفت إسرائيل، على الأقل، علنا بمساعدات إنسانية مثل بناء مستشفى ميداني في غرب أوكرانيا وستر واقية وخوذ للجيش الأوكراني. كل هذا في محاولة للحفاظ على علاقتها الحساسة مع روسيا وعدم تأثر وضعها العسكري في سوريا. ورأت الصحيفة أن الحرب الكلامية المتبادلة والنقد الإسرائيلي المتزايد للغزو يؤشر لتحول تدريجي نحو الموقف الغربي، وأشارت صحيفة «هآرتس» (3/5/2022) إلى أن المؤسستين السياسية والعسكرية تفكران بزيادة الدعم لأوكرانيا في أعقاب الخلاف الدبلوماسي. وقالت إن قائمة المعدات العسكرية المقترح إرسالها ستتم مراجعتها قبل إرسالها. ومع ذلك، نقلت الصحيفة عن مصدر قوله إن الدعم العسكري المقترح سيظل رمزيا ولن يشمل أنظمة صاروخية متقدمة طلبها زيلينسكي من الكنيست في خطابه الذي ألقاه في آذار/مارس الماضي. وقال المصدر إن إسرائيل ستواصل موقفها الحالي وهو تجنب إغضاب موسكو. وأضافت أن حلفاء إسرائيل الغربيين قلقون من موقفها الحذر ورفضها دعم الموقف المعارض للحرب، كما وأعرب مسؤولون عن تأثر صناعة السلاح من خلال إرسال رسالة وهي جلوس إسرائيل على الهامش في نزاعات مستقبلية. وتعلق الصحيفة أن تصريحات لافروف النارية هي صورة عن الحالة «الراديكالية» التي وصلت إليها السياسة الخارجية الروسية والتي فقدت تماسكها في وجه الغزو ولم تعد تدري ما هي الأهداف التي يجب تحقيقها من هذه العملية. وبحسب المحلل السياسي الروسي ألكسندر بونوف وهو دبلوماسي سابق أن مهارات وفن الدبلوماسية انهارت مثل كل شيء مع الغزو. فلم يعد هناك قواعد، وفقدت المؤسسة الخارجية الروسية توازنها كما يقول. وباتوا يركزون جميعا على المهمة الوحيدة وهي تبرير أمر لم يسر حسب المخطط له، أي غزو أوكرانيا، ولكنهم مضطرون لتبريره.
أعتذر لم يعتذر
وظل النقاش الدبلوماسي يدور بدون تدخل من بوتين، ثم أعلن المسؤولون الإسرائيليون أنه اعتذر لبينيت عن التعليقات التي أطلقها لافروف واعتبرت معادية للسامية. وجاء اعتذار بوتين في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي التي تزامنت مع احتفالات إسرائيل بذكرى إنشائها. وبالمقارنة لم يذكر بيان الكرملين يوم الخميس في فحوى المكالمة أي اعتذار وركز على الاحتفالات بيوم النصر في 9 أيار/مايو والذي عادة ما يتم فيه الاحتفال بهزيمة الجيش الأحمر للنازية الألمانية في عام 1945 وأنه يوم له «أهمية خاصة لشعبي البلدين اللذان حفظا الحقيقة التاريخية حول الأحداث خلال كل هذه السنوات وشرفوا ذاكرة الذين سقطوا بمن فيهم ضحايا الهولوكوست».
يوم النصر
ولم يبتعد اليوم عن الحرب في أوكرانيا، وما يجب عمله لإحيائه أم إلغائه. ورأت ليلي غاليلي في موقع «ميدل إيست آي» (5/5/2022) أن روسيا تتوقع من إسرائيل إظهار التضامن معها وتحيي يوم النصر، ولكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطا من أوكرانيا للامتناع، مما يضعها وسط أزمة سياسية. فإسرائيل هي واحدة من عدد قليل من الدول التي تحتفل باليوم في 9 أيار/مايو بدلا من 8 أيار/مايو الذي تحتفل به الدول الغربية بـ «يوم النصر في أوروبا». وأشارت إلى أن يوجين كورنشوك، السفير الأوكراني في إسرائيل التقى بوزيرة الهجرة والاستيعاب بنينا طمونا- شطة وكتب في أعقاب اللقاء منشورا على فيسبوك قال فيه إن إسرائيل ستتجنب الاحتفال بيوم النصر نظرا لتعرض أوكرانيا للعدوان. ثم عاد وصحح كلامه قائلا إن اليوم سيتم إحياؤه في الكنيست لإحياء ذكرى 250.000 يهودي في الجيش الأحمر. ولكن الاحتفالات لن تكون مثل سابقتها من ناحية دعوة السفراء ومنح المحاربين السابقين شارة القديس جورج، وهو التكريم الروسي العسكري التي يقدمها عادة القنصل الروسي.
ويحظى يوم النصر باهتمام كبير في روسيا باعتباره نقطة تحول في التاريخ الروسي الحديث، وهناك تكهنات تقول إن هذا اليوم الذي يحرص عليه بوتين وجزء من تأكيده على القومية الروسية سيكون مهما هذا العام، لأنه يأتي وسط حرب في أوكرانيا، وربما أعلن فيه عن عملية عسكرية كبيرة. وفي عام 2018 دعا بوتين نتنياهو لحضور الاستعراض العسكري في الساحة الحمراء. وتطلق روسيا على المعركة ضد النازيين بأنها الحرب الوطنية العظمى وليس الحرب العالمية الثانية. ومثلما أكد بوتين على أهمية هذا اليوم، فقد أصبح جزءا من احتفالات إسرائيل السنوية والتي يعيش فيها محاربون سابقون حصلوا من خلاله على اعتراف إسرائيلي ببطولتهم. وقبل وصول موجة المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق بداية التسعينات من القرن الماضي تم محو دور الجيش الروسي الأحمر من ذاكرة النصر في الحرب العالمية الثانية، بل وتم تشويه الذكرى بعدما قطع الاتحاد السوفييتي علاقته مع إسرائيل في أعقاب حرب 1967. وظل أعضاء الحزب الشيوعي، من فلسطينيين ويهود يحيون اليوم في غابة الجيش الأحمر قرب القدس. ولكنه اليوم أصبح جزءا من تقاليد المهاجرين من الاتحاد السوفييتي ذوي الميول اليمينية والذين أصروا على نقل تقاليدهم إلى إسرائيل. وفي عام 2017 مرر الكنيست قانونا اعتبر يوم 9 أيار/مايو جزءا من الاحتفالات الرسمية. وكان بوتين عاملا مهما في الحفاظ على علاقة الشتات الروسي في إسرائيل بمواطنهم الأصلية حيث كشف الستار في رحلة له عام 2020 عن لوحة طولها 8.5 أمتار تخلد ضحايا وذكرى المدافعين عن ليننغراد. ومن هنا فإسرائيل تواجه معضلة الاحتفال بيوم جعله بوتين يوما لروسيا وإسرائيل.
ومنذ البداية ارتبط الموقف الإسرائيلي من الحرب باعتبارات الأمن والتطورات في المنطقة، فرغم التصريحات الشديدة من الطرفين، إلا أن الغضب الإسرائيلي تركز على لافروف وليس بوتين، فما على المحك أهم، فلولا روسيا لما شنت إسرائيل ومنذ عام 2012 مئات الغارات ضد أهداف قالت إنها للحرس الثوري الإيراني أو حزب الله أو الميليشيات الشيعية في العراق. فقد تحولت إسرائيل اليد الطويلة لأمريكا ترامب في سياسته المتشددة ضد إيران. وفي رحلته السرية إلى موسكو طرح بينيت الملف الإيراني مع بوتين باعتبار بلاده من الموقعين على الاتفاقية. وتخشى إسرائيل أنها لو اتخذت موقفا من الحرب أن ترد موسكو بعمليات انتقامية. وراقبت بحذر زيادة الاتصالات بين موسكو والفلسطينيين. وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست» فأول اتصال جاء مع رئيس السلطة الوطنية، ثم قام لافروف بحوار مع اسماعيل هنية، المسؤول البارز بحماس. وقاد المسؤول البارز موسى أبو مرزوق وفدا يوم الأربعاء لزيارة موسكو. وبدأت العلاقات بين روسيا وحماس في عام 2006 بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية، وأصبح النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي في مركز اهتمام الروس. وتساءلت الصحيفة عن فرص استخدام بوتين تأثيره على السلطة الوطنية في الضفة وحماس في غزة. ورأت أنه في حالة عدم احتواء الأزمة الحالية فإن الكرملين قد يفعل إيران، سوريا أو حماس بدون اعتبار للتداعيات، حسب عباس غاليموف، كاتب خطاب الرئيس بوتين في السابق فـ «بوتين لا يقيم وزنا أو يفكر بالتداعيات، فلديه ميل للانضمام إلى أي قتال حتى يخرج منتصرا». ويقلل المحللون في الوقت الحالي اتخاذ روسيا إجراءات لمنع نشاط إسرائيل في الأجواء السورية نظرا لانشغال الآلة العسكرية الروسية بالحرب في أوكرانيا، فقرار كهذا بحاجة لتعزيز قدراتها الأمنية هناك، وهي تقوم في الوقت الحالي بسحب جزء من قواتها لدعم جهودها في أوكرانيا. ويرى آخرون أن الطرفين خاسرين في سوريا، إسرائيل وروسيا، بشرط تدهور الوضع هناك. فإسرائيل لا تخفي اهتمامها بالأمن وانها ستخسر فرصة لضرب من ترى أنهم أعداؤها، وفي المقابل، روسيا عرضة للمخاطر بعدما كشفت الحرب في أوكرانيا أن أسلحتها ومنظومات الدفاع ليست قوية. ومع ذلك فلدى روسيا الكثير من الاطراف في المنطقة يمكن تفعيلها حال ساءت العلاقات. وبالمحصلة فقد أدت تعليقات لافروف لزيادة الضغط على الموقف الحذر من إسرائيل ومحاولتها تجنب الدخول بمواجهة مباشرة مع الكرملين، ففي الوقت الذي حذرت فيه مساعدة وزير الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند إسرائيل من تحولها إلى مركز للمال القذر والسماح للأوليغارش الروس من حلقة بوتين نقل أموالهم إلا أن الحرب في أوكرانيا تضيف أعباء على الحكومة الإسرائيلية من ناحية استيعاب المهاجرين من أوكرانيا التي تعيش فيها أكبر جالية يهودية في العالم، وإسرائيل حريصة على استقبال المهاجرين من أوكرانيا، وطرحت أسئلة حول ما يجب عمله بالمهاجرين غير اليهود؟ فمع بداية الصيف ستزيد عمليات نقل اللاجئين بمعدلات كبيرة. ورغم ما قيل أن أمريكا تتفهم القلق الأمني الإسرائيلي، فماذا ستفعل معها لو تبين انها وقفت مع الطرف الخاسر والتزمت بالحياد، ومشكلة أمريكا لن تكون مع إسرائيل بل حلفائها في الخليج الذين ركز الإعلام الأمريكي كثيرا على موقفهم باعتبار أن بيدهم قرار النفط. وهناك الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وهي دول قررت تغليب مصالحها على مطالب الكتلة الأمريكية- الأوروبية.