محمد مسير: على الرغم من تحولات التشكيل العراقي لكنه لم يأخذ طابع الجسد الواضح

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: يعيد الفنان التشكيلي العراقي محمد مسير تخطيط ثقافته وتحولاته الفكرية، بعد أكثر من معرض شخصي، إضافة إلى مشاركاته الكثيرة في معارض مشتركة، هذه الثقافة التي استلهمها من بيئته وما يجري فيها من بيئات ثقافية وفنية واجتماعية أولاً، وحرائق وانفجارات وهدم مستمر ثانياً. مسير كان من أوائل الذين قدموا الأحداث التي تلت سقوط الديكتاتور والاكتشافات التي فاجأت المجتمع العراقي، بعد العثور على مقابر جماعية لا يمكن حصرها، فرسم لوحته الشهيرة «المقابر الجماعية» التي شارك بها في معرض مشترك أولاً، ومن ثمَّ معرضه الشخصي الأول ثانياً، فتميزت لمسته هذه ليكون فنان التحولات العراقية، وكان هذا واضحاً في معرضه الثاني، والاشتغالات التي قدمها مؤخراً عبر استعادته لطفولته وطفولة الأشخاص القريبين والمحيطين به.
عن الفن وتحولاته شخصياً وعراقياً، كان لنا معه هذا الحوار:

■ مرَّ محمد مسير بعدد من التحولات في لوحته التشكيلية.. ما الذي يجعل الفنان يمر بأكثر من تجربة؟ وما الدوافع التي تدعوه للانتقال وتغيير أساليبه أكثر من مرّة؟
□ دائماً هناك محاولات للتجريب والخوض بإخضاع مفردات جديدة واختيار مادة جديدة لتجربة ما للبحث عن منابع أخرى لمواطن الجمال. أنا لا أؤمن بالوقوف في مكان واحد… التنقل والبحث عن المادة والمدلولات تقتضي دائماً ترويض المادة والمفردة لصورة أخرى، أحاول من خلالها ضخ أكبر كمية من التعبير وخلق أشكال ومفردات تحمل مدلولات لما أريد اقتراحه. هناك بحث دائم عن أشياء جديدة، وكأنك تبحث في المجهول لتركيب مجموعة عناصر لخلق شكل جديد، وهو ليس مأخوذاً من العدم، ولكنه مركب برؤية مختلفة… مأخوذ من خزين بصري وفكري وثقافي. بتقديري، التوقف عن البحث هو موت الفنان فكرياً وإبداعياً، إذ لابد من وجود حركة دائمة في مشغل دائم البحث عن أصناف وأشكال ورؤى جديدة.
■ كنت من أوائل الذين اشتغلوا على الحرب ما بعد عام 2003، فرسمت عملك الشهير حول المقابر الجماعية… هل تعتقد أن على الفنان أن يشتغل على اليوميات وهواجس المحيطين به في ظل دعوة بعض المدارس الفنية إلى فكرة الفن للفن؟
□ الشعور بحرارة المحيط ولون الرصيف وأضواء الشوارع والحدث الاجتماعي والسياسي، وما يلقي بظلاله على حياتنا اليومية. كل الضغوط بتنوع أشكالها هي الطاقة الحقيقية والمحرك لأفكار الفنان وتوجهاته، لصنع مشاغله الجديدة ومباحثه استجابة لمعطيات الأحداث وموقفه منها، حتى في طريقة معالجتها وشكل تجربته الجديدة.
كانت التسعينيات سنوات ضغط هائلة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في العراق. وما حدث في تلك الفترة من أحداث دموية تركت في ذات الفرد العراقي شرخاً عميقاً، ما زال يحمله في طيات عمقه الإنساني خزيناً هائلاً لصور مفزعة ومؤلمة… هذا الخزين الصوري الدموي تحول إلى فعل تشكيلي من خلال تجربة انتظمت في مخيلتي ودارت خطوط مشغلاتها وفقاً لرؤية معينة ممزوجة مع هذا الخزين الهائل المرعب لصورة الموت والدم والجوع، حتى تمخضت عنها لوحات معرضي الأول عام 2004 عن موضوعة المقابر الجماعية. ربما كان المعرض هو المعادل الإيجابي لما انتظم في مخيلتي من صور الموت التي رأيتها (نظاماً سلبياً).. هكذا يبدو لي الأمر.. فإن مشاهدة الزهور أو عاشقين في حديقة له وقع، ومشاهدة الموت والدم والخراب له وقع آخر، لكن كلا المشهدين يفعل تشغيل محركات الفكر وفق رؤى تتمازج مع الحضور الصوري المخزون لتأسيس مقترحات جمالية مدعومة بثقافة الفنان لكيفية تركيب أشكاله ولونها وبناء هياكلها وتنظيم تصميمها في العمل الفني.
■ ما الأسس التي تبني عليها فضاء لوحاتك؟ وكيف تتمكن من جمع المتناقضات التي نعيشها لإنتاج عمل يدعو للجمال؟
□ اللوحة هي عالمي الذي أقترح به ما أراه. هناك من سألني لماذا تضع هذا الفراغ الكبير أمام دراجاتك الهوائية التي ترسمها! في بداية الأمر كنت مشوشاً في الإجابة! لكنني في النهاية فهمت بأني لم أكن أقصد رسم الدراجة الهوائية بقدر ما أرسم سرعة الدراجة، كنت أرسم سرعتها وانفلاقها في هذا الفراغ الكبير.. إنني أرسم سرعة الدراجات وأرسم هذا الإحساس بالمتعة والنشوة الكبيرة في لحظة. كما يبدو، أن التكوينات وتصميمها في العمل الفني تأتي من رؤية ممتزجة بالخبرة والثقافة وخزين الصور الدافع للمخيلة، وأقصد بالخبرة هنا معرفة المادة التي يختارها الفنان لتنفيذ عمله بها ومعرفة ما يمكن لتلك المادة أن تعطيه من مساحة لخلق الطاقة التعبيرية التي يريدها الفنان للعمل. إن استخدام الكولاجات يعطيك شيئاً، واستخدام الأحبار والأكريليك يعطي شيئاً أخر.
■ صرحت بأن معرضك القادم سيكون بعنوان «بغداد حبيبتي»، ما الذي تريده من بغداد؟ وهل تستطيع أن تعيد الجمال الذي فقدناه من خلال معرض تشكيلي؟
□ بغداد هي حلمنا الجميل الذي نتنفس حبه ونحن نراها تغفو على شواطئ دجلة بنخيلها وحمامها. تلك الصورة التي رسمها معلمنا الكبير الجواهري، وهي الصورة ذاتها التي لامست قلوبنا وعقولنا ولمدة أجيال حتى هذه اللحظة. كما علمنا معلمنا الفنان الكبير، جواد سليم برائعته نصب الحرية، حب بغداد وشناشيلها ودروبها وحدائقها, ولأجيال طويلة، هذا النوع العظيم من الحب الذي نتعلمه كل يوم حين نرى دجلة وجسورها، فنتذكر قصيدة الجواهري «حييت سفحك من بعد فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين», ويزداد حبنا كل ساعة نمر بها من تحت نصب الحرية العظيم، ونحن نرى تأريخنا وإرادة شعبنا وما أنجبت هذه الأرض من فكر وحضارة وإرادة، على الرغم من تأريخ بغداد المليء بالعثرات والكبوات التي تخلقها الاحتلالات والغزوات تارة، أو رجال المصالح والأحزاب والطوائف تارة أخرى، وكل أوجه الموت والدم والجوع التي أوجدتها تلك الفئات السوداوية الظالمة… إلا أن الجواهري وجواد سليم كانا يريان الوجه الآخر لبغداد، الوجه الجميل والإنساني، المشرق الحالم، كانا يريان بغداد من خلال دجلة وحماماتها التي تلوذ في جرفها، دجلة الممتدة عبر كل العصور، جميلة بهية لم تتأثر ولم تتغير بما حدث من حروب. كانا يريان ما صنعت من حضارة وفكر وما أنجز على أرضها. ما أريد قوله في هذه المرحلة, أنني أبحث عن وجه بغداد الجميل، أحاول أن أرسم وجه بغداد الحالم الذي يخرج من الرماد ليدير عجلات الزمن وتنطلق على أفق الزمان، تتحول إلى ملاك يطير بإرادة صلبة قوية وبقدمها الثابتة الكبيرة.. وطبعاً، أنا حالم مثل الجواهري وجواد سليم، غير أنني لا يمكن أن أغير ما على الأرض بسرعة، لكن حلمي هذا قد يعلّم الآخرين ولو بعد حين… لقد حققت مجموعة من أعمالي بهذا الخصوص تهيئة لمعرضي الشخصي الثالث، لكنني لم أتمكن من إكماله حتى الآن.
■ طرأ على الأدب والثقافة في العراقي تحول واضح ما قبل وما بعد التغيير، من اختلاف في الموضوعات والأساليب والرؤى التي حاول الأدباء الاشتغال عليها… هل يمكن تلمس ذلك في الفن التشكيلي؟ وما الذي حدث وكان يحدث في الحركة التشكيلية العراقية؟
□ الإيقاع هو إيقاع واحد، سواء في الأدب والشعر أو الموسيقى والتشكيل وبقية الفنون، وهذه الفنون تتغير مع الوضع الاجتماعي والسياسي، حالها حال ميادين الحياة جميعها. كما أنني أعتقد أن ذلك حالة طبيعية، ولكن في العراق كل شيء مختلف، فإنك ترى تشظيا واضحا في الفكر والآراء، والنتيجة لا يمكن حصر الجواب عن هذا السؤال بشكل واضح.. التشكيل العراقي تغير؟ نعم ولكنه لم يأخذ شكل الجسد الواضح، هناك تجارب تمت داخل البلد وأخرى خارج البلد، هناك تجارب مهمة جداً صارت واضحة بالعالم، وهناك تجارب ما زالت بائسة وبقيت كما في بدايتها من دون تطور، إذ لم يكن هناك تتابع واضح في خطى الحركة التشكيلية، ويتضح هذا أكثر في الميادين الأخرى.
■ يلاحظ في الآونة الأخيرة اقتراب الفن التشكيلي العراقي من السير بخطوط واحدة، تشابه الأعمال التشكيلية، والموتيفات التي نادراً ما يتفرد بها فنان… كيف يمكن قراءة هذه الظاهرة؟ ولِمَ تعزوها في ظل الانفتاح الذي يمكن للفنان أن يستفيد منه؟
□ يبدو لي أن للتطور التكنولوجي مشاكله التي ألقت بظلالها على التشكيل العراقي أيضاً… وبسبب هذا العرض الهائل لصور الأعمال العالمية باختلاف أنواعها وأساليبها صار واحداً من المشاكل الكبيرة التي أوقعت الكثير من الفنانين؛ ليس في العراق فقط وإنما في العالم كله، في مشكلة التقارب بالتجربة، إذا لم يكن بنقل التجربة الفنية بشكلها وروحها.. حقيقة هي مشكلة عصرية تطرأ على التشكيل العراقي.. لا ننكر بأن يكون هناك فرق بين التناص مع تجربة ما وبين النقل الحرفي للتجربة، فهناك الكثير من التجارب الفنية المهمة لفنانين تشكيليين عراقيين، قد تكون متناصة بدرجة ما مع أعمال أخرى لكن تلك التجارب خارجه بمفاهيمها ورؤاها ومفرداتها.. ولكن في تجارب أخرى هناك نقل حرفي وتشابه كبير لا يقبل الشك.. وهذا ما يتحمله الفنان نفسه.
■ على الرغم من التسويق الذي عرف به العراقيون ما قبل عام 2003 لأعمالهم، وبيعها في أهم المزادات والقاعات الفنية في العالم، غير أن هناك تراجعاً واضحاً في هذا السوق خلال العشر سنوات الماضية، ما الذي حدث؟ وما الذي يجعل الفنانين يهاجرون بأعمالهم في سبيل تسويقها خارج العراق؟ وكيف يعيش الفنان العراقي في الداخل في ظل هذه الأوضاع؟
□ هناك مشكله اقتصادية عالمية حدثت أثرت في الاقتصاد العالمي عموماً، ساهمت بشكل كبير بعزوف المقتنين عن شراء اللوحات الفنية في العالم بشكل عام.. هذا بالإضافة إلى المشاكل الدائرة في سوريا والعراق، التي ضعضعت أسواق التعامل مع الأعمال الفنية في عمان ولبنان وسوريا والعراق وبالتالي الخليج، هذا سبب مهم، ولكن هناك سبب آخر هو المتلقي للعمل الفني والمهتم به، كان في بغداد عدد كبير من قاعات العرض للأعمال الفنية، وكان الاهتمام بهذا الجانب كبيراً من قبل الكثير من الفئات الاجتماعية، وكان هناك من يقتني العمل الفني، ولكن بغداد اليوم فقدت تلك الفئات الاجتماعية المهتمة بالفن عموماً بسبب ظروفها المعروفة، وخلفت مكانها طبقات اجتماعية أخرى غير مهتمة ولا تسعى لاقتناء الفن على الرغم من ثرائها الفاحش، لأنها بعيده عن ذلك بسبب البيئة التربوية الخاطئة.. وذلك سبب اجتماعي بحت، إذ غيرت اهتمامات المجتمع المدنية وحولتها إلى اهتمامات دينية غيرت من تعامله مع النتاج الفني.
■ قبل أشهر حاولت مع مجموعة من الفنانين تزيين بغداد بالألوان، من خلال نشر لوحات تشكيلية في شوارع وساحات بغداد.. كيف كانت الفكرة؟ ولماذا لم تتمكنوا من تنفيذ سوى معرض واحد داخل قاعة واحدة بعيداً عن الخروج للناس بأعمالكم؟
□ كانت تجربة قمنا بها لتغيير لون الشوارع والأرصفة الخانقة، وكانت هي عبارة عن معارض في الشوارع وتلك التجربة مورست في العالم من قبل وليس جديدة، وقد أطلق على هذه التجربة اسم الفن البيئي، وهو من فنون المدن. فكرنا بهذا في بغداد لإلغاء لون الحواجز الكونكريتية الخانقة في معظم شوارع المدينة، تلك الحواجز التي ألغت ذاكرتنا عن الشوارع والبنايات، وألغت الأفق في المدينة. كانت تجربة جميلة، إلا أن كل شيء متغير في بغداد، فلم تبق الحواجز الكونكريتية في مكانها، بل ترفع كل يوم لتوضع في مكان آخر، وهكذا لا يمكن أن نحصل على جدران ثابتة لرسم لوحاتنا عليها، وإذا رسمنا على مجموعة حواجز كونكريتية تشكل جداراً في منطقة ما، فستنقل بعد فترة لمكان آخر، ولكن ليس كما كانت عليه بالسابق، بل تنقل القطع كلا على انفراد، وكل قطعة ستكون في مكان آخر بعيدة عن قطعتها المجاورة التي كانت في الجدار..
■ بعد عدة معارض شخصية ومشاركات جماعية، ما التحولات التي طرأت على لوحة محمد مسير الجديدة؟ وما الذي سيقدمه في المدة المقبلة؟
□ ما زلت الحياة مستمرة، كذلك البحث عن الجديد ما زال مستمراً. المختبرات التي خضتها ممتدة ومرتبطة بشكل متواتر ومعطياتها تكون محفزة للخوض في مشاغل أخرى جديدة دائماً. آخر ما عملته هو لوحتي التي سميتها «بغداد حبيبتي» وهي بقياس 8م في 160سم، والتي من المؤمل عرضها ضمن معرض مشترك لعشرة فنانين في جمعية الفنون الجميلة، وهي تجربة رائعة وعرض مختلف، حيث ستكون الأعمال بأحجام كبيرة. أما مشروع معرضي الشخصي الجديد فهو ما زال قائماً، كما أفكر بطرح جديد سيكون بهذا المعرض.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية