غنائية «نوتردام دو باري»: أحدب فيكتور هوغو والسرد الموسيقي

على العكس من رواية «البؤساء» التي تحولت إلى غنائية كبرى، انطلقت منذ عام 1980 لتحقق شهرة عالمية هائلة بلغة غير لغتها، حيث يغني أبطال الثورة الفرنسية والشعب المقهور باللغة الإنكليزية. كان لرواية «نوتردام دو باري» أو «أحدب نوتردام» الحظ في أن تنطلق بلغتها الأصلية، اللغة الفرنسية، لتحقق هي الأخرى شهرة عالمية واسعة منذ عام 1998. وكان فريق العمل الأصلي، الذي قدم هذه الغنائية على خشبة المسرح في سنواتها الأولى، من أهم أسرار نجاحها العظيم، والدليل على هذا، هو ضعف المستوى الفني الذي ظهر بعد ذلك في النسخ اللاحقة، التي اعتمدت على مجموعات أخرى من الأصوات، تتغنى بالكلمات ذاتها على وقع الألحان الأصلية، دون أي تغيير أو مساس بهيكل العمل وأسسه، ورغم ذلك هبطت الجودة وانخفضت درجة الإتقان إلى حد كبير، وبات الإقناع صعباً.
وإلى اليوم لا تزال إسميرالدا هي (هيلين سيغارا) وفيبوس هو (باتريك فيوري) وغرينغوار هو (برونو بيلتييه) وفرولو هو (دانييل لافوا). كما لم تنجح محاولة تقديم نسخة إنكليزية من هذا العمل، عن طريق غناء كلمات مكتوبة باللغة الإنكليزية بمصاحبة الألحان نفسها، وبدت اللغة ثقيلة بصورة واضحة، وغير متناغمة مع الموسيقى، وهكذا ظلت المتعة مقترنة بغنائية «نوتردام دو باري» الأصلية، بلغتها الفرنسية وفي نسختها الأولى.
تخرج شخصيات فيكتور هوغو من بين صفحات روايته، لتغني وترقص على خشبة المسرح، وتئن وتتألم وتطالب بحقها في الحب والحياة العادلة. وهوغو كروائي يكاد يجعل القارئ يوقن بأن شخصياته تلك عاشت بالفعل، وذاقت كل هذه المعاناة، وأن قبورها موجودة في مكان ما. كما أنه يخلق في النفوس أعظم التعاطف مع المظلومين والمشوهين والضعفاء. فقد شهد الكاتب الفرنسي فترة مهمة من حياته، أثرت في أفكاره وتوجهاته السياسية، وأكسبته البصيرة وأكملت لديه الوعي، وجعلته يدرك الأسباب الرئيسية وراء الواقع المزري الذي كان سائداً في زمنه. وكان هوغو مؤمناً إيماناً راسخاً بأهمية التغيير، وضرورة القضاء على الظلم إلى الأبد، وتحقيق العدالة الإنسانية، وانتشال الشعب الفرنسي من أوحال الجهل والفقر والمرض التي كان غارقاً فيها.

عدو الدولة

ومن أجل هذه الأفكار والمعتقدات، تحول هوغو يوماً من كاتب شهير مرموق، ثري أنيق الملبس يعيش في منزل فخم، ويتخذ من الملوك والأمراء والنبلاء أصدقاء له، إلى ثائر مطارد ينام على الأرض، وتمتلئ الشوارع والجدران بصورته المكتوب عليها «فيكتور هوغو عدو الدولة». وقد جعلته يقظته الفكرية يدرك أن الثورة لم تكن مصادفة، أو مجرد حادث، وإنما كانت ضرورة، لذا كان من أشد المؤمنين بها، ورفض انقلاب لويس بونابرت، الذي طلب منه شخصياً الدعم والمساندة، لكن هوغو انحاز للشعب البائس واختار أن يبتئس معه، وأن يدافع عن قيم الحرية والديمقراطية، والمواطنة والمساواة، وحقوق الإنسان بملفاتها المتعددة، كإلغاء عقوبة الإعدام، وعمالة الأطفال، وحقوق المرأة. ولهذا تعد روايات هذا الكاتب العظيم من أكثر الروايات وصولاً إلى الناس، في مختلف الثقافات والأزمنة والأمكنة. وهو من الكتاب الأكثر إلهاماً للموسيقى، تغنى أشعاره، وتغنى رواياته أيضاً، التي تمنح الموسيقى كماً هائلاً من الثراء والمشاعر والأفكار العميقة، لكنها سلسة الفهم في الوقت نفسه، عندما تتحول إلى غنائيات كبرى مثل غنائية البؤساء، وغنائية نوتردام دو باري.
في ما يزيد قليلاً عن الساعتين، ومن خلال الموسيقى والغناء فقط بلا أي حوار درامي، يتم سرد رواية «نوتردام دو باري» موسيقياً، بألحان ألفها ريكاردو كوتشانتي، وكلمات كتبها لوك بلاموندون، معتمداً على نص فيكتور هوغو، ومستلهماً للكثير من عباراته وكلماته البارزة، التي تحمل روح الرواية وتنقلها إلى الغنائية بشكل كبير، وتغمر المتلقي بفيض من أجوائها. وينتقل المتلقي سمعياً وبصرياً من أغنية إلى أخرى، وكل منها يسرد جزءاً من الرواية، ويقدم إحدى شخصياتها ويعرّف بمأساتها، ويوضح أكثر من عقدة درامية تقوم عليها الرواية. وكذلك تنقل معاناة الجموع من الغجر، التي يعبر عنها ملك الشحاتين، بأغنيات حماسية إيقاعية، يصاحبها رقص احترافي مذهل، من حيث القوة والسرعة وأداء الحركات الصعبة، بواسطة مجموعة كبيرة من الراقصين والراقصات.
كان المغني الكندي غارو هو الأقدر على لعب دور كازيمودو الأحدب، نظراً لطبيعة صوته الرخيم والخشن إلى حد ما، ولما لم يكن هناك أي مجال للحوار التمثيلي، كان المغني يعتمد في تمثيله للشخصية إلى جانب الغناء، على الأداء الحركي والتعبيرات الجسدية، بالإضافة إلى الكثير من تعبيرات الوجه، التي كانت في أغلبها تعبر عن الضعف والخوف، والمعاناة والحب المكلوم، والإشفاق على حبيبته إسميرالدا. وكانت تعبيرات وجهه حزينة تكاد تكون باكية طوال الوقت، وكان غارو يحمل حدبة كبيرة فوق ظهره تغطيها الملابس الثقيلة، ويعتمد على الكثير من الماكياج المسرحي، الذي يبرز ملامح الشخصية الروائية ويرسمها رسماً أمام المتفرج. كما كان يلتزم حركة مائلة دائماً، وانحناء جسديا أثناء المشي والوقوف والجلوس على الأرض، أو فوق أحد المجسمات المتقنة لبعض معالم الكاتدرائية، التي كانت تتحرك على المسرح بتقنيات حديثة في ذلك الوقت.

الموت في حضرة إسميرالدا

وغارو هو الذي يختتم الغنائية بصوته، الذي يعلو متألماً مجروحاً، بل مطعوناً مقتولاً، بعد أن أعدمت حبيبته إسميرالدا شنقاً أمام عينيه، فجن تماماً وقتل القسيس فرولو، وذهب ليحتضن جثة حبيبته الملقاة على الأرض، ويتغنى بإسميرالدته، ويطلب منها أن تعود إلى الحياة، وأن تغني وترقص قليلاً من أجله، كما يغني بعض كلمات هوغو، وكأنه يروي المستقبل، عندما سيموت إلى جوار إسميرالدا، وسيتم العثور على عظامه تحتضن عظامها. وتعد أغنيات الأحدب هي الأكثر حزناً ودرامية، فهو يعبر من خلال هذه الأغنيات عن مشاعره، وواقعه وما كتب عليه أن يعيشه في هذه الدنيا، فتصف إحدى الأغنيات ما يتعرض له من سخرية وأذى، ومعاملة غير آدمية واستهانة بكرامته، كأنه مخلوق بلا حس أو مشاعر، ويعبر كذلك عن رؤيته لهذا الكون وكم هو غير عادل.

لم تبتعد أغنيات القسيس فرولو عن اللون الكلاسيكي في الأداء أيضاَ، وإن كان بصورة مختلفة تلائم شخصيته وما يغنيه من كلمات. فهو يجسد الشر والحقد على الجمال، وإن كان في داخله ذلك الشخص المحروم الذي يحتاج إلى أن يعيش الحب للحظة واحدة فقط في حياته، لكنه يسعى إلى الحصول على ما يحتاج إليه بمنتهى القسوة والإيذاء لإسميرالدا.

وفي الجزء الأول من أغنية «جميلة» التي قد تكون أشهر أغنيات العمل ككل، والأكثر انطلاقاً خارجه، حيث يعيد غناءها العديد من النجوم، يعبر كازيمودو عن حبه لإسميرالدا، وما يحمله في قلبه من مشاعر عميقة وصادقة تجاهها، وإلى أي مدى تأثر بعطفها وحنوها عليه، الذي أظهرته من خلال فعل بسيط كتقديم شربة ماء إليه. ومن أجمل ما يغنيه أيضاً أغنية «الأجراس» حيث يصف علاقته بكل جرس من الأجراس الثلاثة، ومتى يقرعه والدلالات المرتبطة بصوته، ومشاعره هو تجاه أفراح الآخرين وأحزانهم.
يبدو فيكتور هوغو كمن قدم خدمة للإنسانية عندما أبدع شخصية الأحدب، وجعله عاشقاً من العشاق، يتمنى البعض لو عشقته إسميرالدا، ونجت من الموت الذي ألحقه بها حبها لفيبوس، وحب القسيس لها. وانخداعها بالمظاهر المزيفة والجمال الكاذب، وما فعله هوغو هو العكس من السائد لدى بعض الثقافات في حكاياتها الخرافية التقليدية، التي تثير الخوف لدى الأطفال من المشوهين الضعفاء، الذين لا ذنب لهم ولم يرتكبوا أي جريمة، ولم يسببوا الأذى لأحد، وقد أشار إلى هذه الفكرة قديماً بعض الكتاب، كأحمد حسن الزيات وعزيز أحمد فهمي، وقارن كل منهم بين خلق التعاطف مع الأحدب في رواية فيكتور هوغو، وحكاية «أبو رجل مسلوخة» في الثقافة المصرية، الذي يتم استخدامه لتخويف الأطفال وبث الفزع في نفوسهم، بدلا من تعليمهم الإشفاق عليه وتقبله، ورفض من سبب له هذا الأذى وقام بتشويه ساقه، وقد اقترح الزيات تقديم هذه الحكاية مسرحياً بمعالجة مختلفة تثير العطف على هذه الشخصية وإلغاء الخوف منها.

الأداء الكلاسيكي

كانت الموسيقى في هذا العمل حديثة وكلاسيكية في الوقت نفسه، وهي من التجارب الموسيقية المتميزة للغاية، لأنها أتت من وحي الرواية وموسيقية السرد الأصلي. وكذلك كانت متنوعة بشدة، في إيقاعاتها وثيماتها الكثيرة، والمؤثرات التي تطبعها بطابع معين. ويحتوي العمل على أغنيات تعد حديثة إلى اليوم، وأغنيات أخرى كلاسيكية، أعاد غناءها بعض نجوم الأوبرا، وكان المغني الكندي برونو بيلتييه مستحوذاً على قدر كبير من هذا النوع من الأغاني، فهو كان يلعب دور غرينغوار شاعر القصة، لذا كانت أغنياته تحتوي على الكثير من الخيال والمعاني والصور الشعرية، والتأملات الفكرية والثقافية أيضاً، التي تظهر عندما يغني عن الكاتدرائية والقمر وفلورنسا وباريس. وكانت أغنياته تتطلب نوعاً من الأداء الصعب، واستخدام طبقات الصوت المرتفعة والمدى الواسع للتنفس، ومد الحرف الواحد وتنغيمه، وقد اعتمد كثيراً على هذه الجمالية في الغناء. أما إسميرالدا فكانت موسيقى أغنياتها جاذبة للغاية، سواء بتأثيراتها الإسبانية الأندلسية، الراقصة والمليئة بالحياة والإيقاعات اللطيفة، أو في اللون الكلاسيكي كأغنية «آفي ماريا» التي تناجي فيها السيدة العذراء وتطلب رعايتها، والأغنيات الأخرى التي تعبر فيها عن حبها لفيبوس، ومغازلتها له، وكذلك عن خوفها من الموت قبل أن تنعم بالحب.
ولم تبتعد أغنيات القسيس فرولو عن اللون الكلاسيكي في الأداء أيضاَ، وإن كان بصورة مختلفة تلائم شخصيته وما يغنيه من كلمات. فهو يجسد الشر والحقد على الجمال، وإن كان في داخله ذلك الشخص المحروم الذي يحتاج إلى أن يعيش الحب للحظة واحدة فقط في حياته، لكنه يسعى إلى الحصول على ما يحتاج إليه بمنتهى القسوة والإيذاء لإسميرالدا، التي وقع في غرامها حين رآها ترقص يوماً، وعندما رفضت حبه، قرر ألا يسمح لها بالرقص مجدداً، وأبى إلا أن يتركها جثة هامدة، ولم يتردد في إعدامها شنقاً جزاء على جريمة لم ترتكبها. يغني القسيس بأداء كلاسيكي، والمغني دانييل لافوا الذي لعب دوره، صوته من أقوى الأصوات في العمل، وأوسعها مدى ووصولاً إلى النقاط المرتفعة، ويعبر من خلال الغناء عن مشاعر الكبت والحرمان من الحب الذي لم يعرفه أبداً. وعن تردده بين حبه لله وحبه لإسميرالدا، وخوفه من تلك الفتاة التي ستدمره وستقضي عليه، واعترافه بحبه لها الذي لا يختلف عن الكراهية، وتهديده لها، وتخييرها بين الموت واستسلامها لحبه المخيف. ومن أقوى ما يغنيه فرولو هي تلك الصرخة المدوية المرعبة، التي وصفها هوغو في روايته، عندما يقول لإسميرالدا «أحبك» تلك الكلمة الناعمة الجميلة الرقيقة، تخرج من فمه طويلة ممتدة صارخة، تحمل الشؤم والخطر وكل معاني الشر.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية