ثورة الحريري: مقاماته في بعدها الاجتماعي وامتدادها الأوروبي

ظل النقاد العرب الذين تناولوا بالدرس والتحليل، أو مجرد الشرح لمقامات الحريري يحتفون بالجانب اللغوي والبلاغي البحت، فهي بحق مدونة لغوية تحتوي شوارد العربية وألفاظها الفصيحة، التي شكلت المخزون اللغوي للشعر القديم، ناهيك من فرائدها الأدبية واستعاراتها البليغة وأمثالها وفرائد النحو والبيان، إنها باختصار ديوان شامل للأدب والثقافة العربية الكلاسيكية في عنفوانها، ولهذا احتفي بها وظلت تدرس في حلق الجوامع والمعاهد الأدبية، وإذا كان ابن خلدون يقول (إن أصول هذا الفن – أي الأدب – وأركانه أربعة دواوين وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي وما سوى هذه الأربعة فتابع لها وفروع عنها).
هذه الكتب أو الدواوين كما سماها ابن خلدون وشيوخه، غدت أركان الأدب وأصوله، ينبغي على كل ناشئة متأدب أن يلم بها درسا واستظهارا لتستقيم له الملكة الأدبية، فإن مقامات الهمذاني أخذت الاحتفاء نفسه وغدت أصلا للبيان وللإنشاء العربي، ينبغي على كل متأدب سائر في طريق الكتابة أن يلم بها درسا وفهما وربما حفظا.
ابتكر بديع الزمان الهمذاني (969 /1007) شخصية من الطبقات الدنيا في مقاماته هي شخصية أبي الفتح الإسكندري ونحله جملة من الصفات كالاحتيال والمكر والاستهتار والانتهازية والدهاء والتكالب على الملذات – حتى المحرمة- لكنه في الوقت ذاته يملك من الذكاء والبداهة والحافظة ما يجعله مثار إعجاب من يستمع إلى مواعظه، فهو يحفظ القريض ويبتكره ويحفظ أمثال العرب وأراجيزهم وشوارد اللغة، ويعرف القرآن والحديث ويحسن الاستشهاد بهما وله قدرة بارعة على التمثيل وتمثل مختلف المواقف النفسية والشعورية، أي له القدرة على تشكيل بؤرة تجتمع عندها العيون والقلوب والعقول ولا تبارح مجالسها، سواء أكانت في الأسواق أم في المساجد، أم في البيوت، ودعم الهمذاني بطله هذا براوية هو عيسى بن هشام، وليس له من دور سوى دعم البطل في مغامراته وكشف خفايا تصرفاته وإظهار تناقضاته وألاعيبه، كأنه بقعة ضوء كاشفة للمستور.
هذا على المستوى المباشر والسطحي، لكن في العمق تعد المقامات نصا ووثيقة تاريخية وأدبية عن الحياة في زمن الهمذاني، على طبقية المجتمع حيث الكثرة الغالبة تكدح وتعيش في الحضيض، إنها كثرة مقموعة مكبوتة يتهددها سيف السلطان وحبسه، ويتعاورها الجوع والفقر، ولذا لجأ كثير من أفرادها إلى التسول واحترافه بمكر ودهاء، حين مسخت القيم في المجتمع وعرف هذا الفن بالكدية وتحدث عنه الجاحظ وصار للكدية أربابها من المتأدبين والظرفاء يتفننون في الاحتيال والمكر، ويعافون العمل لأنه غير مجز، وكل هذا عن طريق تمثيلية في شكل موعظة أو خطبة بليغة أو تمثل موقف إنساني.
وجاء الحريري (1054/1122) وقد رأى النجاح الذي حققه الهمذاني بمقاماته فكتب الخمسين مقامة جعل راويتها الحارث بن همام ونسب بطولتها لأبي زيد السروجي، لكنه تجاوز في المستوى الإبداعي والرؤيا الفنية أستاذه الهمذاني، فالبطل شخصية نامية عكس شخصية أبي الفتح الإسكندري، حيث بدأ في المقامة الأولى المسماة القريضية هرما، ثم نراه بعد ذلك شابا وكهلا في مقامات أخرى بلا نمو ولا تسلسل زمني، وهذا ما تفاداه الحريري الذي ظهر بطله شخصية نامية مارست أفانين الاحتيال والمكر والانتقام من المجتمع لتنتهي شخصية نادمة تائبة ترجو عفو ربها وكأن ما فعلته ضرورة ملعونة من ضرورات الزمن الذي لا يرحم المتأدب والنابغة. ثم كانت التوبة في المقامة الأخيرة «الحرامية» التي هي الأولى إنشاء في الأصل. يقول عبد الفتاح كيليطو في كتابه «في جو من الندم الفكري» (إن أحد الباحثين كتب قبل مدة أن مقامات الحريري كادت أن تكون رواية لو راعى مؤلفها ترتيبا زمنيا محكما، بحيث تكون مرتبطة وموصولة عضويا بعضها ببعض). لقد استلهم الحريري شخصية البطل من شخصية حقيقية هي شخصية الشاعر أبي دلف الخزرجي الينبوعي مسعر بن مهلهل، وكان معاصرا للبديع، ويبدو أنه كان ملهما لكليهما الهمذاني والحريري فقد ورد بعض شعره في مقامات الهمذاني:
ويحك هذا الزمان زور * فلا يغرنك الغرور
لا تلتزم حالة، لكن * در بالليالي كما تدور

هكذا إذن نعثر في تاريخ الوقائع على شخصية تاريخية حقيقية كانت ملهمة للهمذاني وللحريري وهي شخصية الشاعر أبي دلف، الذي تفاخر بالتسول والاحتيال ونقم على الزمان الذي بخسه حقه، والأيام التي لم توله جميلها مع فراداته ونبوغه وهي من ألجاته إلى الاحتيال والتسول والتمثيل.

يقول الناقد الأمريكي تيكنور (هدف المؤلف من تصويره هو هجاء كل طبقات المجتمع لعصره، ذلك أن المؤلف رآها من خلال هذه الشخصية مجردة من طلائها الزائف، فقد رآها من خلف الحواجز تلعب دورها على مسرح الحياة).

سمى الحريري أولى مقاماته بالحرامية، حيث تدور أحداثها في مسجد بني حرام وجعل البطل من سكان مدينة سروج قرب البصرة، ويحدثنا التاريخ عن التدمير والنهب الذي تعرضت له المدينتان سروج والبصرة عام 494 هجرية الموافق لـ1100 ميلادية من قبل الروم وتدهور أوضاع الناس المعيشية، وكأن الحريري يلتمس لبطله العذر في ما ذهب إليه البطل من طريقة في العيش، بعد الخراب الذي لحق بالمدينتين فوضع هذه المقالة الأخيرة لغاية، ونسب للبطل الشعر الذي يبرر به الفعلة:
ولما تعامي الدهر وهو أبو الورى * عن الرشد في أنحائه ومقاصـــده
تعاميت حتى قيل إني أخو عمى * ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده

والمقامات كذلك وثيقة تاريخية عن الغارة على البصرة وسروج من قبل الروم، وتدهور أوضاع الناس وعدم استقرار أوجه النشاط البشري فالتجارة تتعرض للغارات والصناعة قليلة الدخل، ما حدا بالبطل إلى الكدية والاحتيال.
أنا من ساكني سروج * ذوي الدين والهدى
فقضى الله أن يغير * مــا كان عودا
بوأ الروم أرضنا * بعد ضغن تولدا
وترى بي خصاصة* أتمنى لها الردى

يقول محمد غنيمي هلال (وأبو زيد ينتمي إلى الزمرة الدنيا في الشعب زمرة من يعيشون على كد غيرهم ويرى هو أن هؤلاء ذوو حق قائم على ما شرع للفقراء في أموال الأغنياء، لكنه يزعم لزمرته هذا الحق من حيث هي فئة تربطها بين أفرادها صلة يعتز بها هؤلاء الأفراد ووشيجة مهنية وحرفة مشروعة، وإن اعتمدت على الإلحاف والإسفاف). كما أن المقامات تفضح الدجالين من رجال الدين وتكشف ألاعيبهم من أجل الحصول على المال كما تسخر من رجال القضاء، أعوان الخليفة أو الأمير، الذين يحرصون على حماية مملكة الظلم والفساد:
لم يبق صاف ولا مصاف* ولا معين ولا معين
وفي المساوي بدا التساوي* فلا أمين ولا ثمين

يقول محمد غنيمي هلال (وفي حدود الإعجاب بلغة المقامات وصياغتها – لما أشرنا إليه من أسباب راجت هذه المقامات في الأدب العربي والآداب الإسلامية، والتزمت هذه الحدود ولم يطرد نموها بوصفها أدبا موضوعيا كأدب القصص والمسرحيات في الآداب الغربية، بل إنها انحرفت بعد الحريري إلى العناية بالصياغة وحدها، وبلغ التكلف في عباراتها أقصى مداه فضعف بذلك طابعها الموضوعي، وانطمست غايتها الخلقية، ولم يعد النموذج الإنساني فيها ذا معالم محددة وأبعاد نفسية أو اجتماعية). ولا شك في أن مقامات الحريري قد انتقلت إلى أوروبا عبر الأندلس، فقد تمت ترجمتها إلى العبرية من قبل الخريزي المتوفى في الثلث الأول من القرن الثالث عشر، وذلك للتدليل على منافسة العبرية للعربية في غناها وفي جرسها، وقد حاكمها سالومون بن زقبيل وهو من كتاب القرن الحادي عشر في إسبانيا، كما تأثر بها الأدب في الأندلس، وممن تاُثروا بها ابن القصير الفقيه وأبو طاهر محمد بن يوسف السرقسطي كما شرحها عقيل بن عطية المتوفى عام1211.
وبتأثير المقامات خاصة مقامات الحريري ظهرت قصص الشطار في الأدب الأوروبي ونموذجه في حياة لا ساريو دي تورمس يقول محمد غنيمي هلال (وتقوم القرائن التاريخية الأخرى على أن مقامات الحريري كانت مبعث إعجاب من كتاب إسبانيا جميعا من عبريين ومسيحيين وقد انتشرت في ما بينهم، بل يفهم من الإشارات التاريخية المختلفة أنها ترجمت إلى غير العبرية في تلك البلاد). ومن الكتاب الإسبان المتأثرين بمقامات الحريري جوان روبس رئيس أساقفة هيتا، الذي عاش في أواخر القرن الثالث عشر حتى أواسط القرن الرابع عشر الميلاديين وظهرت الآثار العربية في كتابه «الحب المحمود» حيث تختلط العناصر التعليمية بالغنائية بالذاتية، على أن تأثير المقامات يظهر جليا في «حياة لاساريو دي تورمس وحظوظه ومحنه» وهي مجهولة المؤلف وقد ظهرت طبعتها كاملة في 1554 وهي من قصص الشطار «البيكارسكا» وترى الأكاديمية الإسبانية أن لفظة picar تحتمل حياة الترحال والبيكارو شخصية خالعة العذار شيطانية هزلية تحيا حياة غير هنية ما يضطرها إلى الحيلة والنصب والانتهازية، تؤثر البطالة على العمل، ولا تستنكف من التسول والاحتيال للحصول على مال الغير، وهي صاحبة شطارة وذكاء وبديهة حاضرة تقدم المواعظ مثل أبي الفتح الإسكندري وأبي زيد السروجي، ما يعكس تأثيرا عربيا كان له صداه العميق في الآداب الأوروبية.
وقد استمرأ لاساريو مهنة الاستجداء وطاب بها خاطره، وعرف جميع حيلها وكان يخدم بها نفسه ويبقى على رمق سيده فهو ذا يقول «وهكذا أشربت حب هذه المهنة مع لبن أثداء أمي، وقد لقنني الأعمى وهو الأستاذ الكبير في هذه المهنة كل أسرارها وقد استخدمت في هذه الفرصة كل دروسه» ولا تخلو مغامراته من هجاء الدنيا والناس وطبقة النبلاء الصغار والتشفي بهم والانتقام كذلك تماما مثل بطلي الهمذاني والحريري موظفين رائق الشعر وبديع الكلام وجميل الوصف والمواعظ الجليلة.
يقول الناقد الأمريكي تيكنور (هدف المؤلف من تصويره هو هجاء كل طبقات المجتمع لعصره، ذلك أن المؤلف رآها من خلال هذه الشخصية مجردة من طلائها الزائف، فقد رآها من خلف الحواجز تلعب دورها على مسرح الحياة).
تفاعل ظاهر إذن بين الأدبين العربي والأوروبي من خلال الأدب الإسباني كوسيط عبر مقامات الحريري، التي كان لها الأثر الطيب في الأدب العربي، لكن للأسف لم تتم الاستفادة منها لخلق الأجناس الأدبية الأخرى كالقصة والرواية مع وجود البذرة الأولى في هذه المقامات.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية