إندبندنت: روسيا تفتح جبهة مواجهة ثانية مع الغرب في أفريقيا وتوسع نفوذها هناك

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

لندن- “القدس العربي”: تساءل الصحافي سايمون سيبكمان كوردال، في تقرير بصحيفة “إندبندنت” البريطانية عن سبب زيادة التأثير الروسي في أفريقيا، مشيرا إلى أن عددا من الأزمات خلقت تربة خصبة لموسكو كي توسع نفوذها.

ففي الوقت الذي يركز فيه العالم انتباهه على الغزو الوحشي الروسي لأوكرانيا، تتطور جبهة ثانية تهدد أمن الطاقة في أوروبا وربما حدت من التأثير الغربي العالمي. فعلى مدى عقد، تقوم روسيا عبر القوة الناعمة والعسكرية بتوسيع مجال تأثيرها في القارة الأفريقية، حيث بادلت موسكو الأمن بالمصادر، وقوّت من سيطرتها على العواصم في القارة. وأضاف أن أفريقيا، مثل بقية العالم، أصبحت أسيرة ارتفاع أسعار المعيشة وتزايد الفقر والتضخم إلى جانب زيادة توقعات السكان من حكوماتهم لحل كل هذه المشاكل التي لم تقدم إلا مجموعة من السياسات التي أثمرت نتائج مزيجة. كل هذا وسط تداعيات وباء كورونا الذي لا يزال يلاحق السكان وأجهدهم.

وأدت هذه الحزمة من المشاكل والأزمات إلى خلق تربة خصبة لروسيا كي توسع تأثيرها وتصدر أسلحتها وتقدم التدريب إلى جانب شركات التعهد الأمني الخاصة. ومنذ ضم شبه جزيرة القرم في 2014، نشرت روسيا مقاتلين تابعين لـ19 شركات تعهد أمني خاصة بما فيها شركة فاغنر في عدد من دول أفريقيا. كل هذا من أجل التنافس على مصادر القارة، التي هي أيضا من أكبر الأسواق نموا في العالم.

وتحقيق روسيا تقدما في أفريقيا أمر لا جدال فيه، فرغم تصويت عدد من دول القارة دعما لقرار الأمم المتحدة لشجب الغزو الروسي لأوكرانيا، امتنعت 17 دولة وعارضته إرتيريا. وتبدو أهمية القارة للغرب والعالم بشكل عام واضحة. ويؤهلها موقعها القريب من أوروبا لكي تلعب دورا على المسرح العالمي، فيما تعمل احتياطاته من المعادن والطاقة على تعزيز هذا الدور. وهيمن الغرب لفترة قصيرة على القارة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أن هذا النوع من الهيمنة لم يعد مفترضا.

وتستثمر اليوم الصين وتركيا وحتى إيران في مستقبل القارة الأفريقية. وتحاول كل دولة تحقيق ما يمكن تحقيقه في لعبة التكالب على القارة. إلا أن روسيا واعتمادها على تصدير السلاح والمتعهدين الأمنيين هي التي تقوم بخلق سوق للفوضى، ذلك أن شركات التعهد الخاصة تقدم للدول أي حل تريده. وهذا ليس جديدا، إلا أن الحرب في أوكرانيا ركزت الانتباه أكثر. وبالنسبة لأوروبا الباحثة عن طرق للتخلص من تبعيتها للطاقة الروسية، فإن أفريقيا يمكن أن تسهم بقدر كبير في مستقبل الطاقة للغرب، مع أنها لن تحل محل النفط والغاز من روسيا. وبالنسبة لاحتياط النفط والغاز المتثبت، فلدى أفريقيا ثروات هائلة منهما. إلا أن التأثير الروسي الدبلوماسي والعسكري في الدول الغنية بالطاقة في تزايد مستمر، ففي ليبيا الغنية بالنفط، عملت شركة فاغنر على تأكيد نفسها في البلد الذي يعاني من انقسامات وحرب أهلية كقوة حاسمة في ساحة المعركة المهشمة.

تستثمر اليوم الصين وتركيا وحتى إيران بمستقبل القارة. وتحاول كل دولة تحقيق ما يمكن تحقيقه في لعبة التكالب على القارة. إلا أن روسيا واعتمادها على تصدير السلاح والمتعهدين الأمنيين هي التي تقوم بخلق سوق للفوضى

وفي نيجيريا، مركز حيوي للطاقة، دخلت روسيا في عقد مع الحكومة لتدريب وتزويد الجيش بالأسلحة، بعدما خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق بسبب حقوق الإنسان. وفي مناطق أخرى مثل موزامبيق، دخلت شركة النفط الروسية “روسنفط” في اتفاق مع الحكومة عام 2018، موسعة من نطاق تأثيرها في مصر. ولن تتوقف طموحات روسيا عند هذا الحد. فهناك مخاطر من تأثر الإنجازات الديمقراطية بهذا التوسع الروسي.

ووصلت فاغنر إلى مالي عام 2021 من أجل العمل على ما يبدو إلى جانب القوات الفرنسية لمكافحة جماعات التمرد الإسلامي في المناطق الداخلية بالبلد. لكن القوات الفرنسية انسحبت الآن، وأصبح تركيز فاغنر الآن على تقوية النظام العسكري الحاكم إلى جانب محاربة المتمردين الإسلاميين. وبحسب تقارير أخيرة، فقد رافق مرتزقة فاغنر القوات المالية في عدة دوريات أدت إلى قتل مئات المدنيين. وهناك مخاطر من أن تؤدي هجمات فاغنر ضد المدنيين، مثل ما يقوم به المتمردون الإسلاميون إلى عنف في داخل مالي ودول الساحل الأخرى.

ورسم تقرير لمعهد توني بلير للتغير العالمي صورة قاتمة، ففي الوقت الذي تحد فيه المخاوف على حقوق الإنسان من تحركات أوروبا، إلا أن شركات التعهد الأمني ومعظمها مرتبطة بالكرملين لا تلقي بالا لهذا الموضوع. وقال بولاما بوكارتي، المحلل البارز في المركز: “بالنسبة للروس، فهذا ليس نقاشا سياسيا” فـ”هم يبيعون الأمن”، مشيرا إلى دور منصات التواصل الاجتماعي التي  يديرها الروس في تضخيم المزاعم ونظريات المؤامرة حول دور الغرب في المجازر التي ترتكبها القاعدة وتنظيم الدولة.

وفي الوقت الذي أجبرت فيه الحرب في أوكرانيا روسيا على إعادة نشر بعض من المتعهدين الأمنيين والمرتزقة على خطوط القتال في أوروبا، فهذا لا يعني حرف التركيز عن أفريقيا، و”أجبرت العقوبات التي فرضت على روسيا، بوتين للنظر إلى أفريقيا كجبهة ثانية من الحرب” كما يقول بوكارتي. ولأن الاهتمام متركز على المجازر في أوكرانيا، فلن يهتم أحد مثلا، بالمجازر في تيغراي، بشكل يفتح الباب أمام روسيا لتوسيع مجال تأثيرها. و”يعتمد الغرب في أفريقيا على الاستقرار لبناء علاقات تجارية وتوسيع العلاقات” كما يقول بوكارتي، أما روسيا فتنتعش عبر عدم الاستقرار و”المواجهة تبدو محتومة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية