شقشقة الفجر

حجم الخط
1

 

من فضائل رمضان أنه يتيح لعدد كبير من الصائمين أن يتذوقوا بعد السحور متعة فترة تفوتهم هم وأغلب الناس بقية العام لأنهم من حزب نوم الضحى، فيهم من يسهر اضطراراً لأنه من الكادحين، وفيهم من يسهر دلعاً لانه من عشاق الليل أعداء الشمس. إنها شقشقة الفجر، يا له من جمال، أعجب كيف يغفل كثير من الناس عنها، ليس إلا عندها يمتلئ القلب بأقصى ما يقدر عليه من الإحساس بعظمة الخالق، بروعة الكون، بالتشوف للطهر، بالانبهار بالجمال.
ومن العجيب أن القرآن الكريم منتبه لشقشقة الفجر، متيم بجمالها، أنه أقسم بالفجر «والفجر. وليال عشر»، ربط بينه وبين صدق النية وصفاء الروح: «إن قرآن الفجر كان مشهودا»، رسمه على لوحة مبهجة الألوان بخيط أبيض وخيط أسود، ما أعجب رعشة هذه اللحظة من الزمان.
الآن لا أشهد شقشقة الفجر مرّة إلا ردتني بقوّة إلى ذكريات طفولتي، دنياي حينئذ هي دنيا المسموعات لا المرئيات، بالليل أسمع دقة نبوت الخفير على الأرض فلا ينفع الأمن المراد لها أن توحي به إلا في إثارة مخاوفي من القوى الشريرة المبهمة التي تتربص بنا في الظلام، الجن والعفاريت والست المزيرة، والبغلة التي تصطنع الوداعة والود وتستدرجك لتركبها، فإذا تحامقت ونسيت المواعظ علت بك درجة حتى تبلغ عنان السماء فأنت في خطر أن تدوخ فتهوي إلى الأرض ويندق عنقك. ثم يشق الصمت صوت مرعب يخفق له قلبي خفوقاً مؤلماً، صوت البومة، أم قويق، ربيت على أنها نذير خراب وقرب هبوط ملاك الموت على الأرض، لا يعود للسماء إلا وفي جعبته روح إنسان. ادعو الله في سري ألا يكون المخطوفة روحه واحداً من أهلي، وكأني وثقت باستجابة دعائي، فأسأل: ترى أي الجيران سيقع عليه الدور؟ إنني أرثي له ولأهله حتى ولو كان بعد سابع جار.
وصوت البومة من طبقتين مختلفتين، بينهما فاصل، أولاً خافت يشبه الأنين في قلبي مع الحزن على الخوف، هذا والله البكاء بعينه، ثم فجأة صرخة قصيرة حادة قاسية متوحشة، لونها في أذني لون الدم، وكنت لا أعرف حينئذ أنها هي صرخة الانتصار حين تنقض على قنيصتها، ولكنها كانت تجعلني أحس إحساساً عميقاً مبهماً بأن العالم الذي أعيش فيه يسوده قانون صارم لا يرحم: قانون الافتراس، صراع بين القوي والضعيف، إما آكل أو مأكول، كنت أرتعب من أن أكون من المأكولين، وإنْ بقيت غير واثق كل الثقة أنني سأكون من الآكلين، كنت على غير علم مني أمتحن قدرتي، بين الوثوق والشك. لعل هذه اللحظة من التردد صحبتني فيما بعد طول عمري.
وحين كبرت وقرأت الشعر الإنجليزي هالني ـ نعم، أقول هالني فهذا أصدق وصف لحالي ـ أني وجدت صوت البومة عنده غير كريه، لا ينذر بخراب أو موت، يسلكه بين بقية أصوات الطير الأنيسة، ويرى فيها إحدى صلات الإنسان بأسرار الكون وجماله، فهتاف المخلوق للخالق، دعاء وتسبيح، كيف يمكن إذن أن يقوم تفاهم بيننا وبين الإنجليز؟
ولكن مهلاً مهلاً، كل هذه المخاوف ستزول، سيكون لها عوض جميل، سيأتي به الفجر، وستنقضي عنده الغمة، سيصل إلى سمعي صوت حلو مرّتين، مرّة لأنه بعيد، ومرّة لأنه يملأ قلبي بالفرح والخشوع معاً، إنه صوت المؤذن: الله اكبر الله أكبر. حينئذ أحس أنني في حوزة ربّ قدير ورحيم معاً، صوت المؤذن هو الذي يبدد عندي الظلام والمخاوف. وها هو ذا بشير آخر بالصبح، إنه صوت الديك. يؤذن لي هو أيضاً من على سطح قريب، كأنه يقول: إصح يا نايم.
صدّقني، لا أزال أذكر بوضوح صوت هذا الديك العجوز زميل طفولتي، صوت أجش كأن صاحبه من مدخني الجوزة. وكم كان يطربني الفرق بينه وبين أول آذان للديوك الصغيرة حين تبلغ أشدها وينبت طرف عرفها الأحمر، صوت رقيق ناعم لطفل يبدأ تعلّم الكلام، ويبلغ سمعي أحياناً صوت طائر نسميه بالسقساقة، هو بشير خير ينبئ عن قرب حضور ضيوف أعزاء، أقارب أو أغراب. وربما بلغني صوت طائر آخر كنت أراه يجمع بين الفكاهة والوقار، ولكن دون أن أصدّق فكاهته أو وقاره، وهذه هي مأساته، أنه صوت كاكأة الغراب .
رويت لك ذكريات طفولتي الملفوفة في قماط من عالم الأصوات، قصدت بها أيضاً أن أنبه الشباب عندنا إلى هواية جميلة منتشرة في البلاد المتحضرة، بل يتعشقها رجال وقورون في أعلى الدرجات من السلّم الاجتماعي. إنها تتيح لشبابنا التزود من العلم والانتباه لأسرار الخلق وجماله، فعند كل بلد متحضر هواية دراسة طيوره، مقيمها ومهاجرها، معرفة طبائعها وعاداتها في الطعام والعشق وتربية الاولاد، فرز اصواتها وأعشاشها وبيضها، تباين أحجامها وألوانها. لو فعلوا لوجدوا في هذه الهواية أكبر النفع واللذة معاً، أم تراهم ـ كما فعلوا في أشياء أخرى كثيرة ـ يتركون ذلك للأجانب النازلين بديارنا؟
«التعاون»، 10/12/1967

حامل القناديل

لقبوه بـ»قنديل الأدب المصري»، نسبة إلى عمله الشهير «قنديل أم هاشم»، 1940؛ لكنّ يحيى حقي (1905 ـ 1992) استحق، أيضاً، تنويعات أخرى على اللقب إياه، كأن يُقرّ له بموقع ريادي في القصة القصيرة، المصرية والعربية؛ وبمكانة رفيعة في تطوير النثر العربي، عبر المقالة والسرد معاً، وتطويع الجملة والمفردات والتراكيب، وإغناء المعجم بعناصر ثقافية وتصويرية بالغة الحيوية والطلاوة.
أما في الموضوعات، فإنّ ولادة حقي ونشأته في حيّ قاهري شعبي، على مبعدة خطوات من السيدة زينب؛ ثمّ عمله، طيلة سنوات، كوكيل للنيابة في الصعيد، واحتكاكه بفئات اجتماعية مصرية مختلفة، قد زوّدته بمعين ثرّ من الشخصيات والنماذج البشرية والحكايات، فقرأنا له روائع مثل «البوسطجي»، «أم العواجز»، «صحّ النوم»، «دماء وطين»، «عقرب أفندي»، «قصة في عرضحال»، «إفلاس خاطبة»، و»الفراش الشاغر».
كذلك كان عمله في السلك الدبلوماسي، في السعودية وتركيا وإيطاليا وفرنسا، قد أتاح له أن ينهل من ثقافات العالم، وأن يجرّب مزيجاً كتابياً يجمع بين «الحدوتة» الشعبية المصرية، وفنون الخبر والمقامة العربية، وتقنيات السرد الغربي.
وفي «خليها على الله»، سيرته الذاتية الوجيزة والبليغة، كتب حقي (في ما يشبه التلخيص النزيه لشخصه): «يكفيني أن تخرج هذه المذكرات كأنها نجوى تدور بيني وبين نفسي، ملتزماً فيها الصدق والصراحة والنفع، مهتماً بالعبرة لا بالتفاصيل. وعزائي أنني أستقبل وأشيع كل خطوة بابتسامة، ولو كانت الذكرى ممضة والكلام عنيفاً، فالابتسام وحده هو الذي يجعل طلب الصفح جميلاً، وبذل الصفح أجمل، ويقلب الماضي المرّ حلواً والحاضر الثقيل هيناً والمستقبل الملثم آمناً. إن كانت الابتسامة تنقلب أحياناً إلى سخرية، فلا بأس، فمن نفسي ـ وقبل أي إنسان آخر ـ قد سخرت، أسير في هذه المذكرات كما سرت في حياتي أفرد الشراع وأقول لزورقي والبحر المخوف أمامه: خليها على الله…».
ويبقى أن حقي مارس النقد الأدبي، وله تعليقات معمقة على الكثير من الأعمال الروائية والشعرية، بينها اختراقات كبرى حقاً (مثل مقدّمته البديعة لرباعيات صلاح جاهين، وتنظيره لوظائف وخصوصيات البيت الثالث في الرباعية). كما كان الراحل الكبير عاملاً ثقافياً دؤوباً ومتواضعاً ومنفتحاً على الجديد والشابّ، من خلال رئاسة تحرير «المجلة»، ورعاية جيل كامل من كتّاب الرواية والقصة القصيرة خلال ستينيات القرن الماضي.

نصّ: يحيى حقي

اشترك في قائمتنا البريدية