زواج القاصرات يشكل خطورة على حياتهن الرباط – «القدس العربي»:

حجم الخط
2

فتح انتحار طفلة مغربية قاصر متزوجة (تبلغ من العمر 16 سنة) في سنة 2012 الباب على مصراعيه لمسألة زواج القاصرات في بلد يحاول ضبط تشريعاته وقوانينه بين الشريعة الإسلامية وتطورات حقوق الإنسان على الصعيد العالمي والاهتمام المتزايد بمسألة حقوق الأطفال والمرأة.
الفتاة القاصر/ الزوجة أمينة الفيلالي وضعت حدا لحياتها، يوم 10 اذار/مارس، عن طريق تناول مادة سامة، بالقرب من مدينة العرايش/ شمال المغرب، داخل منزل عائلة زوجها الذي يكبرها بأزيد من 10 سنوات.
لم يعرف سبب الانتحار، فلقد ذهبت أمينة الفيلالي ومعها ذهب سر انتحارها، ومناهضو تزويج القاصرات ربطوا الحادث المأساوي بزواجها الذي جاء بعد اغتصابها من زوجها قبل زواجها.
وكانت عائلة الفتاة الفيلالي قد تقدمت، مطلع سنة 2011 بشكاية إلى الوكيل العام للملك (النائب العام) بطنجة تتهم فيها مصطفى. ف، باغتصاب ابنتها القاصر، التي لم يكن عمرها عندئذ يتجاوز 15 سنة، وبعد وساطة قام بها بعض معارف الأسرتين، تم التوصل إلى حل يقضي بتزويج الطفلة القاصر من مغتصبها، وذلك بموافقة قاضي الأسرة الذي أجاز زواج القاصر لدرء الضرر.
المنظمات النسائية والحقوقية وجدت في مأساة أمينة الفيلالي تعبيرا مكثفا عن شريحة من الأطفال تعاني انتهاكا جسيما لحقوقها ويتغطى هذا الانتهاك بالقانون الذي يتيح للجاني/المغتصب الإفلات من العقاب، إذا ما قبل الزواج بضحيته، من جهة
وحرمان شريحة مجتمعية من حقها في النمو الإنساني الطبيعي من جهة ثانية.
المطلب الأساسي للمنظمات النسائية والحقوقية كان فتح نقاش لتعديلات على القانون الجنائي فيما يتعلق بالاغتصاب ومدونة أحوال الأسرة فيما يتعلق بتزويج القاصرات، وهي ظاهرة منتشرة في المغرب خاصة في مناطقه النائية.
وينص الفصل 475 من القانون الجنائي على أن من اختطف أو غرر بقاصر، يقل سنها عن 18 سنة، بدون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس، أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى 5 سنوات، وبغرامة تتراوح من 200 إلى 500 درهم٬ أما إذا كانت القاصر التي اختطفت أو غرر بها٬ بالغة وتزوجت من اختطفها أو غرر بها، فإنه لا يمكن متابعته إلا بناءً على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج٬ ولا يجوز الحكم بمؤاخذته إلا بعد صدور حكم بهذا البطلان فعلاً.
وكانت تحقيقات وزارة العدل والحريات، أصدرت بيانا في حينه ذكرت فيه أن «النيابة العامة أمسكت عن تحريك المتابعة، رعياً لمصلحة القاصر، واستجابة لطلبها وطلبات والدها، والشخص الذي تزوج بها، في إطار ما ينص عليه القانون».
وقالت إن والد «الهالكة» تقدم بطلب لقاضي الزواج بالمحكمة الابتدائية بـ»العرائش»، الذي استدعى الأطراف بمن فيهم الفتاة القاصر، التي حضرت أمامه رفقة والديها خلال أربع جلسات٬ وأكدت رغبتها في الزواج «عن طيب خاطر» من المشكو بحقه، الذي عبر هو الآخر عن رغبته في الزواج منها، أي ان زواج أمينة الفيلالي كان «شرعيا وقانونيا» فان المحتجين حتى الآن يعتبرون ان اغتصاب قاصرة من «العنف المؤسساتي والقانوني والأسري»، وتطالب بتفعيل مقتضيات الدستور المتعلقة بحماية النساء٬ وتسريع تعديل الفصل 475 من القانون الجنائي، والمادتين 20 و21 من «مدونة الأسرة»٬ وإصدار قانون يجرم العنف ضد النساء.
وتطالب جمعيات حقوقية منذ سنوات طويلة الحكومة بالمبادرة للقيام بإصلاح شامل للقوانين الجنائية ذات الصلة بجرائم العنف ضد المرأة والاغتصاب إلى جانب التطبيق الكامل لاتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومنع كلي لزواج القاصرات.
وتنص المادة 20 من مدونة الأسرة، على أن «لقاضي الأسرة المكلف بالزواج٬ أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية (18 عاما) المنصوص عليه في المادة 19 من مدونة الأسرة٬ بمقرر معلل، يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك٬ بعد الاستماع لأبوي القاصر، أو نائبه الشرعي، والاستعانة بخبرة طبية، أو إجراء بحث اجتماعي». أي ان مصير الفتاة/ الطفلة يبقى رهن قرار والدها أو الوصي عليها.
وتكشف إحصاءات رسمية أعدتها وزارة العدل المغربية أن عدد القاصرين الذين سمح لهم القضاة بالزواج قد انتقل من 18 ألفًا و341 قاصرًا سنة 2004 إلى تزويج 31 ألف فتاة مغربية قاصر 2008 في مختلف المناطق، وبلغ عدد الفتيات القاصرات اللائي تم تزويجهن 29847 في حين وصلت إلى 39 ألفًا و31 قاصرًا سنة 2011 إلا انها تقلصت سنة 2013 حيثُ تم إبرام 35 ألفاً و152 عقد زواج ورفض قضاة الأسرة المكلفين بالسماح بزواج القاصرات 4 آلاف و899 طلبًا.
ويؤكد المناهضون لتزويج القاصرات إن هذه الظاهرة لا تزال متفشية في القرى النائية، وفي تزايد وما يزيد من خطورة الظاهرة انتشارها الواسع في البوادي، إذ تمثل نسبة القاصرات المتزوجات 70 في المئة من مجموع القاصرات، الأمر الذي يشكل خطورة على حيواتهن بسبب انعدام الخدمات الطبية، بحيث إن 80 في المئة منهن يحملن قبل سن 18 سنة، و54 في المئة منهن يلدن خارج المراقبة الطبية، مما يعرض حيواتهن للخطر، لا سيما أن أجسامهن لم يكتمل نموها بعد.
ومن الصعب الاطلاع والاحصاء الرسمي لجميع عمليات الزواج التي تتم في القرى النائية، ذلك لانتشار ظاهرة (الزواج بالفاتحة) أي زيجات بغير عقد شرعي أو وثائق قانونية، وهو ما يجعل زواج القاصرات يعرف ارتفاعا كبيرا في الفترة الأخيرة، مما فرض التفكير في معالجة الظاهرة وذلك بالبحث عن أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن المؤكد أن محاكم الأسرة تقوم بواجبها المهني تجاه طلبات زواج القاصر، إلا أن الظروف التي يتم فيها طلب الزواج غالبا ما تؤدي بالقضاة إلى الموافقة على الطلبات.
وحسب الأطباء فأن تزويج القاصرات يترك آثارا نفسية وجسدية عند الطفلات المتزوجات، كما ينطوي هذا الأمر على مخاطر نفسية وجسدية تهدد صحة أطفال الأمهات القاصرات. أما عن الجانب الصحي البدني للطفلة المتزوجة، فإن زواج الطفلة يتسبب في معاناتها من الحرمان العاطفي من حنان الوالدين، والحرمان من عيش مرحلة الطفولة، مما قد يؤدي إلى حدوث ارتداد لهذه المرحلة في صورة أمراض نفسية.
ويمكن للقانون أن يحد من كل هذه الآثار ويتغلب على العادات المترسخة لدى سكان بعض القرى، بتوفير برامج التوعية والتثقيف، عن طرق محاربة الأمية لتفسير مدى خطورة الزواج على الطفلات دون سن الزواج، أو غير المؤهلات بدنيا للمعاشرة الزوجية وما يترتب عنها من حمل ومسؤوليات. ويحرم الزواج المبكر الفتيان والفتيات من جل حقوقهم الإنسانية، كما أنه يؤدي إلى نتائج صحية واجتماعية خطيرة.
وذكرت دراسة اعدتها جمعية «أمان» لمكافحة العنف الجنسي ضد الأطفال أن النسب والأرقام المعلن عنها لا تعبر عن الوضع الحقيقي على أرض الواقع، باعتبار أن الكثير من الزيجات ما زالت تُبرم بالفاتحة، وتهم في بعض الأحيان فتيات أقل من 11 سنة.
وسجلت الدراسة التي أشرفت عليها لجنة ضمَّت مُمثلين عن وزارتي العدل والحريات والصحة إلى جانب الإدارة العامة للأمن الوطني والمجلس الوطني لحقوق الإنسان واليونيسيف أن الفتيات هن الأكثر من القاصرين تعرضاً للعنف الجنسي، موضحة أن 25 في المئة من المعرضين للعنف الجنسي من كلا الجنسين لا يتجاوزون ست سنوات، زيادة على 26 في المئة منهم ما بين 7 و12 سنة، و38 في المئة من المعنفين جنسياً يبلغ عمرهم ما بين 13 و18 سنة، في حين أن 11 في المئة منهم غير محدد. وإذا كان البرلمان قد حسم النقاش حول السماح بزواج القاصر من مغتصبها، بعد مصادقته على تعديل قانون الإجراءات الجنائية بما يجعله يمنع زواج القاصر من مختطفها أو المغرر بها، فإن الجدل بين المطالبين بإلغاء زواج القاصرين بصفة نهائية من التشريعات، وبين من يطالب بالسماح به وفق شروط محددة بشكل استثنائي، مازال متواصلا، خاصة وان هناك فئة اجتماعية ترفض منع زواج القاصرات بالقانون بمبررات دينية.
وسبق أن تقدم برلمانيون بمقترح قانون سنة 2012، من أجل الحد من سلطة القاضي لتزويج القاصرات، خصوصا البالغات سن 15 و14 و13 سنة وعدم السماح للقاضي بمنح إذن لزواج القاصر دون سن السادسة عشرة وتمت المصادقة عليه باللجنة المختصة يوم 22 كانون الثاني/ يناير 2013، وأحيل إلى مجلس النواب للمصادقة عليه حتى يصير قانونًا غير أنه تعثر، بعد أن أثار النقاش بين البرلمانيين، إذ أن هناك من يرى أنه يجب أن يمنع زواج القاصرين بصفة نهائية، بينما هناك آراء ترى أن يحدد سن زواج القاصر في 16 سنة على أن يعلل القاضي قراره ليوضح فيه الأسباب التي دفعته للإذن بزواج القاصر، مع مراعاة التقارب في السن بين الطرفين المعنيين بالزواج.
وأعاد وزير العدل والحريات المغربي ظاهرة تزويج القاصرات في بلاده إلى «العقلية الثقافية للمجتمع المغربي، التي تقتضي أن تنسجم معها المقتضيات القانونية حتى لا يلتجئ الناس إلى هذا النوع من الزواج، والذي ينتشر في صفوف الفئات الهشة التي تمتلك قناعات ووعيا اجتماعيا معينا على الرغم من أن هذه الظاهرة تأخذ منحى تنازليا».
وقال مصطفى الرميد يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني/ يناير 2015 أن من العوامل التي تساهم في استمرار الظاهرة وتناميها في المجتمع المغربي، يتمثل في «الظروف الهشة التي قد تعيش فيها الفتاة وغياب وعي اجتماعي بمخاطر الظاهرة».
وقال الرميد أن ظاهرة تزويج القاصرات، موجودة في مجتمعات أوروبية، مثل إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وفنلندا، التي تجيز زواج من هن دون 18 سنة بشروط معينة، مثلما هو الحال في المغرب، حيث تحدد المادة 19 من مدونة الأسرة سن 18 سنة لاكتمال الأهلية بالنسبة للفتى أو الفتاة للزواج، في حين تنص المادة 20 من المدونة على استثناء يمكن بموجبه للقاضي أن يأذن، وفق شروط معينة، بزواج من هن دون 18 سنة.
وأكد الوزير المغربي ان حكومة بلاده لا يمكنها أن تحل المشاكل المتعلقة بالظاهرة بشكل مباشر، وإنما من خلال مجموعة من التدابير والسياسات العمومية المندمجة فقط.
وأكد الرميد انه لا يمكن لأي جهة أن تعدل من تلقاء نفسـها مــدونة الأسرة التي كانت موضع توافق وطني والتي تـتضــمن مواد تبيح تزويج الفتيات دون 18 سنة.

محمود معروف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية