بيروت – «القدس العربي»: الأحد 15 شباط مرت سنة على عمر حكومة المصلحة الوطنية التي جيء بها كحكومة انتقالية لتأمين الظروف المناسبة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لكن الظروف السياسية والتعقيدات بين فريقي 8 و14 آذار حالت لغاية الآن دون التوافق على رئيس مع تمسك رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون بأحقية انتخابه انطلاقاً من تمثيله الشعبي الأول للمسيحيين ودعم حزب الله لترشيحه ومقاطعتهما معاً جلسات الانتخاب ما يحول دون اكتمال النصاب لإجراء الانتخابات الرئاسية.
أما الحكومة التي سُمّيت حكومة المصلحة الوطنية فتكاد تنفجر من الداخل بسبب الخلافات التي تعصف بين عدد من وزرائها وممارسة بعضهم حق الفيتو وتعطيل المراسيم، حيث يعتقد كل وزير أنه بات رئيس جمهورية قائما بذاته وبإمكانه التهديد بتوقيعه، وهذا ما شهدته أيضا الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء التي رفعها رئيس الحكومة تمام سلام تحسبا لانفجارها من الداخل في انعكاس للخلاف الكبير الذي يظلل الوضع السياسي حول عنوانين يختصران الصراع هما، رئاسة الجمهورية وتقاسم النفوذ في دولة من دون رأس. وفيما «كانت العاصفة منتظرة من بقايا» يوهان «إذا بها تهبّ من سرايا سلام» على حد تعبير البعض. ولتفادي الشلل الحكومي يتجه الرئيس سلام مدعوماً من رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تغيير آلية العمل في الحكومة المعمول بها في ظل الشغور الرئاسي والتي تقضي حالياً بتوقيع جميع الوزراء على المراسيم بعد انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، غير أن وزراء مسيحيين يعترضون على تغيير الآلية لعدم استسهال مسألة الفراغ الرئاسي.
ومن المتوقع أن يكون الاستحقاق الرئاسي البند الجديد في حوار تيار المستقبل وحزب الله حيث يحرص الطرفان على التأكيد أن البحث سيتناول أجواء الاستحقاق وظروف انجازه وليس هوية الرئيس. وكانت الذكرى العاشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري في البيال مناسبة للرئيس سعد الحريري للتطرق إلى الفراغ الرئاسي وتأثيراته على الوضع في لبنان، مشدداً على استكمال التشاور بين الكتل للتفاهم على مخرج لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بعدما أكد الحريري الابن أن من اغتال والده اغتال جسداً ولم يستطع إغتيال مشروع بناء البلد.
ويأتي بدء الحوار بين المستقبل وحزب الله حول الرئاسة تزامنا مع الجلسة الـ 19 لانتخاب الرئيس يوم الاربعاء وبعد إنهاء الموفد الفرنسي جان فرنسوا جيرو جولته الجديدة على القيادات اللبنانية وانتقاله إلى الفاتيكان للقاء البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. وقد قوّمت أوساط مسيحية نتائج زيارة جيرو إلى بيروت قائلة إنه كان صريحاً جداً في مقاربته للمخارج. فإلى العرض السريع الموحّد الذي قدّمه في بداية كلّ اللقاءات التي عقدها في بيروت شارحاً مبادرة الرئيس فرانسوا أولاند التي تلقى دعماً فاتيكانياً غيرَ محدود وقبولاً أمريكياً وإيرانياً وسعودياً لا يرقى إلى مدى الدعم الفاتيكاني، أشار إلى أنّ زياراته الأخيرة لطهران والرياض اصطدمَت بعروض سعودية وإيرانية متشدّدة في جوانب محدّدة من الاستحقاق الرئاسي لا يفكّكها ولا يعطّلها سوى تفاهم ماروني – ماروني.
وبحسب المعلومات الصحافية كان جيرو واضحاً عندما فصلَ بين اللغة الدبلوماسية التي ميّزَت مواقف المسؤولين السعوديين والإيرانيين وشدّدت على وحدة لبنان وسيادته واستقلاله والحفاظ على تركيبته الحاليّة الفريدة في المنطقة من جهة، وبين ما تريده الدولتان لمستقبل لبنان من جهة أخرى .وأنّهما على رغم الخلافات الواضحة في رؤية مستقبل لبنان أجمعَا على اعتبار أنّ انتخاب الرئيس اللبناني «العتيد» يأتي في سياق الحفاظ على البلد موحّداً والتخفيف ما أمكن من تردّدات الأزمة السورية على ساحته .وفي هذا السياق خلصَ جيرو إلى معادلة واضحة مفادُها أنّ الدولتين التقتا على نقطة واحدة وهي تحميل المسيحيين مسؤولية الخطوة الأولى في الطريق الواجب سلوكُها إلى انتخاب الرئيس العتيد. وأنّ ما يردّده مسؤولو المستقبل وحزب الله، في لبنان ليس سوى صدى لهذين الموقفين على رغم التمايز في اللهجة.
وكشفَ جيرو أنّه خلصَ إلى هذه النظرية عندما تبَلّغَ شرطاً سعودياً واضحاً وصريحاً يستبعد رئيس تكتّل الإصلاح والتغيير العماد ميشال عون من السباق الرئاسي. معتبراً أنّ هذا الشرط هو الذي ميز الموقف السعودي الذي لم يتبدل على رغم انتقال السلطة في المملكة العربية السعودية من الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، مستبعداً أيّ تعديل في القريب العاجل. وعليه، فقد أبلغَ جيرو عون هذا الموقف السعودي واستفاضَ في شرحِه للبدائل التي يراها ممكنةً. ولَمَّا قال له باللغة الفرنسية ما معناه «لا يتوقّعون أنّهم قادرون على التعايش معكم»، ردّ عون «أنا في هذا الجوّ، ويمكنهم أن يعتادوا عليّ».
ولفتت الأوساط إلى أن الموفد الفرنسي نصح القادة المسيحيّين، وفي مقدّمهم البطريرك الماروني بضرورة السعي إلى إحياء الحوار بين القادة المسيحيين، وطالبَه بأن يبذل فور عودته من روما جهداً إضافياً لكي يتّفق المسيحيّون، وفي مقدّمهم القادة الأربعة، على شخصية خارج ثنائية المرشحين المعلنين سمير جعجع وميشال عون، فحظوظ عون في خوض السباق ليست أفضل من حظوظ جعجع، وإنّ البحث عن شخصية ثالثة من ضمن القادة الموارنة الأربعة أو غيرهم أمر ملح لقطعِ الطريق على المتلاعبين بالاستحقاق قبل فوات الأوان.
سعد الياس