انشغلت الساحة السياسية الجزائرية بالحديث عن مشروع لم تتبين معالمه بعد ولكنه منح الرئيس عبد المجيد تبون لقب الرئيس جامع الشمل. وحسب ما ورد في وكالة الأنباء الرسمية وصحف الموالاة فإن الرئيس يريد فتح حوار مع المعارضة في الداخل والخارج بشكل يسمح بعودة من هم في الخارج مقابل وقف هجماتهم الإعلامية. ووجه الغموض في المشروع الذي يعد الرابع منذ اليامين زروال «قانون الرحمة» (1995) و«الوئام المدني» (2000) و«ميثاق السلم والمصالحة المدنية» (2005) في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة انه بدون تفاصيل. وبانتظار ما سيحمله مشروع الرئيس تبون الذي تولى السلطة في عام 2019 ورد فعل المعارضة في الخارج والداخل، فإن تحليل السياق العام الذي ظهرت فيه هذه المبادرة مهم، فالرئيس يواجه ضغوطا في الداخل من ناحية غياب الحلول الاقتصادية وتلبية مطالب الحراك الذي طالت يد الأمن الكثير من قادته وسجنتهم، ونظر إلى إطلاق سراح عدد من المعتقلين بالآونة الأخيرة على أنها «عربون تهدئة». وفي التسريبات التي ظهرت في صحف الموالاة قيل أن يد الرئيس ممدودة طالما اهتم الجميع بالنقاش البناء بشأن المجتمع واستثناء من تجاوزوا الخط الأحمر. ولا يعرف من هؤلاء، هل نشطاء الحراك، الجماعات المصنفة لدى الدولة بالإرهابية، إعلام الخارج، الجماعات التي اتهمها النظام الجزائري بالتعاون مع الدول الجارة، رموز النظام السابق الذين اتهموا بالفساد وتبديد ثروة الدولة وغيرهم؟ بل وهناك من اقترح أن هذه المبادرة يقصد منها منح هذه الرموز فرصة لاستعادة أموالهم. وحتى وقبل أن تظهر التفاصيل اقترح البعض أنها محاولة تجهيز لولاية تبون الثانية في عام 2024. والتقى تبون مع قادة أحزاب سياسيين فهم منها أنها محاولة للمل الشمل وسياسة «اليد الممدودة» التي يكثر الرئيس ورموز نظامه الحديث عنها وسط شلل سياسي وملاحقات للمعارضين وأوضاع اقتصادية كئيبة تدفع الكثير من الجزائريين، شيبا وشبانا للبحث عن حياة أفضل على الجانب الآخر من المتوسط. وذكرت صحيفة «الغارديان» (29/4/2022) ان امرأة في الستين من عمرها باتت تبحث عن طرق للخروج من الجزائر حتى لو اقتضى الأمر ركوب قوارب مطاطية مع المهربين إلى إسبانيا هذا إن وصلتها لأن البحر الأبيض المتوسط بات يبتلع سنويا مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين. وبالتأكيد لن يرحب بالمهاجرين الجدد وسط مخاوف دول أوروبا من نتائج الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير.
لافروف حل ضيفا
ووسط تحديات خارجية تواجه النظام الجزائري، التسمك بموقفه التقليدي من عدم الإنحياز أم دعم الكتلة الغربية في حربها ضد حليفة الجزائر التقليدية، روسيا، حل وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف ضيفا يوم الثلاثاء بعد زيارته لمسقط في عمان، حيث أكد الوزير الروسي على الشراكة الروسية بين البلدين، فالجزائر هي من أكبر مستوردي السلاح الروسي والقمح، بالإضافة لكون الجزائر وروسيا مصدران هامان للغاز الطبيعي الذي بات ورقة تحاول أمريكا والغرب من خلاله كسب الحلفاء وتهديد المدمنين على النفط الروسي كي يقلعواعن هذه العادة ويبحثوا عن مصادر للطاقة جديدة. ومع اعتراف الوزير الروسي بضرورة التزام دول الطاقة بالعقود التي وقعتها قبل الحرب إلا أن رمزية الزيارة ودعوته القيادة الجزائرية زيارة موسكو تعطي صورة أن أمريكا وحلفاءها لم تستطع عزل موسكو وأن لديها أصدقاء وإن كانوا مترددين.
جبهة ثانية
وبالتأكيد باتت روسيا تتعامل مع أفريقيا كجبهة قتال ثانية بعد أوكرانيا. ورغم التقارير عن سحب موسكو عددا من المرتزقة في شركات التعهد الأمني من ليبيا ودول أخرى إلا أن دول القارة لم تشجب بشكل كامل الغزو الروسي، ولموسكو تأثير دبلوماسي وعسكري واضح، ومصالح اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، بل ولم يعد الغرب يملك التأثير الذي مارسه بعد نهاية الحقبة السوفييتية على القارة، وعادت روسيا بشكل قوي إلى جانب دول أخرى مثل الصين وتركيا وحتى إيران، بحسب صحيفة «إندبندنت» (12/5/2022).
ظل الاستقلال
ولا يخفى أن مبادرة لم الشمل قد تكون محاولة لتوحيد الصفوف الداخلية مع اقتراب الذكرى الستين على استقلال الجزائر عن المستعمر الفرنسي في 5 تموز/يوليو، وفرنسا هي نفسها التي يبدو أنها خسرت المعركة في القارة كما في حالة مالي. والخلاف الجزائري- الفرنسي واضح حول حل مخلفات تلك الحقبة الاستعمارية الشرسة وضرورة الإعتذار عن الفظائع التي ارتكبت ضد الجزائريين، وهو أمر لم يحصل عليه الجزائريون بعد، بل وحاول إيمانويل ماكرون في حملته للرئاسة مرة ثانية الاعتراف بأحفاد الجزائريين الذين تعاونوا مع الاستعمار ونسيتهم الدولة على مدار العقود الماضية واعتذر إليهم. وعليه فمحاولة تبون بناء جبهة موحدة في ظل هذه المناسبة الكبيرة قد تعطيه متنفسا. والمشكلة في مبادرة الرئيس التي لم تتضح معالمها أنها لن تقدم لرافضي النظام السياسي ممن يطالبون بالحد من الإنفاق على المؤسسة الأمنية التي تزداد تغولا ووقف الاعتقالات وما هي الضمانات للعائدين من الخارج وحرية ممارستهم السياسية وهل ستمنح «السلطة» كما تعرف في الجزائر لغيرها بممارسة دور، وهل ستكون مبادرة لم الشمل مصيدة للمعارضين وضحية لها. تماما كما كان الحراك الذي أزعج السلطات بمطالبه تغيير البنية التي تحكمت في البلاد منذ خروج المستعمر الفرنسي. وكان الحراك نفسه ضحية انتشار فيروس كورونا وقيود الإغلاق التي منعت التظاهرات الأسبوعية.
عباءة بوتفليقة
وفي غياب التفاصيل عن مبادرة لم الشمل، اقترح البعض أنها محاولة من تبون لارتداء عباءة بوتفليقة عندما طرح مشروع السلم الاجتماعي وأنه يحاول منح المعارضين له قبل انتخابه ومن داخل المؤسسة القديمة فرصة للتوبة والعودة إلى مسار «الجزائر الجديدة» الذي طرحه عندما انتخب، ومن هنا يفهم قرارات بتبرئة رموز سابقة في الأمن والمخابرات ورموز سابقة. وهناك من تساءل إن كانت يد تبون الممدودة ستطال جماعة «رشاد» المصنفة كإرهابية إلى جانب حركة استقلال منطقة القبائل «ماك». ربما تبلورت الأجوبة في القريب العاجل إلا إذا بدا أن المبادرة هي مجرد بالون اختبار لفحص ردة فعل القوى السياسية والرأي العام الجزائري المنشغل بالكفاح اليومي لتامين لقمة العيش. ومن هنا فشغلهم بمشروع لا يمت لاهتمامهم قد يعطي النظام الحاكم فرصة للتحرك والمناورة. واللافت أن دعوات الحوار والمصالحة، لم تأت من الجزائر، فعبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري الذي استولى على السلطة في عام 2013 أعلن عن حوار مع جميع القوى، ودافع عن سجله والمسلسل التلفزيوني الرمضاني الذي كان بطله، وأن ما كشف فيه من معلومات حقيقية وأنه لم يتآمر على «المرحوم» محمد مرسي، الرئيس المنتخب. وهناك دعوة للحوار الوطني أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد الذي يواصل تفكيك منجزات عقد من التجربة وملاحقة معارضيه.
البعد الخارجي
وبدون مواجهة النظام السياسي للمشاكل الحقيقية التي تواجه الشارع وحل الأزمة الاقتصادية فأي دعوة للم الشمل ستظل فارغة وربما ارتبطت بمواقف في السياسة الخارجية الجزائرية، وبالتحديد من المغرب والصراع على الصحراء الغربية. وفسر البعض ان تغير المواقف الأمريكية من الصحراء واعتراف دونالد ترامب بسيادة الرباط عليها زاد من حدة الخلاف. وعليه فتعبئة الساحة الداخلية ربما كان جزءا من سعي القيادة لمواجهة الضغوط الدولية والجار المغرب، وهو ما التفتت إليه مجلة «إيكونوميست» (14/5/2022) عندما قالت إن الجزائر في وضع سيء، فالحراك الذي أطاح قبل ثلاثة أعوام بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعد 20 عاما في السلطة كان يأمل بظهور قادة يمثلون الجيل الجديد. ولكن سقوط بوتفليقة أدى إلى إضفاء الرسمية على «السلطة» وهم زمرة من الرجال الكبار في العمر وأداروا العرض طوال حكم بوتفليقة. ولم يفعلوا أي شيء لإصلاح الاقتصاد الذي يعاني من وضع مخيف ومحاربة الفساد ومعالجة البطالة التي وصلت إلى 12 في المئة وهي أعلى بين الشباب وزادت نسبة التضخم إلى 8.5 في المئة في العام الماضي. وعليه فافتعال أزمة مع المغرب هي طريقة لتعبئة الشعب المحبط. وأشارت المجلة إلى أن البلدين يتجهان نحو الحرب، من ناحية زيادة النفقات الدفاعية، فالجزائر تعتبر سادس مستورد في السلاح في العالم، وهي الثالث عالميا التي تعتمد على السلاح الروسي، وتشمل مشترياتها من موسكو، مقاتلات وطائرات نقل جنود ومروحيات ودبابات وأنظمة دفاع جوي وغواصات. وتصل ميزانية الدفاع الجزائرية إلى 9.1 مليار أما المغرب فينفق 5.4 مليار دولار على الأسلحة، بزيادة الثلث عام 2019. وهو رقم 10 في العالم من ناحية الإنفاق الدفاعي بالنسبة للناتج المحلي العام. فنسبة الإنفاق الجزائري هي 5.6 في المئة مقابل 4.2 في المئة بالنسبة للمغرب، كما تقول المجلة. وتضيف أن الجزائر لديها ثاني أكبر جيوش القارة الأفريقية والمغرب يأتي في المرتبة الثالثة. ونقلت عن مطلعين قولهم إن البلدين باتا يتجهان نحو مواجهة محتومة. وفي ظل رفض الطرفين تخفيض التوتر، فهناك مخاوف من أن تنعكس مواجهة بين بلدين عربيين في منطقة جنوب المتوسط على الأوروبيين الذين يسعون الآن لتخفيف حدة الحرب الروسية- الأوكرانية، وبحثهم المحموم عن مصدر للطاقة. وبدا الوضع واضحا في قطع الجزائر إمدادات الغاز إلى إسبانيا عبر المغرب، بسبب الخلافات بين البلدين. واستوردت إسبانيا نسبة 40 في المئة من الغاز الجزائري العام الماضي والذي نقل إليها من خلال أنابيب عبر البحر. وهددت الجزائر مدريد أنها ستوقف الإمدادات لها لو تم تحويل الغاز الجزائري إلى المغرب.
عامل الغاز
وربما كانت التهديدات مجرد كلام، فالجزائر تريد المال وزادت من صادراتها لدول جنوب أوروبا. ومنذ الحرب أصبحت الجزائر مقصدا لقادة أوروبا الذين حاولوا التعويض عن الغاز الروسي بغاز جزائري. وزارها في الأسابيع الماضية ماريو دراغي، رئيس الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية الأمريكي انطوني بلينكن. وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» (21/4/2022) إن الاهتمام يخفف الكثير عن البلد الذي كان ينفق احتياطاته من العملة الصعبة كي يواجه المصاعب التي يواجهها إلا أن قدراته للوفاء باحتياجات أوروبا محدودة. وتسهم صادرات الجزائر بنسبة 8 في المئة من حاجة القارة. وهذا بسبب غياب الاستثمار الأجنبي، والخلاف داخل النخبة الحاكمة بشأن الطاقة وسياستها. ونقلت عن خبير قوله إن الجزائر ضيع فرصة لتأكيد أمكانياته في مجال الطاقة. وما يمكن أن تقدمه في هذا الوقت هي عدة مليارات متر مكعب. وربما كانت الأزمة الحالية فرصة لعودة الاستثمارات الخارجية. ومشكلة النظام الجزائري أنه يخفض النفقات على البنى التحتية ويحاول الإصلاح في وجه الصعوبات المالية وانخفاض أسعار الطاقة، وعندما يرتفع سعر النفط يتوقف عن الإصلاحات ويبدأ بتوزيع العوائد على النخبة الحاكمة. ويعقد وضع سياسة الطاقة وأثر الحرب في أوكرانيا العلاقة مع المغرب، فالخلاف مع الجار تعود إلى عام 1963 وحرب الرمال القصيرة، أي بعد عام من الاستقلال. ثم أضيف لهذا التوتر الخلاف حول الصحراء الغربية التي ضمها المغرب عام 1975 بعد خروج المستعمر الإسباني، إلا أن الجزائر قرر دعم جبهة تحرير بوليساريو المطالبة بالاستقلال. وفي الآونة الأخيرة زادت التظلمات الجزائرية في الفترة الأخيرة. فقد كشفت التقارير الصحافية الدولية عن عمليات استخدام برنامج التجسس «بيغاسوس» الذي أنتجته الشركة الإسرائيلية أن أس أو من المغرب ضد هواتف 6.000 جزائري، بمن فيهم ساسة وهو أمر ينفيه المغرب. وكان سفير المغرب بالأمم المتحدة العارف بالدعم الجزائري لجبهة بوليساريو قد دعا إلى حق المناطق القبائلية في شمال الجزائر لتقرير مصيرها. ورأت الجزائر في كلامه تهديدا، بل وحملت المغرب مسؤولية الحرائق المدمرة بهذه المناطق الصيف الماضي. وحاول الملك محمد السادس تخفيف حدة التوتر في العام الماضي ودعا للحوار في خطاب العرش السنوي. ولكن الجزائريين ليسوا راغبين بالمصالحة على ما يبدو. أما الشعب فلا يريد حربا بل يحتاج لحلول عاجلة للمشاكل اليومية التي يعاني منها. والتحذيرات باتت واضحة، ففي تقرير للبنك الأوروبي للإعمار والتنمية حذر فيه من تعرض دول وسط أوروبا وغرب البلقان والجنوب الأوروبي وشمال أفريقيا ووسط آسيا من مشاكل تعافي مرحلة ما بعد كوفيد-19 حيث ستعاني هذه الدول وبدرجات متعددة إلى مستويات من التضخم ونقص البضائع وزيادة أسعار الطاقة. ومن هنا فمبادرة لم الشمل، لو قصد منها الإصلاح الداخلي الحقيقي تظل رهنا لسياسات الجزائر من الطاقة وعلاقته مع المغرب وخاصة في الأزمة المجمدة بالصحراء الغربية التي لم تتحرك إدارة جو بايدن للتعامل معها، رغم قدرتها على المساعدة في تخفيض التوتر، ووسط الدعوات المغربية لإسبانيا والولايات المتحدة فتح قنصليات لها في العيون عاصمة الصحراء.
بايدن والحل
وفي النهاية فالحرب بل وحتى التلويح بها لن تكون في صالح أي طرف. وتتردد إدارة بايدن بعكس قرار ترامب الذي تقول مجلة «فورين أفيرز» (12/5/2022) إنه لم يكن اعترافا بل وهدية للمغرب مقابل التطبيع مع إسرائيل. وتعتقد المجلة أن ترامب لم يكن بحاجة لاتفاق تطبيع بين البلدين، فالعلاقات التاريخية بين البلدين معروفة من مساعدة إسرائيل المغرب للوصول إلى المعارض المعروف المهدي بن بركة في باريس وبناء جدار طويل حصن 80 في المئة من الصحراء الغربية وتسجيل محادثات الزعماء العرب ومشاركتها مع إسرائيل التي ساعدتها في حرب 1967 وغير ذلك. وتقول المجلة إن إدارة بايدن دعمت جهود الأمم المتحدة للعودة إلى الجهود القائمة على استفتاء في الصحراء. مشيرة إلى أن المغرب يخصص جزءا كبيرا من ميزانيته الدفاعية للصحراء ويدفن مليارات في مشاريع إعمارية بدون أن يكون قادرا على استثمار مصادرها الطبيعية. وحتى لا تظل أمريكا أسيرة الوضع الراهن المرتبط بعناد المغرب إجراء استفتاء عليها العمل مع الأمم المتحدة والضغط على الرباط من خلال الحلفاء الأوروبيين، وبخاصة فرنسا المؤيدة للموقف المغربي. وأشارت لأثر الوضع في الصحراء على سياسات الطاقة والأمن، فقد توترت العلاقات بين المغرب والجزائر بعد اتفاقيات التطبيع التي رأت فيها الجزائر تهديدا لأمنها.