لا تزال البرقية التي نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية في 03 أيار/مايو الماضي، والتي وصفت فيها عبد المجيد تبون بالرئيس «الجامع للشمل» وأن «يده ممدودة للجميع» تثير الجدل السياسي في البلاد، تجاوب معها الكثير من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية موالية ومعارضة للسلطة، فيما أرجأ البعض الحديث عنها في غياب نص واضح ومبادرة صريحة المعالم والأهداف، ولم يصدر من السلطة لحد الآن أي تصريح رسمي بوجود المبادرة من عدمها، ما عدا تلميحات الرجل الثاني في الدولة رئيس مجلس الأمة صالح قوجيل بوجودها، ودعا إلى الالتفاف حولها.
وما يمكن تسجيله لحد الآن عن المبادرة هو الإقرار غير المعلن من السلطة بوجود أزمة سياسية في البلاد، تتواصل تداعياتها منذ انطلاق الحراك الشعبي في 22 شباط/فبراير 2019 لم تفلح الانتخابات المتعددة التي ذهبت إليها السلطة لتجديد منظومة حكمها في إنهائها، من أجل ذلك فهي تفكر في مسار سياسي آخر تجفف به تداعيات الأزمة السياسية، لكنها لحد الآن لم ترسل إشارات واضحة المعالم من أجل ذلك سواء بإطلاق سراح السجناء السياسيين أو الكف عن ملاحقة النشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ورفع القيود عن العمل السياسي الحزبي، وأخيرا فتح المجال الإعلامي المغلق أمام المعارضين للنقاش السياسي الذي يفضي إلى بناء مبادرة جادة للم الشمل.
وتبقى السلطة في الجزائر وحدها على علم بالمبررات والغايات وراء إطلاق المبادرة، ولم تفض المشاورات التي أطلقها الرئيس تبون مع الأحزاب والشخصيات الوطنية إلى مؤشرات واضحة، وهو ما يجعلها مفتوحة على العديد من الافتراضات، كل واحد منها له ما يبرره ويؤكده من واقع الحياة السياسية والاقتصادية ومضمون الرسالة-البرقية ذاتها، ويظل النقاش العام حول المبادرة ينحصر فقط في الجهة التي تقصدها المبادرة، وعلى أساس ذلك تتحدد الأدوات والأهداف.
أما الافتراض الأول، فيرى أصحابه أن المعنيين الحقيقيين من هذه المبادرة هم رجال الأعمال القابعين في السجون، ودليل أصحاب هذا الافتراض أن إطلاق رسالة المبادرة تزامنت مع مناقشة مجلس الوزراء لقانون الاستثمار الجديد، والذي تم إرجاء البت فيه إلى وقت لاحق، وحجة هؤلاء أن السلطة التي تحاول تحقيق إقلاع اقتصادي وفق خطة جديدة عمادها توسيع مجالات الاستثمار الذي من شأنه تقليل فاتورة الاستيراد التي أرهقت خزينة الدولة بدون ان يكون لها عائد على مستوى النمو الاقتصادي، ورغم الانتقادات التي وجهت لقانون الاستثمار التي تقول السلطة أنها تعمل على تجاوزها في القانون الجديد، لكنها تدرك أن القانون ليس وحده قادرا على تحقيق الهدف المسطر، ما لم يكن ذلك مقرونا باستقرار سياسي وبيئة استثمارية مشجعة ترفع فيها كل القيود البيروقراطية المعرقلة يكون المستثمر الجزائري الأنموذج الأول في اختبار القانون والبيئة الاستثمارية، لذلك تحاول السلطة التصالح مع رجال الأعمال المسجونين الذين كانوا يشكلون عماد المشاريع الاستثمارية في البلاد مقابل التنازل عن الأموال التي نهبوها في الفترة الماضية، ما يشجع الأجانب في خوض التجربة سواء مع هؤلاء أو بشكل مستقل. فالمستثمر حسب التوصيف الاقتصادي جبان لا يمكنه الاستثمار في دولة رجال أعمالها في السجن بسبب نشاطهم الاقتصادي. وبذلك تحقق السلطة هدفها في استعادة الأموال المنهوبة أولا بشكل طوعي من هؤلاء من دون الدخول في المتاهات القضائية الدولية التي أبانت فشلها في السنوات الماضية، وهدفها الثاني مرافقة المستثمرين المحليين للمستثمرين الأجانب وخلق النموذج الاقتصادي المزمع إطلاقه والذي صرح تبون في عدد من المحطات سيكون عماده المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
المعارضون في الخارج
أما الافتراض الثاني الذي يرجح أن تكون السلطة تعنيه بمبادرة لم الشمل فيخص المعارضين في الخارج، الذين شكلوا قلقا كبيرا للسلطة بما كانوا ينشرونه من تسريبات من داخل دوائر السلطة ذاتها، وتبين عدد المتابعات لما ينشره هؤلاء المعارضون الخوف من التأثير الذي يحدثه هؤلاء على متابعيهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي في الجزائر، ورغم التحذيرات التي أطلقتها السلطات بخطر هؤلاء على الأمن القومي الجزائري، وعمالتهم لأطراف خارجية واعتقال بعض الأشخاص المتابعين والتحقيق معهم ويوجد الكثير منهم رهن الاعتقال أو السجن بعد الحكم عليهم، لكن ذلك لم ينقص من حجم المتابعة، ما جعل السلطة تفكر في احتواء هؤلاء في ظل غياب إمكانية ملاحقتهم قضائيا أو وقف أنشطتهم السياسية في الخارج، ويدعم هذا الافتراض ما جاء في ذات الرسالة «يد الرئيس تبون ممدودة للجميع، بشكل دائم، ماعدا الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء، وأولئك الذين أداروا ظهرهم لوطنهم…إن الجزائر الجديدة تفتح لهم ذراعيها من أجل صفحة جديدة».
ورغم أنها إشارة لكل المعارضين، لكن تحديد الخطوط الحمراء يعني أولئك المتهمين بالخيانة والسعي لتقسيم الوطن من المعارضة التي في الخارج، خاصة وأن العديد من المواقع الإعلامية أشارت إلى انشقاقات في وسط حركة «رشاد» (التي تصفها السلطة بالإرهابية) وتم تأسيس تنظيم جديد أطلق عليه اسم «إرشاد» وسعى أصحابه الدخول إلى الجزائر لممارسة السياسة وفق أطر وقوانين الجمهورية، وأكثر من ذلك يستند أصحاب هذا الافتراض على ما أقدمت عليه السلطة بسحب عدد الجريدة الرسمية الذي تضمن لائحة بالأشخاص والكيانات المصنفة بالإرهابية وضمت 16 شخصا، وذلك بعد نشرها في 13 شباط/فبراير الماضي، بعد أيام فقط من نشره، من دون تقديم توضيحات ومبررات بشأن دواعي القرار، وما إذا كان الأمر يتعلق بتسرع في نشرها أم بخطأ يخص المعنيين الذين قال بعضهم أن أشخاصا من داخل السلطة على اتصال بهم من أجل حثهم على العودة لأرض الوطن، والمقابل هو الالتزام بوقف الأنشطة السياسية التي تحرج السلطة، وتمس بالأمن العام.
أما الافتراض الثالث، فيرجح أصحابه بأن الرئيس تبون أراد تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي الذي تميز بالرتابة القاتلة، وفتح صفحة جديدة مع الأحزاب والشخصيات المعارضة داخل الوطن، بعد الجمود الذي طبع المشهد السياسي بسبب فيروس كورونا وإكراهات التباعد الاجتماعي التي انسحبت على المشهد السياسي، بالإضافة إلى غياب مشروع سياسي واضح المعالم يكون محورا للنقاش السياسي بين مختلف الكيانات الفاعلة سياسيا، والوصول إلى توافق يوحد الجزائريين ويدفع بعجلة البلاد إلى الأمام في ظل الوضع الذي يعيشه العالم جراء الحرب الروسية والأوكرانية وانعكاساتها على المنطقة، وعلاقات الجزائر المضطربة مع عدد من الدول منها المغرب وإسبانيا.
فحاجة تبون إلى وجود جبهة داخلية قوية، تساعد السلطة في مواجهة مختلف التحديات التي يفرضها عليها الوضع الاقتصادي والاجتماعي وضغوطات الخارج المتزايدة بسبب الغاز ومواقف البلاد من عديد القضايا الإقليمية والعالمية. كما يمتد مسعى تشكيل هذه الجبهة إلى طموحات الرئيس تبون ذاته في عهدة رئاسية ثانية، فأراد بهذه المبادرة أن يعيد تشكيل خريطة تحالفات جديدة تدفعه للبقاء في منصبه، بعد القطيعة التي أحدثها مع الأحزاب السياسية منذ إعلانه الترشح كمستقل وبدعم من قوى المجتمع المدني، لكنه أدرك مؤخرا زيف حامله السياسي، وأن عدم وجود أحزاب تدعمه وتشاركه مشروعه وتدافع عنه أظهره في شكل الرئيس المعزول شعبيا، خاصة وأنه لم يقم بأي زيارة خارج العاصمة لأي ولاية من ولايات الوطن الثماني والخمسين.
إلا أن الافتراض الأكثر ترجيحا لما ستتضمنه مبادرة تبون – إن صح وجودها- هو كل ما جاء من افتراضات سابقة لكن سيتم انتقاء من يشملهم الإجراء بحذر شديد حتى لا تتحول ذات المبادرة إلى مأزق آخر لتبون وسلطته، ويتآكل عدد من يؤيده، واعتبار ذلك تراجعا عن سياساته وبرنامجه الذي انتخب على أساسه.
فهدف تبون هو الخروج من ضغوط الأزمات المتعددة التي شهدتها مرحلة حكمه إلى تكتل سياسي يتحمل معه تبعات هذه الأزمة، ويساهم معه في تخفيف آثارها الاقتصادية والسياسية، ويكون بذلك التوافق الجديد هو مشروعه الرئيسي في عهدته الثانية، يتجاوز به عقدة الشرعية والمشروعية التي تلاحقه منذ انتخابه نهاية 2019 ينهي فترتي رئاسته بالخروج من الباب الواسع، تحاشيا للسيناريو الذي خرج به الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
يدرك الجميع في الجزائر أن مبدأ «لم الشمل» والحوار حوله هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة المتعددة الأبعاد، وتؤسس لمسار سياسي جديد يشترك في بناء أدواته ورسم غاياته كل أبناء الجزائر على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، وهو مضمون وهدف ما جاء في برقية وكالة الأنباء، وما ينتظره الجزائريون هو صدق نوايا السلطة في تحقيق المبدأ وجعله أمرا واقعا.