الدوحة – «القدس العربي»:المملكة العربية السعودية التي تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية، وتوازن حساباتها الخارجية، منذ بداية العهد الجديد للملك سليمان، تجد نفسها رفقة جاراتها من دول مجلس التعاون الخليجي تسارع الزمن لاحتواء الوضع المنفجر في جارتها الجنوبية اليمن، التي توشك على الانهيار. العواصم الست وعلى رأسها الرياض تحديدا، تتحرك حاليا في الوقت بدل الضائع سعيا لتسجيل هدف قاتل في اللحظات الأخيرة من المباراة التي استعدت لها بشكل جيد غريمتها إيران. طهران التي تملك نقاط قوة تدير بيسر الملف وفق مصالحها، هيأت منذ فترة طويلة، لنفسها موطئا مريحا في اليمن السعيد الذي لم يعد كذلك في السنوات الأخيرة. وزراء خارجية دول مجلس التعاون حاولوا في اجتماعهم الاستثنائي الذي عقدوه (السبت) في القاعدة الجوية في الرياض، غير بعيد عن قصر الملك السعودي الجديد، تباحثوا في الأوضاع المتردية في دولتهم الصديقة والشقيقة والجارة بتوصيفاتها المتعددة التي لطالما طرقت أبواب عضوية هذا الاتحاد من دون أن تلوح في الأفق بوادر حل نهائي للأزمة. وكان هذا الاجتماع الثاني مطلع السنة الذي يلتئم فيه الوزراء لتحديد بدائل سريعة قد تضع ضمادا للجرج اليمني، من دون أن يشفيه بشكل نهائي، خصوصا وأن اللقاء السابق لم يسفر عن نتائج حاسمة تعيد قاطرة صنعاء إلى بيتها الأصلي بعدما استولت عليها إيران خلف تيار الحوثي مثلما يوصف الوضع الحالي هناك.
واطلع المسؤولون المجتمعون على نتائج تقرير أمني خاص عما آلت إليه الأوضاع في اليمن بعد الانقلاب الحوثي، والآثار المترتبة على فراغ السلطة، واستمعوا إلى تقارير اللجان الاستخباراتية والأمنية بعدما تحولت القضية إلى مهدد لأمن المنطقة وعابرة للقارات ولم تعد حبيسة أدراج الدبلوماسيين.
المملكة العربية السعودية ترمي حاليا بثقلها وحضورها في المنطقة للتحرك العاجل لاستعادة ما يمكن ترميمه من المشهد المتشظي، الذي تناثرت أجزاؤه في الزوايا والأركان. ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف آل سعود اختار أن تكون الدوحة أول محطة خارجية له منذ توليه المنصب، ليناقش مع أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أوضاع اليمن خصوصا وأن قطر كانت لها منذ بداية الأزمة مقاربة واضحة لحل القضية. وحتى الآن تجد المملكة التي تعتبر اليمن خاصرتها الجنوبية ومحيطها الحيوي ولها الكلمة الأولى في أي حل تستخدم فيه المفتاح الذي تراه مناسبا، تجد نفسها أمام إشكاليات معقدة وتتنازعها عدة تيارات. للرياض في صنعاء ثلاث جبهات تحاول السيطرة عليها، فمن جهة جماعة الحوثي التي تعتبرها خطرا على أمنها، وهناك تنظيم القاعدة الذي تحاربه منذ فترة طويلة، وفي الأخير لديها حسابات مختلفة مع حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون)، الذي تعتبره أحد العوائق التي تقف أمامها. وبعيدا عن هذه الجبهات تفتش الرياض عن تيار قوي يمكنها أن تستعين به لمواجهة القوى الثلاثة المهينة على الساحة، وهي تفضل كعادتها المكونات القبلية التي تربطها بزعمائها علاقات متينة.
الخطر المحدق بأمن الخليج
تتخوف دول مجلس التعاون الخليجي وتحديدا السعودية من انفجار الأوضاع في اليمن بسرعة تفوق قدرتها على التحرك لوضع حد لحالة الانفلات الذي يعيشه هذا البلد، خصوصا وأن مؤشرات ذلك بدأت تتجسد ميدانيا وعلى أرض الواقع ولم تعد مجرد مخاوف عابرة. سيطرة أنصار الله أو الحوثيين على العاصمة صنعاء ومناطق حيوية أخرى، وعلى إدارة القرار السياسي فتح المجال أمام محافظات أخرى إلى إعلان نيتها في الانفصال عن المركز وإدارة شؤونها بعيدا عن العاصمة.
الجنوب منذ فترة طويلة ينتظر فرصة مماثلة للانسحاب عن الشمال وتحقيق حلم أبنائه، وهو ما ينذر بتصاعد وتيرة الفوضى نحو كافة المناطق والمحافظات. تفتت اليمن إلى مناطق سيشكل خطورة على دول الجوار، وهو ما يجعل تيارا واحدا لديه مكامن القوة أي الحوثيين، ويمهد أمامهم الطريق لفرض سيطرتهم على مناطق جديدة خصوصا المطلة على البحر الأحمر والنقاط الاستراتيجية والتحكم في باب المندب. وعبرت أكثر من عاصمة خليجــــية وعلى رأسها الدوحة عن خشيتها من تداعيات ما وصفــته «الانقلاب الحوثي» على السلطة وتداعيات ذلك على الوضع في اليمن وانقسامه ودخول البلد في أتون حرب أهلية مدمرة تحرق كل شيء وتستنسخ التجربة العراقية مع ما يرافق ذلك من تدخل إيراني في إدارة الأوضاع وفق مصالحه الاستراتيجية. المراقبون للموقف الخليجي من اليمن يستغربون الدعم الذي يحظى به الرئيس علي عبد الله صالح ونجله أحمد من دولة الامارات، بعد ان اصبح واضحا التنسيق والتعاون بين صالح ونجله من جهة والحوثيين من جهة اخرى.
عقوبات وتحرك دولي
البدائل التي تراها دول الخليج أمرا لا مفر منه هو فرض عقوبات مشددة على الحوثيين واللجوء إلى مجلس الأمن الدولي والدعوة لاستعادة المسارات الدستورية في البلاد ونزع الشرعية عن الحركة التي تتخفى وراء تنظيمات سياسية أخرى وتدير شؤون الحكم خلف الأقنعة التي تضعها. لكن المراقبين يرون أن التعويل كثيرا على مجلس الأمن الدولي لن يؤتي بالنتائج المرجوة، فقد سبق لدول الخليج أن تقدمت بقرار للهيئة الأممية رفض من قبل الروس وتم تمييع القضية حيث لم تشفع الأدلة والحقائق التي قدمتها مندوبة قطر الدائمة في هذه الهيئة الشيخة علياء أمام اتخاذ قرار حاسم. ولم تتجاوز المساعي الأممية دائرة الخطابات المنددة والتي جاءت على لسان الأمين العام بان كي مون الذي قال «إن اليمن ينهار على مرأى الجميع ولا ينبغي أن نقف بلا حراك». أما مبعوثه إلى صنعاء، جمال بن عمر، فرأى أن اليمن أضحى في مهب الريح مضيفا أن: «البلاد باتت على شفا حرب أهلية».
مناورات روسية وتفاهمات دولية
انتهت جلسة مجلس الأمن الدولي الخاصة باليمن قبل أيام، وستتلوها جلسات أخرى من دون التوصل إلى أي اتفاق بين الأعضاء، حيث لا تزال روسيا ترفض إصدار أي بيان من المجلس يحمّل الحوثيين مسؤولية ما يجري في اليمن. وستصطدم مشاريع القرارات الخليجية بهذا الرفض في كل مرة تعتب مقر هذه الهيئة. وأسباب الرفض الروسي لهذه القرارات وهي التي لا تملك مصالح حيوية في اليمن، تأتي في إطار مفاوضاتها حول ملفات أخرى. المقاربة الخليجية لحل الأزمة اليمنية التي تؤكد فيها على ضرورة احترام مبادرتها السابقة، لن تمر عبر بوابة مجلس الأمن إلا في إطار تفاهمات دولية شاملة بين روسيا من جهة، وبين الدول الأخرى حول عدد من الملفات والقضايا. موسكو تحاول أن ترد الصاع للمملكة العربية السعودية لدورها في تراجع أسعار النفط والحرب التي قامت بها مع الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال ولن ترضى بتقديم أي تنازل في اليمن من دون الحصول على مكاسب حيوية.
حصار دبلوماسي
خطوة بعض الدول التي تسارع خطاها للرحيل عن اليمن وسحب سفرائها وإجلاء بعثاتها الدبلوماسية فيما يشبه موجة نزوح جماعي من هذا البلد ستكون لها على المدى القريب انعكاسات سلبية على استقرار هذا البلد الذي يشعر أهله أنهم يتركون لحالهم يواجهون لوحدهم الأعداء، ويصارعون على كل الجبهات، مع استمرار الهجمات على معسكرات الجيش اليمني ونهب أسلحته، مما يزيد مخاطر انزلاقه نحو الفوضى. وبعد أن أعلنت السعودية في خطوة غير متوقعة تعليق أعمال سفارتها في صنعاء توالت الأنباء عن حذو دول أخرى لنهجها وهو ما ينمح شعورا سلبيا عن البدائل المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي الذي تجد نفسها تصارع الوقت لاتخاذ موقف واضح ودقيق وسريع لإنقاذ جارهم الجنوبي الذي سيتحملون هم بدورهم تبعات انهياره وتردي أوضاعه.
سليمان حاج إبراهيم