إسطنبول- “القدس العربي”: وصل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى أنقرة في زيارة رسمية جاءت بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يسعى لتعزيز علاقات بلاده مع الجزائر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً في مهمة حساسة للغاية تعترضها الخشية من أن تؤثر على العلاقات التركية المغربية المتنامية ايضاً والتي لا ترغب أنقرة الاضرار بها بأي شكل من الأشكال.
ووصل تبون إلى أنقرة مساء الأحد حيث كان في استقباله نائب الرئيس التركي فؤاد اوقطاي، قبل أن ينظم الرئيس التركي الاثنين مراسم استقبال رسمية للرئيس الضيف في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة، حيث جرى عقد لقاء ثنائي بين الرئيسين يعقبه لقاء موسع بحضور وفدي البلدين ومراسم توقيع على مزيد من اتفاقيات الشراكة في مجالات مختلفة.
تناغم سياسي وتعاون اقتصادي
وتشهد العلاقات التركية الجزائرية تنامياً متسارعاً في السنوات الأخيرة في ظل تناغم سياسي كبير حول ملفات سياسية إقليمية هامة تتوسع ارضيتها سريعاً، بالتوازي مع تطوير العلاقات الثنائية لا سيما في الجانب الاقتصادي وسعي البلدين لفتح آفاق اقتصادية ثنائية وأخرى مشتركة في القارة الإفريقية.
وفي الجانب السياسي، ومنذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم في الجزائر تبنى مواقف سياسية تتطابق مع التوجهات التركية في كثير من الملفات ومنها الملف الليبي عسكرياً وسياسياً، وما يتعلق بالتطورات الأخيرة في تونس، والمواقف التقليدية للبلدين من القضية الفلسطينية ومساعي إسرائيل للتغلغل في القارة الإفريقية من خلال الاتحاد الإفريقي.
كما يجمع البلدين الخلافات المتصاعدة مع فرنسا في كثير من الملفات، ومعارضة العمليات العسكرية والانتشار العسكري الفرنسي في الساحل الإفريقي بشكل خاص والقارة الافريقية بشكل عام، ورغبة البلدين في تعزيز نفوذهم السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية مقابل تحجيم النفوذ الفرنسي، وهي رغبة جزائرية قوية تتلاقى مع تركيا التي بات لها بالفعل نفوذ قوي في الكثير من المناطق بالقارة الإفريقية وتعاون البلدين من شأنه أن يشكل داعم كبير لجهودهما في هذا الإطار.
وفي الجانب الاقتصادي تعتبر تركيا أكبر دولة لديها استثمارات في الجزائر بقيمة تصل لقرابة 5 مليار دولار، وبين البلدين حجم تبادل تجاري يصل إلى قرابة 4 مليار دولار يجري التعاون لرفعه بشكل كبير حيث توجد 1300 شركة تركية في الجزائر، يضاف إلى ذلك فإن أنقرة تسعى لتعزيز التعاون في مجال الطاقة مع الجزائر عبر زيادة الاعتماد على الغاز الجزائري والتعاون مع شركات طاقة جزائرية في مشاريع واعدة على الأراضي التركية، إلى جانب الاتفاقيات الأخيرة في مجال تطوير النقل البحري والموانئ.
في المقابل، شهدت العلاقات التركية المغربية تطورات مهمة في السنوات الأخيرة، وخاصة فيما يتعلق بالصفقات الدفاعية التي تحيطها السرية لكن تقارير ومعطيات مختلفة تؤكد أن الرباط اشترت من أنقرة في السنوات الأخيرة منظومات أسلحة ودفاع مختلفة أبرزها طائرات بيرقدار المسيرة.
أزمة الصحراء
المساعي التركية الحثيثة لتطوير العلاقات مع الجزائر تصطدم بالخشية من أن تؤدي إلى تراجع العلاقات مع المغرب وهي خشية حقيقية وذلك في ظل تصاعد التوتر الكبير بين الجزائر والرباط في السنوات الأخيرة حول قضية الصحراء التي تسعى أنقرة بقوة للحفاظ على موقف وسطي اتجاهها يجنبها الاتهامات بالاصطفاف الى جانب أحد طرفي النزاع.
هذه المهمة التي تبدو صعبة وحساسة للغاية واجهت مشكلة جديدة قبيل أيام فقط من زيارة تبون إلى تركيا، حيث أجرى وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو مباحثات مع نظيره المغربي ناصر بوريطة على هامش مشاركته في اجتماعات التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة” الذي انعقد في مراكش، في خطوة يعتقد أن الهدف منها كان طمأنة المغرب بأن زيارة تبون لن تكون على حساب العلاقات المغربية التركية.
إلا أن هذه المحاولة جاءت بنتائج اعتبرها البعض عكسية بعدما شهدت التصريحات الرسمية التركية ارباكاً، حيث أكد جاوش أوغلو في مؤتمر صحافي مع بوريطة على أن “تركيا انتهجت دائماً موقفاً مبدئياً حيال وحدة أراضي وحدود الدول”، مضيفاً: “وفي هذا الإطار، أريد أن أؤكد مرة أخرى لأخي ناصر دعمنا وحدة أراضي وحدود المغرب وسيادته كما كان دائماً”.
لكن الوزير المغربي الذي رأت أطراف تركية أنه “حاول الضغط على تركيا بطريقة دبلوماسية” من خلال القول إن تركيا أيدت بشكل صريح سيادة المغرب على الصحراء، حيث قال: “نشكر ونقدر موقف تركيا من قضية الصحراء المغربية، وبدورنا نؤيد أنقرة ونقف معها في قضاياها الأساسية، في إطار علاقات التضامن بين بلدين مسلمين لهما طموح لتقوية هذه الشراكة”.
هذا التصريح الذي تلقته الأوساط التركية بـ”حذر”، دفع السفارة التركية في الجزائر إلى محاولة التقليل من آثاره الدبلوماسية وذلك قبيل أيام فقط من زيارة تبون إلى أنقرة، حيث نشرت تصريحاً للمتحدث باسم الخارجية التركية أكد فيه أن “أنقرة تدافع منذ البداية عن إيجاد حل سياسي لقضية الصحراء الغربية في إطار قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ومن خلال الحوار بين الأطراف”.
وبشكل عام تؤكد تركيا على احترامها “وحدة وسيادة المغرب” دون الاعتراف بشكل صريح عن دعمها لسيادة المغرب بشكل كامل على الصحراء، وتستخدم مصطلح “الصحراء” بعيداً عن توصيفات “الغربية” أو “المغربية” لضمان موقفها الحيادي، وتقول إنها تدعم حل سياسي في إطار قرارات الأمم المتحدة، إلا أن هذا الخطاب لا يبدو مقنعاً للطرفين الذين يسعيان للحصول على مواقف صريحة بدعم وجهة نظرهم للحل النهائي لقضية الصحراء.