لندن ـ من أحمد خليل العزوز: تعددت تجارب وأهتمامات الفنان التشكيلي العراقي فؤاد الطائي الذي تجاوزت غربته على الثلاثون سنة في السويد وهو من مواليد مدينة بابل سنة 1943 ، درس الرسم في أكادمية الفنون الجميلة ، طرق عدة أبواب فنية وثقافية خلال مسيرته الطويلة حيث إهتم في بداية حياته بتقديم البرامج الثقافية في مؤسسة الاذاعة والتلفزيون العراقية وكتب العديد من المقالات في الصحف والمجلات وعمل في جريدة الجمهورية كصحفي ورسام كاريكاتير ومصمم لعدد من صفحاتها ، وله تجربة مهمة في تصميم الديكورالمسرحي وخاض أيضا تجربة في السينما الروائية ليكمل دراسسته العليا (الدكتوراه ) بتخصصه في فن الديكور في السينما والتلفزيون .. إن هذه الشعلة والمثابرة وخبرة السنين في الصحافة والأعلام أمتزجت مع موهبة الرسم التي يحملها الفنان الطائي والتي عكست إمكانياته في الرسم من خلال معارضه الشخصية والمشتركة التي ساهم بها . وبزيارتي الاخيره الى العاصمة السويدية كنت محظوظا بلقاء الفنان الدكتور فؤاد الطائي وبمشغله الخاص ..تعالو معي لنرى ما سيحدثنا به هذا العراقي المبدع .*مراحل حياتك توزعت مابين النحت وطرق الرسم المختلفة والتصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي المسرحي والصحافة ..أي من هذه التجارب قريبة الى نفسك ؟- في أيام الصبا ومنذ تلك المرحلة من عمري عرفت فيها متعة التجربة وحب الفضول للتعرف على الاشياء والمفردات التى أراها أو أسمعها وكثيرا ما كنت أفشل ولكنى بقيت فى عناد وتحد مع ذاتى .. كان إهتمامى قد بدأ بالرسم ومنذ المرحلة الابتدائية بدأت باستحياء أجرب ابتكار أجهزة بسيطة ثم تشجعت فى المرحلة المتوسطة لصنع نماذج الطائرات وتشريح الحيوانات والطبابة والتصوير وكتابة الخاطرة الادبية والارشفة التى زاد اهتمامى بها مع الوقت ولازلت أتذكر كثيرا من المواقف المحرجة أو الطريفة التى رافقت كل تلك الاهتمامات . وكانت الظروف انذاك تختلف تماما عما هى عليه الان اذ كانت وسائل المعرفة والتسلية وممارسة الهواية محدودة جدا وأدوات تحقيقها قليلة وصعبة المنال فالعالم بمقاييس اليوم كان صغيرا لا يتسع لتحقيق رغباتنا وابراز قدراتنا فالعقول والمواهب كانت موجودة مقابل غياب عناصر تمكينها على عكس ما أراه اليوم حيث تتوفر الاسباب والوسائل الثرية بامكاناتها مقابل غياب أو قلة العقول وسطحيتها .. ولو تجاوزت ذاكرة الزمن وعبرت تلك المراحل التى يطول الحديث عنها لاقول شيئا عن هاجس المبدع فى الشتات بعيدا عن أرضه .. أجدنى غالبا فى دوامة تضيع فى سورتها رغباتى مرة وأهتدى اليها أحيانا اخرى .. انه التأرجح بين الرغبة فى الوصول الى التوازن المطلوب للانسجام مع الواقع الجديد وبين ضعف لحظات الشعور بالغربة’والعزلة والحنين الى الجذور وهذا الاخير يبقى أبدا هو المعين الذى أستقى منه ابداعى وأفرغ من خلاله كل ثقل الهم الكبير .. فحنينى الذى لا ينضب أجده شعاعا منبعثا من زحمة الالوان وشفيف حوارها على سطح لوحاتى وضياعى وضعفى مخنوق فى ثنايا خدوش الخشب الى أنحته أو ينحتنى أما حلمى فهو هكذا دوما باهت ضبابى أراه خلف عدسة كامرتى ولكنه يبقى جميلا على أية حال لانه حلم ! .. ويبقى المهجر فى عينى سماء شفافة تمتد حيث تسرح مخيلتى وعرفته فى كل سنين الغربة التى تجاوزت الثلاثين عاما فرصة لصفاء الذهن لا أعرف فيها الخوف ولا المحذور ولا الانشغال بالمجهول .. فقد منحنى المكان والحرية ولم اعطه الا الوفاء والاعتراف الخجول بأنى قد تركت أفكاري وعشقى وأقدامى هناك فى أرض السواد .. وما دام ليس للابداع أرض ولا وقت أو زمان فليكن العطاء أبدا حيث تكون الموهبة والارادة فأنا ماض برفقة الحلم والعشق اللاذع فى دربى .. فسفينتى هى هكذا تبحر غير بعيدة عن شطأنها ولكنها لا ترسو أبدا. *كيف ترى الفرق بين تجربتك وتجربة أقرانك من الفنانين التشكيليين وبين ما تراه حاليا ؟ – حاضر الوطن اليوم لا يعجبنى جيله .. أراهم قليلوا المعرفة والاطلاع وينقصهم الاختصاص والحماس المبرر فهذا الجيل نجد الفرد فيه لا يعرف حجمه ولا يعرف كيف يستفيد من ثراء المعلومة وخبرة الاخرين .. انه جيل المقتنيات المادية والمعلوماتية الجاهزة . وفى الاعلام أكثر وضوحا عندما زجوا بأنفسهم فى فروعه ودروبه بلا درس ولا مؤهلات ولا يستمعوا أو يأخذوا من مؤهلات وملكات العارفين لان التقنية الحديثة وسهولة أدائها قد سهلت عليهم المغامرة وكذلك الاحساس الواهم بأهليتهم . فى أيامنا أتذكر كيف كنا نلهث وراء أساتذتنا وذوي الخبرة لنأخذ منهم وأحيانا إحراجهم بالحاحنا وسؤالنا وكنا نفخر أن نلتقط صورة معهم إعترافا بمكانتهم وأهميتهم . كنا نجرب وبلا تردد الخوض فى مجالات الثقافة والاعلام والفنون حتى نستقر أخيرا على المجال الذى يستهوينا .. ذات مرة وكان ذلك فى أواخرالستينات من القرن الماضى استدعانى مدير المؤسسة التى أعمل فيها محذرا لى وناصحا : كيف أشتغل بأكثر من وظيفة ونشاط فى وقت واحد وان ذلك مخالف للقانون ؟ .. اذ كنت فى حينه مصمما ورساما واعلاميا فى وزارة الشباب وفى الفترة المسائية أعمل فى قسم الديكور فى تلفزيون بغداد الى جانب اعدادى وتقديمى برنامجا تلفزيونيا نصف شهرى باسم ( مجلة التلفزيون ) وكنت أعمل بالقطعة وحسب الطلب بالصحافة فى مجال الرسوم والتصميم والنقد الفنى والتحقيقات وبالطبع كان ذلك فيه تعب ومشقة الا أننى أراه اليوم وبعد أكثر من أربعين عاما من منظور اخر ومن زاوية الطموح والحيوية والارادة التى كان يتمتع بها جيلنا أيام زمان . وأعود لما بدأته بأننى لست متفائل اليوم بحال الوطن .. فكل ما بناه جيلنا وقبله فى كل مجال قد تاكل وتهدم فالجهلة والغرباء يقودونه نحو التخلف والمجهول بينما خيرة أبنائه ومثقفيه هم مهمشون أو فى الشتات وبئس الحالتين.” * ماذا عن مشوارك الفني مع النحت على الخشب وهل لك أعمال جديدة فيه ؟ – كانت تجربتى مع النحت وليدة مصادفة بعد أن ابتعدت عنه منذ انتهاء المرحلة التحضيرية فى أكاديمية الفنون الجميلة فى الستينات رغم أنه يستهوينى دائما وأجد فيه متعة كبيرة لانه يجمع بين الابداع’ والعمل اليدوى الشيق الذى يتطلب بطبيعته مراحل عديدة ومختلفة حتى يأخذ شكله النهائى .. ولا أخفى بأن فرحة الانتهاء منه أجدها أحلى من فرحة الانتهاء من لوحة .. والمصادفة كانت فى عام 1997 عندما كنت الاحظ قطعا من الآخشاب التالفة المرمية خارج البيت فجاء حينها السؤال : هل يمكن لهذه القطع أن تتحول الى قطع فنية لها عناوين ومعان وأفكار ؟.. وبدأت .. وكان التباين فى بقع الالوان عليها وكذلك العقد والمساحات المتأكلة كلها تندمج وتتداخل مع الشكل المرسوم فى مخيلتى فتخرج بمحصلة نهائية لموضوع محدد يتناغم فيه المضمون مع الشكل .. حينها بدأت النماذج وبصورة تلقائية تكبر وتكثر حتى اتخذت قرارى وبقناعة .. أن أقيم لهذه المنحوتات معرضا .. وكان ذلك.. ففى منتصف عام 2000 عرضت هذه الاعمال فى قاعة وسط ستوكهولم مستغلا جدران قاعة المعرض لآعلق عليها أكثر من ستين لوحة كبيرة أنجزتها فى مجال التصوير الفوتوغرافى وكانت مواضيعه كلها فى التراث والعادات وكل ما يتعلق بالحياة اليومية العراقية .. ولدى الان أكثر من مائتى لوحة فى التصوير جعلتها بأسلوبى تصلح كبطاقات بريدية أيضا .. كان ذلك قبل أن تتوفر وتشيع كاميرات الديجيتال ! الساحرة بتقنياتها وسهولة استخدامها .. وعندما تحين الفرصة ويتوفر المزاج ثانية سيكون لمخيلتى نصيبها فى بناء الصورة وجماليتها بما يتناسب والتقنيات الحديثة هذه .. فأنا هكذا .. موزع بين الرسم والنحت والتصوير والارشفة والكتابة وكل له نصيبه من وقتى .* ماهي العناصر التي يرتكز عليها المصمم الصحفي لكي يبتكر ويبدع سابقا.. وهل قدمت التكنلوجيا الحديثة ( الكومبيوتر ) خدمات إضافية لهذه المهنة ؟ – أعتقد أن التصميم الصحفى باسلوبه العملى الحديث قد توضحت معالمه فى الصحافة العراقية منذ بداية الستينات من القرن الماضى ومع تواجد عدد من الموفدين الاجانب ممن كانت لهم ممارسة وخبرة بهذا المجال فأخذ منهم بعض الشباب المهتمين بالصحافة تقاليد العمل الصحفى بما فيه التصميم وكان عدد منهم لا يزال طلابا فى معهد واكاديمية الفنون الجميلة وأنا كنت اشكل الجيل الثانى من هؤلاء وكانت أول تجربة لي فى صحيفة الجمهورية ثم انتقلت تباعا الى مجلة الشباب وصحيفة لواء الحرية ومجلة العلم والحياة ولم يكن يقتصر عملي انذاك على التصميم فقد مارست الرسم بما فيه الكاريكاتير ثم محررا وناقدا فى الصفحات الفنية والثقافية فيما بعد فى عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية وأذكر بارتياح أن أول نتاج لى كان فى صحيفة البلاد عام 1959 وأنا فى المرحلة الدراسية المتوسطة وكان الرسم مهداة الى الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ولازلت أحتفظ بنسخة الصحيفة . كان تصميم الصحيفة يتم على ورق خاص بمقاس الصفحة ومعلم بخطوط رأسية تمثل أعمدة الصحيفة مستخدمين المسطرة والمثلث فى تشكيل المواد على الصفحة وكانت المواضيع المعدة للنشر تأتينا عادة عن طريق سكرتير التحرير لنأشر عليها حجم الحرف الطباعى لارسالها الى الالة الكاتبة ونحدد قياس ونوع عناوين المواضيع لارسالها الى الخطاط’ ثم تعاد لنا المواد مطبوعة كنموذج على شريط ورقى لتبدأ مرحلة التصميم بحيث تغطى المواضيع الصفحة كاملة وعند الضرورة ندفع بقية الموضوع كبقية الى صفحة اخرى ويسلم التصميم الى قسم التنضيد لتطبيقها على قالب بعد أن تحولت المواد من كتابة وخطوط ورسوم وصور الى مادة الرصاص والحديد لتحول الى ماكنة الطبع وكنا نبقى أحيانا الى وقت متأخر من الليل لمشاهدة أول نسخة تلافيا لآى خطأ أو سهو .. أما تقاليد العمل اليوم فقد تغيرت تماما فى عصر الكومبيوتر والاجهزة الطباعية الحديثة بتقنيتها وسرعة أدائها فما كان يأخذ منا ساعات أصبح ينجز بدقائق ليختزل الوقت والجهد تصميما وتنفيذا ولكن يبقى ما هو ثابت فى كل الحالات وهو العقل والموهبة والذوق السليم الذى يستثمر هذه التقنية التى تعرف الى من تستجيب .* ما هي تصوراتك عن أهم الخطوات المهمة التي يسلكها الفنان التشكيلي السينمائي والمسرحي لوضع ديكور يتوافق مع النص ؟- تتحدد منهجية مصمم الديكورات والجوانب التشكيلة المرتبطة به سواء فى المسرح أو السينما والتلفزيون بمرحلتين تسبقان خطة العمل والتنفيذ وهما مرحلة الدراسة والتحليل ومرحلة ترجمة الافكار والتصورات على الورق ولكل منهما متطلباتهما .. اذ تبدأ الخطوة الاولى بقراءة النص الادبي ودراسته وتعمق الفنان فى جوهره ومضامينه ويستقي منه الفكرة والمدلول وطبيعة الاحداث والشخصيات وكل ما يساعده على استيعاب وتصور الشكل المرئي الذى سيؤول اليه العمل الادبي لاحقا أي ما يمكن أن نطلق عليه الترجمة البصرية لما هو مكتوب .. ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة وضع الرسوم والتخطيطات التي تعكس ابداع ورؤيا الفنان للمشاهد’ والاحداث ومجمل تصوراته للعمارة والمعالم والازياء والاكسسوار والماكياج والشخصيات المرتبطة جميعها بسمات الزمان والمكان الذي سيتحرك فيه الممثل والمجاميع .. واذا كان المسرح مقتصرا على تشكيل ثلاثة مشاهد أو أقل أو أكثر مثلا نجد فى السينما والتلفزيون ما يتطلب وضع مئات التخطيطات والرسوم والتصاميم التى تشف عنها المشاهد واللقطات والجزئيات والتفاصيل التوضيحية والتى بمجملها تحقق الصورة المقنعة ليس للفنان فقط وانما لفريق الابداع عموما .. وما هو معروف فى تقاليد الانتاج السينمائى والحديث عن الفنان التشكيلى السينمائى لا يمكن أن يصل الى مستوى تعبيرية وجمالية الصورة على الشاشة بدون محصلة الاختصاص والحرفية والثقافة والمنهجية والمتابعة الواعية التى تستند الى الوثيقة والمصادرالمختلفة وكل ما يدعم واقعية الصورة وصدقيتها .. فأى خلل فى الفهم أو اختيار المفردة غيرالصحيحة فى الصورة المعروضة على الشاشة سيكتشفها المشاهد بسهولة ويفسد عليه التفاعل والانسجام والمتعة المطلوبة..فالعمل المسرحى منذ انطلاقته وعبر تاريخه أعتمد الفن التشكيلى كأحد أهم عناصر الدراما ومرتكزاتها فى الاداء والتأثير وكذلك فى الايحاء بالمكان والزمان بالتوازى مع الكلمة وأداء الممثل .. فالديكورات والمناظر تجسيد للحيز والمكان الذى تجرى فيه الاحداث بينما تأتى الانارة كتشكيل ضوئى ولونى يدعم الممثل والنص الادبى فى التعبير عن الحالة والشخصية ووقت وزمن الحدث وليس مجرد اضاءة لخشبة المسرح وكل هذه العناصر المذكورة هى تشكيلات وتكوينات بصرية أساسا .. أما فى السينما الروائية وخلال مراحل تطورها فنيا وتقنيا وفكريا ومع تراكم خبراتها فقد ازداد وبشكل واضح الاهتمام بالحلول التشكيلية فى كل مراحل انتاج الفلم من السيناريو وحتى عرضه على الشاشة بل أصبح المخرج يرتكز عليها فى تجسيد وابراز التعبير عن الفكرة والحدث والشخصية وجمالية الصورة فى الكادر الفلمى .. فكل الديكورات والازياء والملابس والماكياج والاكسسوارات وزوايا التصوير ونوع اللقطات ومناطق النور والظلال هى عناصر تشكيلية ابداعية مخطط لها مسبقا من خلال الرسوم والتصاميم والمقاسات المعمارية تكمل أداء الممثل وخطة المخرج ولكن لابد من ملاحظة أن الفنان التشكيلى السينمائى يكون دوره من الناحية العملية هو رؤيا وترجمة حسية لما استوعبه واستنتجه فى النص الادبى والسيناريو وابداعه مرتبط بخطة ورؤية المخرج والمصور ومحصلة ابداعهم مجتمعين تشكل الخطة والرؤية النهائية لانتاج العمل أى أن التشكيلى السينمائى غير متفرد وحر فى ابداعه فى السينما كما هو عليه فى مرسمه الخاص .. واذا كان المسرح ومن ثم السينما والتلفزيون لا يمكنهما تحقيق أدائهما بدون العناصر التشكيلية ومبدعيها فان الفنون التشكيلية بمبدعيها متمكنين من التفرد فى عطائهم وابداعهم واختيار اسلوبهم ومواضيعهم بحرية دون أن تكون لهم علاقة بتلك المجالات الفنية التى تتطلب المشاركة والعمل الجماعى فى الاداء ..لقد كتبت مفصلا فى هذا الموضوع فى بحثى فى المعالجة والحلول التشكيلية فى الفلم الروائى الذى أعده لاصداره فى كتاب قريبا.