‘عاصمة’ رواية شارع لندني يجسد تحولات المدينة: البيوت الغالية والمهاجرون والعمال والمتهمون بالارهاب

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

من عاش في لندن لعقد، او عقود لا يفشل في ملاحظة التغيرات الجيلية على المدينة العاصمة ليس لانها كانت عاصمة امبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكن لان صورتها تتغير تبعا لموجات الهجرة من العمالة الرخيصة القادمة بحثا عن كنز او حياة افضل، وتتغير تبعا للوضع الاقتصادي، من ناحية حركة البناء والتعمير ومشاريع الاسكان وتوسيع البيوت، اصلاحها وتحديثها لتلائم روح الزمن وتغير اشكال الحياة في مجتمع تغيره التكنولوجيا وتغير طرق وانماط حياته. العواصم في كل بلاد الدنيا تكون مسكنا لاشتات وجماعات متنوعة عرقيا ولغويا ودينيا، وعلاقتهم بالمدينة العاصمة تظل تبعا للتجربة، قاسية ام حميمية وهذه هي سمة الحياة في المدينة التي رمزت اليها ادبيات الحداثة برمز الشر والقسوة، المدينة التي غيرتها الحياة، وفككت اواصر العلاقات بين افرادها الذين اصبحوا ينزعون للفردية ويتميزون بالانانية والجشع وحب المال، قد تقول ان هذه هي صورة المدينة دائما، ولكن الالة اكدت صورة الشر فيها، فالقسوة في شخصيتها هي مضاد للخير والرومانسية والحياة الحالمة في الريف. في حالة لندن، اشكال التغير ‘جسديا’ و ‘روحيا’، لونا وشكلا وعادات هي دائمة، فالامبراطورية البريطانية قامت على ظهور ابناء المستعمرات ممن قاتلوا حروبها ووسعوا حدودها مع ‘بناة الامبراطورية’، ومن هنا لم تخل العاصمة من مهاجرين وعمالةـ ومرتزقة، وعبيد، وتجار، وبحارة وهاربين من قمع حكوماتهم. بريطانيا التي ولدت من خلال الهجرات وموجات المهاجرين دائما ما تعيد تشكيل نفسها، ومع ذلك فهي مدينة ذكية تجذب اليها المهاجرين والبنائين واصحاب المال وتحافظ على قلبها الذي يمثل مؤسسة وناد لا يسمح بدخوله الا لطبقة معينة. كانت الهجرة الى بريطانيا، لندن بالتحديد سهلة ومتاحة لان البلد في كل فترة كان بحاجة لايد عاملة رخيصة تبني وتضحي بدمها وتنزف عرقا لبناء اعمدة بلد لا يزال مرتبطا بتاريخ الامبراطورية ويرفض ان يتخلى عن هذه الفكرة على الرغم من رحيل الامبراطورية غرب الاطلنطي. غريبة هي لندن، رغم كل القيود والضوابط التي وضعتها الحكومة على الهجرة فهي لا تستطيع العيش بدون مهاجرين، فإن لم تجلبهم كأرقاء فتبحث عنهم في مستعمراتها السابقة وتنقلهم عبر السفن، وفي كل الاحيان، تترك ابناء العالم لكي يحجوا اليها، فهي ‘مدينة الضباب’ التي تتخفى وتصنع صورتها الساحرة. حتى بعد ان انكشف الغطاء عنها، وتغيرت انماط الجو فيها تبعا للتغيرات في اشكال المناخ في العالم فلا تزال نقطة جذب. على الرغم من تواصل الجدل حول المهاجرين وفشل الحكومات سواء كانت عمالية او محافظة، واتهامات صحف اليمين لها بالتقصير، فالمهاجرون يتدفقون دائما ان لم يكونوا من ابناء ‘العالم الثالث’ فهم من ابناء دول المنظومة الشرقية السابقة. بعد الحرب العالمية الثانية سافر الالاف من الكاريبي الى لندن، وعاشوا في احياء خاصة في جنوب لندن، ومعهم جاء ابناء شبه القارة الهندية، وبعدها وبسبب قانون الهجرة في الستينات من القرن الماضي، خفت حدة المهاجرين، ولكنهم ظلوا يتدفقون مستغلين قوانين اللجوء السياسي، من بقاع مختلفة، عرب وافارقة وصينيون ومن امريكا اللاتينية، لكن اكبر الهجرات من العمالة المنظمة كانت من اوروبا الشرقية، خاصة بولندا، ومعهم قلة من رومانيا، وهنغاريا ومن كوسوفو والبوسنة والهرسك وبسبب الحرب.

قصة مدينة في شارعبعد هذه المقدمة الطويلة نوعا ما والضرورية لفهم الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها، هل يمكن ان نختصر تاريخ لندن المعاصر من نهاية الحرب العالمية الثانية الى الان في تاريخ شارع، اي هل يمكن ان يتمثل هذا التاريخ عبر حيوات متقاربة ومختلفة في شارع، طبعا يمكن، فمن يعيش في لندن يلاحظ التغيرات في الوجوه وتنوع الاثنيات. فغنى الحياة في لندن يعطي الروائي مادة جيدة لبناء عالم روائي مشحون ومليء بالشخصيات. وفي هذا الاتجاه يلحظ في الاعمال الروائية لمن يمثلون التيار الرئيس، دخول شخصيات اثنية، خاصة من المسلمين بسبب التطورات السياسية ما يسمى الحرب على الارهاب ولان لندن اصبحت كما اطلقت عليها الصحافة ‘لندنستان’ في اشارة لازدهار الحركات الاسلامية المتشددة وممن ارتبط بعضها بالقاعدة او هذا الطيف الاسلامي او ذاك. فأحداث مثل 9/11 في امريكا و 7/7 في لندن اثارت اهتمام الروائيين، مثلما الهم غزو العراق عددا من الروائيين. هذا الى جانب ما يعرف بالروايات ‘الاثنية’ من تلك التي كتبها الجيل الثاني او الثالث من ابناء المهاجرين ممن ولدوا هنا وكتبوا تواريخ ابائهم وتواريخهم وتجاربهم، وبعض هذه الاعمال دخلت عالم ما يطلق عليه التيار الرئيس في الثقافة البريطانية. شارع بيبسبعد كل هذا فعالم رواية جون لانكستر، ‘عاصمة’ الصادرة عن ‘فابر& فابر’ في لندن يفهم ضمن السابق، فهي عن شارع وتحولاته واطياف من عاشوا فيه، واثر الانتعاش الاقتصادي من جهة والازمات المالية من جهة اخرى عليه. الشارع اسمه ‘بيبس’، والذي بنيت دوره في نهاية القرن التاسع عشر، اثناء فترة الانتعاش في حركة البناء بعد ان قررت الحكومة في حينه الغاء الضريبة على ‘الطوب الاحمر’ ، وقام بتصميم بنائه معماري حرص مع عماله على تنويع طريقة بناء كل بيت، من ناحية الشكل، الشبابيك والابواب، ومداخل البيوت. واستأجر المقاول عمالا ايرلنديين (كانوا قبل موجات هجرة العمالة الرخيصة قوة العمالة الرئيسية). وما يميز البيوت هي انها تتشارك في نفس العمر وكان قصد المقاول الذي اراد تطوير الشارع هو توفير بيوت لابناء الطبقة المتوسطة الدنيا ومنح العائلات فرصة لشراء بيوت في احياء غير راقية. وعليه ففي الايام الاولى لم يقطن فيه محامون ورجال اعمال بل موظفون في الوظائف الحكومية الصغيرة. ومع مرور الوقت تغير الشكل الديمغرافي للحي تبعا للتطورات الاقتصادية، وظل الشارع بعيدا عن ويلات الحرب حتى تعرض في عام 1944 الى قصف دمر بعض بيوته، بعد ذلك سكنت في الحي ثلاث عائلات من الكاريبي. ومع انه من الصعب تحديد الوقت الذي بدأت فيه اسعار البيوت ترتفع الا انه يمكن رد بدايات ذلك الى ما قبل فترة تاتشر وبعدها. ومع الارتفاع النسبي والبطيء في اسعار البيوت بدأت العائلات الاولى من المهاجرين التي سكنت فيه بالاستفادة من الوضع واخذوا يبيعون بيوتهم لشراء بيوت اوسع في احياء اكثر رقيا. ومن حل محلهم كانوا ابناء عائلات من الطبقة المتوسطة، كان الرجال يعملون في وظائف جيدة فيما بقيت النساء في البيت لرعاية الاطفال، ثم جاءت عائلات كان يعمل الرجال فيها والنساء فيما كان الاطفال في رعاية الحاضنات، ثم تغيرت نوعية وطبيعة اعمال ساكني البيوت الجدد، فبعضهم كان من المحامين الكبار، ورجال الاعمال، ومدراء الشركات ممن يعملون في قلب المدينة ‘ذا سيتي’ ومع وصول هذه الطبقة الغنية شهد الشارع حركة في البناء من ناحية التوسيع والتحديث وتغيير نوع الشبابيك والابواب وتعديلات في ديكور البيوت الداخلي، ولم يعد الشارع يخلو من عمال وادواتهم وصوت الالات التي تعمل وتحفر في جدران البيوت. تغير اذن الشارع بفعل التغيرات العالمية الاقتصادية وما ادخلته التكنولوجيا على حياة الناس، ومع تغيرهم ارتفعت اسعار البيوت حتى اصبح سعر البيت فيه بالملايين، واصبح سكانه اغنياء لسبب بسيط، لكونهم قاطنيه، ولهذا اصبحت ‘سيرة’ الشارع على كل لسان ‘هل سمعت كم باعوا البيت في ذلك الشارع’. ولان الشارع صار راقيا فقد اصبح اكثر حركة وحياة، سيارات غالية الثمن، شاحنات ‘تيسكو’ توصل طلبيات الطعام، بعد ان اصبح السكان يوصون عليها بالانترنت، واخرى تنقل الاثاث الفاخر. وصار لا يخلو من عمال بناء او مراقبي السيارات التي تنتهك قوانين الوقوف في الاماكن الخاصة في الساعات الممنوعة. ومن هنا فانك ان كنت تملك بيتا في ‘بيبس’ فكأنك تملك كازينو، دائما تربح. ومجرد سكنك في الشارع فأنت غني وان رغبت بالانتقال له فيجب ان تكون غنيا. ولان بريطانيا اصبحت بلد الرابحين والخاسرين، اي فقراء واغنياء، فمن يعيش في الشارع هم من الرابحين. وضمن هذا السياق نفهم او لم نفهم بعد سبب وجود ذلك الشاب – في المشهد الاول من الراوية – في صباح من صباحات الصيف المشرقة، وبيده كاميرا فيديو يصور بيوت الشارع بيتا بيتا، مع ارقامها وابوابها، حيث لم يكن في الشارع الا هو لم يحضر بعد ساعي البريد، ولا موزع الحليب، لقد كان يقوم بتصوير بيوت الرابحين. المكان الزمان.

تغطي الرواية احداث فترة تدور على مدار عامين من كانون الاول (ديسمبر) 2007 الى كانون الاول (ديسمبر) 2008 ، ففي هذه الفترة شهدت البلاد انهيار بنوك وتراجعا اقتصاديا لا زالت اثاره واضحة، وقد اختار الكاتب عينة تمثل المجتمع البريطاني المتنوع ممن تسكن الحي، اقدم عائلة في الحي، مدير عام في بنك كبير، رجل اعمال مهنته توفير المواهب الرياضية لنوادي كرة القدم من الدرجة الاولى، عائلة باكستانية تملك محلا لبيع الجرائد والبقالة ‘ ‘دكان الزاوية’، وفي داخل سرد حيوات من يعيشون في هذه البيوت يجلب الكاتب الى الشارع كل تنوعات السكان في المدينة، عمال من بولندا، لاجئة تعيش في ملجأ للاجئين ممن ينتظرون قرار المحكمة ويعمل بعضهم بطريقة غير شرعية، حاضنات من دول اوروبا الشرقية، فنان من الموجة الجديدة ممن يحبون صدمة وملاحقة الاضواء ويعيشون في الخفاء، سيدة من الطبقة المتوسطة ممن غادرت الحي وتعيش مع زوجها في واحد من احياء لندن، لاعب كرة سنغالي اشتراه نادي مشهور بملايين الجنيهات. وخلف كل شخصية حكاية وقصة، ولكن قصص قاطني الحي وان تقاطعت في قدريتها الا ان كل شخص يعيش حياته الخاصة، ويلاحق وظيفته دون ان يكون لديه الوقت الكافي كي يلتفت الى جاره. المناسبة الوحيدة التي يلتقي فيها ابناء الشارع عندما يشعرون بالتهديد من العالم الخارجي، اي من خارج الحي، حيث تحضر الشرطة لتحقق وتطمئن السكان بانها ستوفر الامان لهم وستقبض على الفاعل. في ثنايا سرد لانكستر، نتعرف على القضايا التي تهم سكان البيوت، ومنها نتعرف على الهموم الوطنية التي تمر بها البلاد، والفضائح واهم من ذلك الحرب على الارهاب والجهاديين القادمين من اوروبا ومعهم الخطط لتفجير لندن، ولكن هناك حس رهابي في تعامل شرطة مكافحة الارهاب ـ ام اي فايف، والفرع الخاص- مع المشتبه بهم بجرائم الارهاب، ولهذا نجد نوعا من العشوائية في الاعتقال ومحاولات الابتزاز وتلفيق الاتهامات لخلق قضية وحفظ ماء الوجه. لندن في هوسها بالمال، ورهابها من الارهاب وخوفها من المهاجرين، واثر العالم الخارجي عليها تبرز بشكل حي، وسرد مكثف وعميق ينقل الينا التجربة ويربط من يعيش في لندن بأبطال الرواية، فيصبح القارىء جزءا من السرد ويصبح شارع ‘بيبس’ صورة عن شارعه، اي كل الشوارع التي يسكن فيها الاغنياء ‘نظريا’ ممن اثروا من تجارة البيوت، باستثناء من يسكنون في بيوت ‘البلدية’، اي فقراء لندن.

بيت رقم 42اقدم عائلة تعيش في الشارع هي عائلة لوثربي التي لم يبق منها سوى العجوز الثمانينية ‘بيتونيا’، الارملة التي رحل عنها زوجها البرت قبل خمسة اعوام. وبيتونيا هي الوحيدة التي ولدت في الشارع وعاشت حياتها كلها فيه وستموت فيه، وهي تمثل المرأة التي لم تتغير، سلوكا او نمطا حياتيا، فقد ظلت المرأة المطيعة، الكاتمة مشاعرها في حضور زوجها، البرت، البخيل، الذي لم يكن يريد انفاق اي مال لتحسين البيت وتغيير ادواته التي عفا عليها وتجاوزها الزمن. وسيموت ويترك سرا وراءه، قبلت بيتونيا الوضع وبعد وفاته لم تستطع ان تتغير او تعيش حياتها فقد ظلت مرتبطة بذكراه وظلت تستخدم نفس الاداوت التي تعود الى الخمسينيات من القرن الماضي، لون الجدران ظل كما كان باهتا، المفتاح والستائر، لكن المتغير دائما هو شكل الحديقة ونباتها وورودها. ولهذا عندما كانت تحضر الى بيتها ابنتها الوحيدة ماري المتزوجة من ميكانيكي ومالك خمسة ‘كراجات’- الان- تجد من الصعوبة التعامل مع ادوات البيت القديمة، خاصة عندما يتعلق بصنع الشاي، والمتغير الوحيد على حياتها هو قيام ماري بتأمين وصول المشتريات الضروية لها من ‘تيسكو’ وتوصيلها لها، في يوم محدد من الاسبوع بدلا من حضور ابنها غراهام (سميتي) الذي يعيش في لندن لشراء الحاجيات ومساعدة جدته. كأي عجوز تعيش بيتونيا حياة هادئة ان لم تكن مملة. في الجانب الاخر من الشارع، وفي بيت رقم 51 تعيش عائلة يعمل ربها في المدينة كمدير في بنك، روجر يونتس مع زوجته ارابيلا وابنيه كونراد وجوشوا، روجر دائما في عمله ولا يلتف لأمر البيت، فيما تنشغل الزوجة في الحفلات والسهرات والشراب وملاحقة آخر صرعات المودة وتغير بشكل مستمر ديكور البيت حسب تغير هوايات واهتمامات طفليها وحسب تغير أنماط الحياة. أرابيلا نفسها لا يهمها طفلاها الا بقدر، وفي أجواء عيد الميلاد تواجه مشكلة في الحاضنات، حيث ستسافر حاضنتها ولن تكون بقادرة على توفير اخرى من المكتب المتخصص في هذا المجال، روجر مهموم بالحصول على علاوة قبل أعياد الميلاد، عينه على مليون جنيه، حيث يريد الحصول عليها بمساعدة نائبه مارك، الطامح في أخذ مكانه، ارابيلا لديها خطة اخرى في عيد الميلاد لن يكشف عنها الا عندما يكتشف روجر مكافأته السنوية. في نهاية الشارع، وفي بيت رقم 68 يعيش أحمد كمال، مع زوجته روهينكا، وولديه فوق دكانه الذي يساعده في ادارته شقيقاه عصمان وشهيد. مثل كل أصحاب المحلات الصغيرة يعمل أحمد 7 ايام في الاسبوع وتقريبا 24 ساعة، حيث يبدأ برنامجه اليومي في الساعة الرابعة صباحا وينتهي في وقت متأحر من الليل، ويعاني من مزاج شقيقيه عصمان السريع الغضب والذي يقوم دائما بتغطية رف الخمر في المحل لأن بيعه حرام. احمد ليس متدينا مثل شقيقيه شهيد الشاب المشتت والذي لا يعرف ما يريد عمله في هذه الحياة، فقد ذهب الى الشيشان للجهاد، كسياحة ومن أجل التضامن مع الأمة. شهيد لا يحب العمل في دكان شقيقه، ويقدم رجلا ويؤخر اخرى كلما حان دوره لادارة المحل، ولم يعد متشددا كما كان، حيث يعيش في شقته التي حصل عليها من البلدية، ويقضي معظم وقته على الانترنت. نجم كرة قدمفي بيت رقم 27 سيعيش فيه فريدي، لاعب كرة القدم (17 عاما) صاحب اللمسة السحرية مع والده باتريك حيث سيحضران من السنغال، واختارا بيت مايكي ليبتون ـ ميلر، رجل اعمالهما، واختارا البيت كي يكونا قريبين من لندن ومن الاحياء التي يعيش فيها الافارقة، سيعاني الأب الذي لم يكن يحب لندن، لا جوها وطعامها او شوارعها وحضر مع ابنه ليدعم طموحاته ومستقبله، فقد ماتت والدة فريدي عندما كان صغيرا وبعدها تزوج والده باتريك بامرأة اخرى، وظل فريدي متعلقا به. على هامش الحي يعيش بودوغان (زبينغو) البولندي الذي يعمل بناء وجاء الى لندن كي يجمع بعض المال ثم يعود الى بلاده، ولهذا لا يتردد بقبول اي فرصة عمل، ودائما ما تستعين به ارابيلا للقيام بأعمال تحديث في بيتها، ولهذ كان جزءا من حياة الشارع. شخصية اخرى هي كونتينا اللاجئة من زيمبابوي التي تنتظر قرار المحكمة وتعيش في ملجأ مع مهاجرات كردية وعراقية وصينية وصومالية ترحل بسبب كذبها ومشاكلها. استطاعت كونتينا الحصول على هوية مزورة تمكنها من العمل كمراقبة لمواقف السيارات، وتفضل شارع ‘بيبس’ نظرا للحركة الدائمة فيه ولانها تقوم بتسجيل مخالفات المرور بشكل مستمر مما يعني مكافأت. ماتيا حاضنة هنغارية عاشت طفولة حزينة، ربتها جدتها ودرست الهندسة في بلدها وجاءت للندن بحثا عن الحب وفرصة عمل تجعلها غنية، ولم تحصل الا على وظائف متفرقة وتنتهي كحاضنة في بيت عائلة يونتس بالصدفة، فقد تركت ارابيلا زوجها في عيد الميلاد وذهبت مع صديقتها ساسكيا في عطلة كي تجعل زوجها يعرف قيمة حياة البيت وصعوبة رعاية الاطفال. من خلال هذه الشخصيات يجدل الكاتب قصصا تلقي ضوءا على حالة الخدمة الصحية المتراجعة والتي تعيش ازمة، في حالة بيتونيا التي تصاب بالسرطان وتموت وتترك البيت لابنتها، ووضع العمالة الرخيصة المتمثلة بشخصية زبينغو ومشاكل العمال المالية والعاطفية، وقضية استغلال الحاضنات في حالة ماتايا، واعتماد النوادي الرياضية على المواهب الرياضية، كما في حالة فريدي الذي دفع النادي عشرين مليون جنيه لشرائه، ثم يصاب في ركبته اصابة تقضي على حياته الرياضية لكنه يعود الى بلده السنغال بخمسة ملايين جنيه. وفي حالة عائلة كمال، هموم المسلمين من الزواج المرتب، وعلاقة الام والحماة وتسلط الام على الاولاد، وقضايا المسلمين والجهاد وخطب المساجد وتضامن المسلمين البريطانيين مع اخوانهم المسلمين، واعتقال شهيد بتهمة الارهاب واتهامه بالتخطيط لتفجير نفق شهير مع جهادي بلجيكي من اصل جزائري اسمه اقبال كان معه في الشيشان، حيث استضافه في بيته.

البطاقات الغامضةجمع لانكستر خيوط الرواية من خلال عقدة تقوم على رسائل يتلقاها سكان الشارع عبارة عن بطاقة بريدية غامضة ترسل لكل صاحب بيت وعليها صورة بيته وعليها عبارة ‘نريد ما عندكم’. ثم تتحول الرسائل التى حملة تتميز بالقذارة حيث يتلقى الناس ظروفا فيها براز واخرى فيها طيور ميتة. وبعد رحلة تحقيق يقوم بها المفتش ميلز يكتشف ان من يقف وراءها مساعد غراهام ‘سميتي’ الفنان الغامض، واسمه باركر الذي طرده سميتي من العمل معه. كان باركر يريد ان يكون فنانا مثل سميتي، وجاء طرده ليقضي على احلامه، ولكن ما الربط بين الشارع وسميتي، الربط هو ان الاخير عاش مع جديه. باركر وكاميراه يمثلان حس الدولة البوليسية التي تراقب حركات الناس في كاميرات مزروعة في كل مكان. في مآلات القصة ينتهي روجر مطرودا من عمله بعد ان استغل نائبه مارك المركز وقام بعمليات اختلاس، تموت بيتونيا بعد رحلة عذاب مع المرض وتقرر ماري بيع البيت، وقبل ان تبيعه تقوم باصلاحه وتعطي زبينغو العمل، واثناء عمله يكتشف زبينغو حقيبة مليئة بالاوراق المالية من فئة العشرات خباها البرت في مكان سري. زبينغو يظن انه عثر على كنز العمر ـ نصف مليون جنيه- وبعد رحلة صراع مع نفسه ومع المبلغ وحيرته حول كيفية غسله يقرر تسليم الحقيبة لمالكتها الحقيقية، ما فيها من الاوراق النقدية لا قيمة لها لان بنك انكلترا الغى التعامل بهاـ في النهاية يتعرف زبينغو على ماتايا التي استغنت عائلة روجر عن خدماتها وكلاهما يتأثر بالازمة الاقتصادية، ومثل بقية المهاجرين يقرران البقاء في لندن، اما كونتينا فتنتظر في مركز الترحيل، ويواصل ابناء كمال خلافاتهم. فيما يبيع روجر بيته بثلاثة ملايين جنيه ويرحل وعائلته من الشارع. هذه قصة شارع ‘بيبس’، وسكانه الذين عاشوا في ظل الخوف من ارهاب ‘نريد ما عندكم’ تماما مثلما تعيش لندن الخوف من الارهاب الاسلامي، ومع الخوف تظهر قصص المحظوظين والبائسين.CapitalJohn LanchesterFaber & Faber. 2012 ناقد من اسرة ‘القدس العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية