أنطاكيا – «القدس العربي»: قد تعكس التحذيرات الأردنية الأخيرة من تصعيد محتمل عند حدودها مع سوريا، مخاوف حقيقية من التهديدات التي يمثلها زيادة تواجد الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني في الجنوب السوري. ولا يمكن قراءة التصريحات الأردنية التي جاءت على لسان العاهل الأردني عبد الثاني خلال مقابلة أجراها مع معهد هوفر في جامعة ستانفورد الأمريكي، بمعزل عن التغييرات التي تسجلها الخارطة العسكرية السورية، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
ومن واشنطن، قال عبد الله الثاني، «للأسف أمامنا تصعيد محتمل على حدودنا، لأن إيران ووكلاءها سيملؤون الفراغ الحاصل عن الانسحاب الروسي إذا حصل من هناك». وأضاف أن الوجود الروسي في جنوب سوريا كان يشكل مصدراً للتهدئة، وأردف: «نحن نريد أن يكون الجميع جزءاً من الحل في الجهود المبذولة لانطلاقة جديدة للشرق الأوسط، لكن لدينا تحدّيات أمنية على حدودنا».
اتفاق سابق
وحول الرسائل التي أراد الأردن إيصالها من خلال هذه التصريحات، يرى الباحث في مركز «نما للأبحاث المعاصرة» محمد بقاعي، في حديث لـ»القدس العربي» أن الأردن يعيش في حالة من القلق نتيجة عدم التزام الأطراف الدولية بتطبيق الاتفاق الأمريكي – الروسي – الأردني، الذي جرى التوقيع عليه في تموز/يوليو 2017. وكانت الولايات المتحدة وروسيا والأردن قد توصلت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جنوب غربي سوريا بين قوات النظام السوري وفصائل المعارضة، لكن لم تنشر بنوده علانية رغم حديث بعض المحللين عن بنود واشتراطات لا إثبات لها.
وطبقاً للباحث، استفاد النظام السوري من هذا الاتفاق وبسط سيطرته على الجنوب السوري في صيف العام 2018، باعتبار أن روسيا هي الضامن لأمن المنطقة، وعليها التزامات تخص انتشار الميليشيات المدعومة من إيران. ويستدرك بقاعي، لكن مع ذلك لم يشهد الجنوب استقراراً، والميليشيات سجلت حضوراً هناك، ومع ذلك كانت روسيا الطرف الفاعل الأبرز، إلا أنه مؤخراً بدأ الدور الروسي يتراجع مع انشغال موسكو بغزوها أوكرانيا، وخصوصاً بعد الأنباء المتواترة عن سحب الكرملين بعض وحداته العسكرية من سوريا إلى جبهات أوكرانيا الملتهبة حسب قوله. وبذلك، يريد عبد الله الثاني، من وجهة نظر الباحث، أن يذكر واشنطن بالاتفاق السابق، وخصوصاً أن عمان كانت مهتمة بالاتفاق لعدة اسباب ، منها الحد من تواجد الميليشيات المدعومة من إيران عند حدودها، إذ ترى في ذلك تهديدات لأمنها القومي. ورغم ذلك، يعتقد بقاعي أن واشنطن لا تستطيع تقديم أي شيء في الجنوب السوري، وليس أمام الأردن إلا الضغط على موسكو في سبيل تنفيذ مفاعيل الاتفاق السابق.
ويتفق مع بقاعي، المحلل السياسي سامر خليوي، ويقول: إن تصريحات العاهل الأردني الآن عن خطر التمدد الإيراني في الجنوب هي موجهة للروس أولاً، حيث ترى عمان في الوجود الروسي في سوريا عامل أمان واستقرار، رغم مسؤولية روسيا عن الدمار والجرائم التي ارتكبت بحق السوريين. وإلى جانب روسيا، يعبر الأردن بهذه التصريحات عن امتعاضه من زيادة عمليات تهريب المخدرات انطلاقاً من الحدود السورية، وهنا يقول خليوي: « لا يثق الأردن بجيش النظام، وهناك تصريحات أردنية سابقة تؤكد تورط قوات النظام السوري في عمليات التهريب هذه».
ويتهم خليوي الاردن بأنه أعطى الموافقة على العملية العسكرية الروسية في الجنوب السوري لقمع ثوار درعا، قبل أن يطالب بتنفيذ الاتفاق مع روسيا لطرد القوات الايرانية بعيداً عن حدوده. لكن الكثير من المراقبين المحايدين يرفضون هذه الاستنتاجات المبنية على معلومات لا تعدو كونها «شائعات»، فلا يوجد أي موقف أردني رسمي او حتى مسرب ذو مصداقية، اعطى الموافقة على «عملية لقمع ثوار درعا»، وكل ما يقال عن شروط وبنود في الاتفاق الاردني الامريكي الروسي مجرد افتراضات اذ ان الاتفاق لم تنشر بنوده لحد اليوم، ولا تعدو التصريحات التي اطلقها بعض قادة الفصائل المعارضة والتي حملوا فيها الاردن المسؤولية سوى محاولة مكررة لتحميل العامل الخارجي الاخفاقات المتكررة خصوصا تلك المتعلقة بثقتهم ب»الضامن الروسي»، فالاتفاق الذي كانت الاردن طرفا فيه مجرد تفاهم لوقف اطلاق النار كان محددا بفترة زمنية معينة ولم تنشر اي بنود له، وكل الحديث عن بنود تضمن ضمانات روسية للاردن بالحد من الميليشيات الايرانية لا يوجد ما يدعمها من مواقف روسيا المعلنة او سياساتها الخارجية سواء في سوريا آو المنطقة، كما ان اتهامات اطراف المعارضة تنطلق بناء على طبيعة علاقاتهم ومصالحهم مع هذه الدولة او تلك، ففي حالة تركيا كانت انقرة طرفا ضامنا في اتفاق المناطق الامنة، ولا يعني استعادة النظام لثلاثة من هذه المناطق ومعظم محافظة ادلب، ان تركيا وافقت على ذلك في الشمال، كما يقال بالنسبة للاردن في الجنوب، ففي حرب كهذه في سوريا، يكون للتوازنات العسكرية على الارض القول الفصل وليس هكذا اتفاقات.
المفارقة
وتبقى المفارقة أن معظم فصائل المعارضة في الجنوب السوري وناشطيهم كانوا أكثر من تحمس ل»الضامن الروسي» وانه سيحميهم من تمدد النظام السوري، وانخرطت بعض القوى المعارضة في اتفاقات مع الجيش الروسي وتم تشكيل الفيلق الخامس، قبل ان يستعيد النظام بدعم روسي تلك البلدات المحمية باتفاقات مع الروس، و يتبين وهن تقديرات فصائل المعارضة السورية.
الكاتب والمحلل السياسي حسن النيفي يقول لـ»القدس العربي»، إن تصريحات العاهل الأردني تعكس قلقاً أمنياً حقيقياً، وهي ليست رسائل إلى أطراف أخرى، حيث تخشى عمان من تسرب النفوذ الإيراني إليها. ويضيف النيفي، أن الأردن انطلق في تعامله مع الجنوب السوري وفق مصالحه، كما هو حال تركيا في الشمال السوري، موضحاً أن «تعامل الأردن وتركيا مع الروس كان وفق مصلحة الجانبين، وليس وفق المصلحة السورية، فالأردن يخشى من تمدد الميليشيات المدعومة إيرانياً عند حدوده، وكذلك ليس من مصلحة أنقرة وجود ميليشيات تابعة لـ»العمال الكردستاني» عند حدودها أيضاً». وقبل أيام، اتهم العميد في المخابرات الأردنية عمر رادار النظام السوري وإيران بالمسؤولية عن عمليات التهريب في المنطقة الحدودية، قائلاً إن «صراع مراكز القوى في أوساط القيادة العسكرية والأمنية في سوريا، بما فيها صراعات مرجعية الولاءات الإيرانية الروسية، تقف وراء استهداف الأردن بعمليات تهريب المخدرات».