الوضعيات الأبستمولوجية لكتاب «في أنواعية الشعر» لرشيد يحياوي

تراهن كتابات رشيد يحياوي، أستاذ التعليم العالي في جامعة ابن زهر في أكادير، على مد جسور التواصل بالتراث العربي والإنساني، ولعل هذا الرهان هو ما جعل صاحب كتاب «التبالغ والتبالغية، نحو نظرية تواصلية في التراث» يحصل على جائزة المغرب في صنف الدراسات الأدبية واللغوية والفنية لسنة 2015.
وقد عمل رشيد يحياوي على التقصي والبحث في ما نعتقد أنه صلب ونهائي عبر كتابه الجديد الموسوم بـ»في أنواعية الشعر» الصادر حديثا في طبعته الأولى عن الدار العربية للعلوم ناشرون، في مساحة تتجاوز 200 صفحة. تصنيف الشعر إلى أنواع مخصوصة رهان نقدي يرتبط بهوية الشعر كفاعلية إبداعية معبرة عن الحياة العربية، وعن الشعر كأصل لا ينضب لتطور الأساليب التعبيرية واللغوية. والصلة الفريدة بين هذا القول الإبداعي المخصوص وبين النوع كمحدد لفاعليته الخلاقة ترتبط بالشعر كوجود رمزي يكشف رؤى وتجارب حياتية وميثولوجيات لعلاقة الإنسان بالعالم. لذلك كانت الحاجة ملحة للبحث في جينالوجيا الشعر بوصفه خطابا أنواعيا، وكشف الوضعيات الأبستمولوجية المرتبطة بمساءلة الأنواعي الداخلي للشعر بعيدا عن الرؤى التراجيدية المحددة للأجناسية الكلاسيكية الشعر/النثر.
وقد اختار رشيد يحياوي في كتابه «في أنواعية الشعر» أن يواجه هذا الاشكال عبر فصول ثلاثة تساجل إشكال الأنواعية ارتباطا بالمقترحات الغربية والعربية، وارتباطا بمطلب الأنواعية في الشعر، وبالمسار التاريخي لعلاقة الشعري بالنثري. وارتباطا بالمشروع النقدي لرشيد اليحياوي الذي عبر عنه في جل كتاباته، وعلى نحو خاص في كتابه الأول الموسوم بـ «الشعرية العربية: الأنواع والأغراض»، وكتابه «مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية»، وكتاب «شعرية النوع الأدبي والشعري والنثري».
وبصدد هذا الإشكال وما يتفرع عنه من تصورات ابستمولوجية اختار رشيد يحياوي الانطلاق من الميراث الفكري النقدي الذي تركه أرسطو مرورا بالكلاسيكية والرومانسية مستحضرا المنعطفات النقدية لجيرار جينيت، وبول فان تيغيم، وفراي، وباختين، وياكبسون، وتودرورف، وجان ماري شيفر، ورينيه وليك وغيرهم.
هذه القواعد ستجد طرقا تأويلية في تصنيفات النقاد العرب أمثال، محمد مندور وعز الدين اسماعيل ومحمد غنيمي هلال ومحمد بنيس وعبد الفتاح كليطو. وتكشف هذه الرؤى التي تغدي الإشكال الأساس للكتاب، أهمية مطلب النوع أو الأنواعية كمصطلح اختاره رشيد يحياوي ارتباطا بمرجعياته النقدية. والأنواعية كطاقة تمكن المتلقي من ممكنات الشعر الفنية والجمالية، تكشف في هذا الكتاب قوتها الابستمولوجية لتساهم في الحفر في تاريخية المفهوم والتباساته في الوقت نفسه.
فمفهوم الشعر لدى أرسطو يؤشر إلى الأجناس الأدبية بوصفها أعلى، والنوع يترتب بعد الجنس، وهذا التباين بين الجنس الأدبي والنوع الأدبي يوضح ماهية جنس الشعر سواء كان في شكله الغنائي أو الرعوي أو التروبادور. فلدى أرسطو الشعر هو ما كتب شعرا أو كتب بواسطة النظم، ويضم ثلاثة أجناس وهي، الدراما بشقيها التراجيديا والكوميديا، والغنائية، والملحمة. ويصنف أرسطو الأجناس حسب الموضوع ونستدل عليه بسؤال ماذا، والطريقة ونستدل عليها بسؤال كيف، والوسيلة ونستدل عليها بسؤال لماذا. ففي الدراما نستخدم طريقة التمثيل أو المحاكاة، وفي الملحمة نستخدم طريقة السرد. وسواء ارتبط الأمر برؤى أرسطو الذي يعد الشعر قائما على ما هو كلي، بينما يعد التاريخ قائما على ما هو جزئي، أو أفلاطون الذي كان يميز بين الأجناس الأدبية بحسب سؤال من يتكلم: أيتكلم شاعر باسمه الخاص أم ينوب عن الآخرين في الكلام.
فإن حيوية الإشكال ترتبط بهذه الطاقة المولدة للأسئلة، وهي المحرك لماهية الشعر ولما سماه رشيد يحياوي بمطلب الأنواعية في الشعر. وهنا مرة أخرى سنجد أنفسنا أمام موضوعات الشعر وأغراضه، فمن يدخل حرم الشعر العربي لابد أن تصادفه الأغراض المهيمنة في التجارب الشعرية القديمة منذ العصر الجاهلي وما يرتبط به في عوالم الصحراء والقبيلة الحاملة لميثولوجيا الحماسة والفخر مقابل ما يهدد الوجود الإنساني وما نتج عنه من قصائد الرثاء. والتداخل بين الأغراض سمة مميزة لهوية الشعر العربي القديم، لكن البحث في بلاغية الشعر ارتباطا بممارسات نصية على امتداد فترات تاريخية حديثة متباينة سيساهم في نهاية مقولات الأغراض القديمة مقابل استبدال بدائل على نحو ما قدم جبران خليل جبران، واستبدال محتوى بمحتوى على نحو ما قدم حافظ ابراهيم.
ولابد من استحضار تحولات اللغة بوصفها حاملة للوعي الشعري العربي، والصلة القوية بين بنية اللغة و»أنواعية» الأغراض الشعرية، وما نتج عنها من تصنيفات زمرة النقاد القدامى والجدد تحتاج إلى مقاربات جديدة على ضوء مستجدات الآداب والعلوم الإنسانية طالما أن اللغة تشكلت بموازاة الفعل الشعري الخلاق، ليس على مستوى الأساليب وصيغ التركيب فقط ولكن نحو جذرها القادر على تسمية المجهول والقدرة على اشتقاق الأفعال، وخلق المعاني في الفضاء الرحيب.
ميثولوجيا الشعر ارتبطت بما يمكن تسميته بالواقعية الشعرية المرتبطة بالخيمة والناقة والفرس وجعجعة الحروب وبأمجاد الأسلاف، وحيوية القصيد بما يحمله من آليات التصوير وفن العيش وملاحم المعارك في البيئة القاسية. ولعل هذا الأمر هو ما جعل الكاتب رشيد يحياوي يعد النص الشعري التراثي نمطا جامعا للأنواع من جهة، وقابلا للنمذجة الشكلية من جهة أخرى، رغم أن التصنيفية الأغراضية القديمة لم تكن سوى محتمل واحد من محتملات أخرى، على حد تعبير الكاتب الذي عمل على تقصي حضور المقومات السردية في الشعر، ارتباطا بأسئلة حارقة من قبيل: هل هناك شعر بحت يخلو من السرد؟
ألا يوجد شعر بحت يهيمن عليه السرد؟هل من اللازم أن يحدد الشعر بهيمنة الإيقاع والموسيقى؟ ما القول في قصيدة النثر والقصة القصيرة جدا، وهل بعض نماذجها» قصة – قصيدة» أم «قصيدة – قصة»؟
وسيفضي التقصي النقدي إلى تلمس منعطفات التحول ارتباطا بهذه الأسئلة وغيرها، سواء لدى النقاد العرب القدامى مثل حازم القرطاجني في حديثه عن السرد الشعري اليوناني بقوله «مدار جل أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون أحاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود، وكانت لهم أيضا أمثال في أشياء موجودة نحوا من كليلة ودمنة ونحوا مما ذكره النابغة من حديث الحية وصاحبها. وكانت لهم طريقة أيضا وهي كثيرة في أشعارهم يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه، وتنقل الدول وما تجري عليه احوال الناس وتؤول إليه» ص 76 من الكتاب.
وسواء ارتبط الأمر بالتقصي النقدي في تمفصلات الشعري والنثري أو أسئلة قصيدة النثر فإن السياق الأنواعي تبعا لرؤية الكاتب يجعلها مطلبا أبستمولوجيا.غير أن القول بكون الأغراضية الحديثة قد عجزت عن احتضان مختلف الأشكال والأنواعية الشعرية نتيجة لطغيان الجزئية على النمذجات التي كانت تخدم مقاصد بعيدة عن البنيات المتحكمة في استراتيجية الغرض الشعري يقتضي الإصغاء لمطلب الحرية وما يعترضها من مشاكل إبستمولوجية بما نملكه من شعر. وتأثير الغنائية واضحا على الشعرية في سياقها العام والخاص. ونقصد بذلك الشعرية العربية، وهو ما يبرر عدها مرتكزا ومدخلا أنواعيا من لدن رشيد يحياوي الذي استحضر من جهة صيغ الفهم النقدي لقصدية المصطلح، سواء لدى الكاتب الروسي ن.أي..دوبروليوبوف والباحثة الألمانية كيت همبورغر، أو لدى طه حسن وعبد القادر القط ومحمد مندور وأدونيس، ومن جهة أخرى» أفق الانتظار» كموجه للمتلقي نحو الشعر والاشعر.
وسيقودنا الإصغاء لأنواعية الشعر إلى فصل ينفتح على الشائك والمدهش لأنه يحمل أسئلة حارقة حول علاقة الشعري بالنثري، ليس على نحو ديالكتيكي لأن الباحث يتحول في المبحث الأول إلى جينالوجي يبحث في المسار التاريخي لهذه العلاقة، مستحضرا من جديد أرسطو، والإرث الشكلاني، والناقدة الأمريكية جوان هوليهان، والأيقونة الشعرية أنسي الحاج من خلال عمله الشعري «لن». وهنا تبدو الانعطافة نحو إشكالية الوزن مبررة ابستمولوجيا. (وأكيد أن الموسيقى ليست هي الوزن، فالأولى جدر أساس في الكلمة الشعرية، أما الوزن فهو في الشعر العربي البحور الشعرية التي حددها الخليل بن أحمد الفراهيدي والأخفش من خلال بحر المتدارك). وستفضي منعطفات التأمل النقدي إلى رصد الوضع الأنواعي للشعر في تاريخيته المدهشة، وإلى رصد العلاقات التفاعلية بين الأثر التخييلي السردي وأسئلة الكينونة، في مبحث موسوم بالشعري وسرود النثر مستحضرا نماذج مشرقة لتوظيف الشعري في السرد النثري. غير أن أبواب الأسئلة الحارقة تظل مشرعة كلما توغل رشيد يحياوي في دروب الأنواعية وفي وظائفها الخلاقة. وعلى نحو خاص علاقة الصياغة الشعرية بالكتابة السيرية، والصياغة الشعرية والتشكيل الفني للفضاء.
إن اللغة حية وعضوية بتعبير نوفاليس وهي من ثم تحمل طاقتها التعبيرية الأصيلة. ولقد كانت اللغة النقدية والرؤية الابستمولوجية لرشيد يحياوي محددة ومنجزة لطموحها في روابطها وعلاقاتها المخبأة والمكشوفة التي مكنتنا من ملامسة التطور الثري للأنواعية التي أفضت إلى رصد المتصل والمنفصل في علاقة الشعري بالنثري، ليجعلنا رشيد يحياوي عبر تفاصيل كتابه «في أنواعية الشعر» نتخلص من الرؤية الطوباوية المحددة لماهية الشعر أو النثر، ونحمل أسئلة التمرد اتجاه المعهود النقدي.

كاتب مغربي

عبد السلام دخان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية