في شهادة شيرين أبو عاقلة انتصار لرواية فلسطين وذعر المحتل من عنفوان شعب وحزنه العارم

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في أعقاب جريمة قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة، 51 عاما في جنين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، حاولت إسرائيل إدارة الأزمة وامتصاص ردود الفعل العالمية برمي التهمة على الفلسطينيين، وأن رصاص المسلحين هو الذي قتلها، ووزعت وزارة الخارجية الإسرائيلية لقطات فيديو تظهر مسلحا فلسطينيا يحمل بندقية في زقاق بمخيم جنين وهو يصوب على شيء غير محدد، لكي تكشف منظمة حقوق إسرائيلية أن اللقطات غير صحيحة وان القناص الفلسطيني المزعوم كان بعيدا عن مكان مقتل الشهيدة أبو عاقلة.
ومنذ الجريمة في يوم الأربعاء 11 أيار/مايو كشفت قناة «الجزيرة» أدلة وشهادات الصحافيين الذين كانوا معها تثبت أن الرصاص الذي أنهى حياة صحافية بارزة قضت 25 عاما من حياتها في تغطية أحداث فلسطين هي إسرائيلية والقناص إسرائيلي.
ورغم فداحة الجريمة وحديث الجيش الإسرائيلي عن تحقيق إلا أنه تنصل يوم الجمعة من إجراء تحقيق في ظروف مقتلها. في وقت خسر فيه الائتلاف الحاكم بزعامة نفتالي بينيت أغلبيته وبات على حافة الانهيار، مع أنه حاول تحميل الفلسطينيين المسؤولية، وتمييع القضية بحديث حكومته عن تحقيق مشترك ومطالبة السلطة الوطنية بتسليم الرصاصة لفحصها وما إلى ذلك. وزاد الاحتلال على جريمة القتل، جريمة أخرى وهي انتهاك حرمة جنازة ونعش الشهيدة عندما حمله المشيعون على أكتافهم من المستشفى الفرنسي باتجاه كنيسة الروم الأرثوذكس وتمزيق العلم الفلسطيني الذي لف به النعش.
فحرمة الميت وتكريمه في دفنه مصونة في كل الأعراف الإنسانية والدينية، لكن إسرائيل القوية لا تزال خائفة من الفلسطيني الذي حاولت السيطرة عليه وابتلاعه طوال العقود الماضية. ولاحظ ميرون رابوبورت في موقع «ميدل إيست آي» (18/5/2022) أن إسرائيل انتهكت حرمة الجنازة لان شيرين فلسطينية، والفلسطيني في عرفها، لا يعد إنسانا له حقوق تحترم. وأشار لمفارقة قوة إسرائيل اليوم وضعف الفلسطينيين الذين تحولت سلطتهم المفترض أنها ستحقق لهم حلم الدولة الفلسطينية إلى مجرد متعهد أمني لإسرائيل. وكيف تسامحت إسرائيل مع الأعلام الفلسطينية في القدس أثناء جنازة فيصل الحسيني في2001 وحاولت قمعها أثناء تشييع جنازة أبو عاقلة. وقال إن إسرائيل كانت تعرف ما تفعل عندما أرسلت شرطتها المدججة لتخريب جنازة صحافية قتلت أثناء أداء الواجب. وكانت تريد إرسال رسالة أن المقدس – حرمة الميت- عند الفلسطينيين لا يعتبر مقدسا عند إسرائيل وشرطتها، وهذه مبالغة في محاولات المحو للفلسطيني والغطرسة التي لا تعلوها غطرسة.

العالم لن يتحرك

وتعرف إسرائيل أن العالم لن يتحرك أبعد من الشجب الشديد أو الغامض كما بدا في موقف الإدارة الأمريكية لجو بايدن الذي أكد حالة الذهول التي اتهمه بها الرئيس السابق دونالد ترامب، عندما سئل عما حدث في القدس «لا أعلم» قال. أو تصريحات وزير خارجيته آنطوني بلينكن الذي وصف اعتداء الشرطة على نعش شيرين الذي كاد أن يفلت من أيدي حملته بـ«التدخل».
وما هو واضح أن إسرائيل لم تكن تبالي بكارثة العلاقات العامة ولا إهانة ملايين الفلسطينيين ومئات الملايين من العرب ومثلهم في العالم الذين كانوا يتابعون كل شيء، فهي تعرف كما قالت إليزابيث تسيركوف في صحيفة «الغارديان» (16/5/2022) أن ثقافة الإفلات من العقاب هي قاعدة بالنسبة لها. ولم تواجه إسرائيل أبدا تداعيات ما ارتكبته على مدى السنوات الأخيرة في الأراضي المحتلة. ويعرف اليمين المتطرف ان أي خطوة لمحاسبة القناص القاتل ستقلب المعادلة السياسية وتخل بالتحالف بين الساسة واليمين الديني المتطرف. وليس غريبا أنها سمحت لهم باقتحام الأقصى بعد أيام من جنازة أبو عاقلة، وكيف كافأت الخارجية الأمريكية اليمين بشطب جماعة مائير كاهانا عن قائمة الجماعات الإرهابية الأجنبية.
وفي إسرائيل اليوم يتحول الجندي الذي يقتل فلسطينيا إلى بطل في أوساط اليمين، هل تذكرون إيلور أزاريا الذي قتل فلسطينيا مقعدا في عام 2016 ولم يقض سوى تسعة أشهر في سجن عسكري. ولم تفعل أمريكا شيئا عندما قتلت إسرائيل مسنا فلسطينيا أمريكيا قيد وكمم ووضعت العصابة على عينيه ثم مات متأثرا بنوبة قلبية بعد وقت قصير. وما حدث في جنازة أبو عاقلة هو جزء من هذه الممارسات بل ومحاولة تأكيد الهيمنة على القدس ومحو أي أثر للهوية الفلسطينية فيها. وخصصت إسرائيل في 2018 ملياري شاقل لزيادة «السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية» وركزت على المناهج التعليمية هناك وشطب الرواية الفلسطينية عن النكبة.

معاداة السامية

ورغم تحرك 50 نائبا في الكونغرس معظمهم من الديمقراطيين طالبوا وزارة الخارجية ومكتب التحقيقات الفدرالي بالتدخل والتحقيق بمقتل المواطنة الأمريكية شيرين أبو عاقلة، وهو ما أورده موقع «ذي انترسيبت» أولا في 16/5/2022 إلا أنه لا أمل في أي تحرك ملموس. وقد أورد نفس الموقع في اتهامات مسؤولة إسرائيلية لنائبتين مسلمتين وناشطة فلسطينية-أمريكية بمعاداة السامية، قائلة إن الغضب على مقتل أبو عاقلة «متجذر بالعنصرية المعادية لليهود». وقال روبرت ماكي في «ذي انترسيبت» (20/5/2022) إن مبعوثة معاداة السامية نوا تشبي التي عينها في هذه المهمة وزير الخارجية يائير لابيد الشهر الماضي ركزت في هجومها على النائبتين رشيدة طليب وإلهان عمر والناشطة بيلا حديد. وجريمة هؤلاء هي الدعوة للتحقيق في جريمة القتل. وفي شريط مضلل على منصات التواصل الاجتماعي قالت تشبي إن العنصرية تفسر الغضب على جريمة القتل. وحاولت الترويج لفكرة أن هناك صحافيين يقتلون كل أسبوع في أنحاء العالم بدون أن يثير قتلهم الغضب الذي رافق قتل أبو عاقلة. واستندت على تقرير للفدرالية الدولية للصحافيين قائلة إن أكثر من 2.600 صحافي قتلوا منذ عام 1990. وقالت إن أبو عاقلة هي الأولى من صحافيي «الجزيرة» الذين قتلوا في الأراضي المحتلة، مع أن القناة خسرت 12 صحافيا منذ إنشائها. وما لم تقله المسؤولة الإسرائيلية هو أن أبو عاقلة هي واحدة من 50 صحافيا فلسطينيا قتلتهم إسرائيل منذ التسعينات. و«لم يتم التحقيق في تصرفات الجيش الإسرائيلي» كما ورد في التقرير الذي أعده عام 2015 يونس مجاهد واستندت عليه المسؤولة. وركزت على طليب وعمر متناسية أن 50 عضوا في الكونغرس وقعوا على رسالة للخارجية وأف بي آي، طالبوا بالتحقيق بمقتل المواطنة الأمريكية. ولم تذكر أن 126 فنانا وموسيقيا من هوليوود وصفوا إسرائيل بدولة الفصل العنصري وطالبوها بتحمل مسؤولية قتل أبو عاقلة ومحاسبتها على قتل مدنيين فلسطينيين. ومن هؤلاء المخرج بيدرو ألمودفار والممثلة سوزان ساراندون وإريك كانتونا ومارك رافلو والكاتبة نعومي كلاين وغيرهم.
ومشكلة إسرائيل وداعميها أن الفلسطيني ليس موجودا إذا كان القاتل إسرائيليا، وهو موجود إن كان القاتل فلسطينيا. وكما أوردت أروى المهداوي في صحيفة «الغارديان» (17/5/2022) فالفلسطينيون ليسوا موجودين»إلا إذا كانوا متشددين أو مسلحين أو إرهابيين أو حماس، ولا أحد يجادل في وجودنا عند هذه النقطة ولا أحد يجادل في طبيعتنا الوحشية والإرهابية. ولا جدال في وجودنا عندما نكون هدفا للشجب، فنحن موجودون عندما نكون محلا للنقد ولكننا لا نوجد عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان. فلا يوجد هناك سلام في إسرائيل/فلسطين لأن الفلسطينيين هم إرهابيون لا يريدون السلام، كما يقول سرد سائد. ولا شك في هذا لأن الفلسطينيين هم أمر خيالي وفلسطين فكرة مختلقة. فنحن موجودون وغير موجودين، وهو أمر معقد».

أبو عاقلة والهوية الثابتة

ورأت المهداوي أن تجربتها كفلسطينية في الشتات فرضت عليها التحرك وسط تحيزات ونظرات شك عندما تذكر «فلسطين» فهي ليست موجود أو أنها تتخيل وجودها. وتقول إن عائلتها التي انتقلت إلى نيويورك ظلت تذكر بالإرهاب الفلسطيني حتى في اجتماعات سكان عمارة، وكطالبة حقوق ظلت تستمع لنكات عن الإرهاب الفلسطيني. وسكنها حس بتجنب ذكر هويتها كلما سئلت عن مكان ولادتها، إلا أن أبو عاقلة «لم يكن لديها أي من هذه الهواجس فقد كانت تجسد الشجاعة. وكانت مراسلة الجزيرة المحبوبة جزءا رئيسيا من شاشات التلفزة لمدة ثلاثة عقود، وكانت تنهي تقاريرها بعبارة (شيرين أبو عاقلة، القدس، فلسطين المحتلة) ولم تكن بحاجة لإخفاء كلامها أو تعتذر عن وجودها بل وقول الحقيقة». بل وزادت على هذا بتحولها إلى موثقة التشرد، صوت الفلسطينيين ورمز فلسطين. و«كانت تذكيرا دائما أن الفلسطينيين ليسوا مفهوما فلسفيا مجردا، وجودهم محل نقاش بل وبشر يستحقون الكرامة. وبالنسبة لفلسطينيي الشتات فقد كانت أبو عاقلة شريان حياة، وقد ذهبت الآن». وأشارت إلى الطريقة التي دنس فيها صحافيو الغرب أو بعضهم ذاكرتها
عندما نقلوا خبر وفاتها من خلال الحديث عنها بصوت خانع وموهوا موتها بالإشارة إلى «مواجهات» ومنحوا مصداقية للسرد المتغير من الحكومة الإسرائيلية الذي اعتبروه أفضل من رواية شهود العيان. وقلل الساسة الغربيون من وفاتها عبر مواقفهم المبتذلة بدلا من المطالبة بالمحاسبة الحقيقية. وقامت الشرطة الإسرائيلية بتخريب جنازتها وضرب المشيعين وحاولت نزع العلم الفلسطيني من على نعشها و«لم يكن كافيا أن يموت صوت فلسطين بل يجب محو صورة فلسطين أيضا». وإذا تجرأت إسرائيل على انتهاك حرمة جنازة صحافية محبوبة، فماذا يحدث بعيدا عن عدسات الإعلام كل يوم للفلسطينيين العاديين؟ تذكروا جنين التي لم تتوقف عنها المداهمات الليلية طوال شهر رمضان وحتى مقتل أبو عاقلة وبعده.

عناصر الوحدة

أكملت شيرين أبو عاقلة رحلتها في التوثيق المستمر للمعاناة الفلسطينية بتوحيدها الفلسطينيين جميعا، مسيحيين (اتحدت طوائفهم في تشريف ذاكرتها) والمسلمين، من مختلف توجهاتهم السياسية والأيديولوجية. وأحبها الجميع لأنها كانت مخلصة في نقل معاناتهم. ولخصت رحلتها بالقول «اخترت الصحافة لكي أكون قريبة من الناس» و «ربما كان من الصعب تغيير الواقع ولكني أستطيع على الأقل تقديم أصواتهم للعالم». وما كانت تهتم به أكثر هي القضايا التي تمس حياة الفلسطينيين، كبيرة أم صغيرة. لكل هذا تحولت إلى نموذج وتكرر وصفها بالأيقونة، مع أن هذا المعنى لا يعطي وصفا كاملا لها أو لحياتها، وتحولت إلى نموذج تحتذي به الفتيات الطامحات. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» (13/5/2022) شهادات عن زملائها في المهنة وتقليد الفتيات الشابات في غرف نومهن أداءها أمام الكاميرا. ولم تكن أبو عاقلة مجرد صحافية ترمي نفسها في المخاطر بل كانت حريصة على سلامة فريقها قبل أن تقف أمام الكاميرا وتبدأ بالحديث. وتقول فاطمة عبد الكريم، الصحافية الفلسطينية بمقال نشرته مجلة «كريستيان ساينس مونيتور» (18/5/2022) ووصفت فيه أبو عاقلة بالزميلة والمرشدة ونصائحها: «لا جدوى من تعريض أنفسنا للخطر، كانت شيرين تقول لنا نحن الصحافيين الأصغر سنا باستمرار. وتؤكد أن الشجاعة في الصحافة تأتي فقط من خلال تحري الحقيقة» وهو ما جعلها صوتا موثوقا للفلسطينيين والعرب في جميع أنحاء العالم. وغيرت الشهيدة «الرائدة» الرؤية عن الصحافية في العالم العربي باعتبارها مراسلة وراء مكتب، وكان خروجها إلى الميدان بمثابة كسر لهذه النمطية وشقت الطريق لعشرات النساء العربيات لاتباعها.
أزعجت شيرين أبو عاقلة المحتل أثناء الانتفاضة الثانية، فقد كانت تقاريرها بمثابة نشرات إخبارية عن حالة الجو وحركة السير اتبعها طلاب الجامعات والعمال الذين كانوا يعرفون منها كيفية التحرك عبر نقاط التفتيش الكثيرة. وأصبح توقيعها الشهير «شيرين أبو عاقلة، الجزيرة، رام الله» رمزا لها وتحركاتها في مدن فلسطين المحتلة. وتقول عبد الكريم: «كنت أسمع القوات الإسرائيلية تستخدمه من حين لآخر عند إعلان حظر تجول عبر مكبرات الصوت في شوارع رام الله». وهو نفس التوقيع الذي استخدمه الجيش أثناء مداهمة مخيم جنين الذي ظلت فيه طوال العملية وكانت الصوت الوحيد الذي نقل ما يجري فيه. وربما كانت محاكاة الجيش الإسرائيلي لها بمثابة سخرية لكنه أكد حضورها في الحياة اليومية الفلسطينية.

ذاكرة التسجيل

ربع قرن من التسجيل وراء الكاميرا أخذت شيرين أبو عاقلة في كل حواري فلسطين وأزقتها وكانت شاهدا على إحباطات جيل من العملية السلمية التي فشلت وتغول المستوطنين وانقسامات الفلسطينيين وعدم قدرة الجيل الجديد على فهم قيادته أو اختيارها في وقت أدار فيه النظام العربي الرسمي ظهره للقضية المركزية، لكنها في موتها كما في حياتها ظلت تلك الروح الطليقة التي فجع موتها كل شخص وأبكته جنازتها. وعلى مدى ثلاثة أيام حمل نعشها في جنين ونابلس ورام الله ثم مكان ولادتها وراحتها الأخير في القدس.
كانت جنازة الجنازات لشهيدة جميلة دخلت بيوت الناس وأصبحت جزءا من كل عائلة فلسطينية وعربية، لكل هذا حاولت إسرائيل تخريب «الحفلة» والاعتداء على النعش وحامليه وضربهم بالهراوات. ولكنها انتصرت على قاتليها، في الموت كما الحياة عندما أكدت أن فلسطين هي حية ومحتلة تدوسها بساطير الغزاة وأنها باقية. ولهذا باتت إسرائيل تخاف من نعش يلف به العلم الفلسطيني، وهي أقوى دولة في الشرق الأوسط، لا تتوقف أمريكا عن منحها ما تريد وتقول لها «هل من مزيد؟». ورغم وحشية نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، إلا انه اكتفى في جنازة الناشط أشلي كريل عام 1987 بنزع علم المؤتمر الوطني الأفريقي وترك الجنازة تمشي في حال سبيلها، إلا إسرائيل أرادت تسجيل نقطة، ضد جسد ميت. فهذا الكيان ضل طريقه ويرى أن القوة المفرطة هي السبيل لكل شيء، إلا أن القوة المفرطة عادة ما ترتد عكسا. وإسرائيل في عنفوانها الحالي تنسى دروس التاريخ وأن الاحتلال مهما طال لن يدوم وبعد سنوات من جنازة كريل مشا نيلسون مانديلا بقامته الشامخة نحو قصر الرئاسة في بريتوريا، معلنا نهاية العهد الظالم. وبموت شيرين عاقلة فالرسالة واضحة، وهي أن الرصاصة التي تلقاها جسدها الجميل ستضيء وتكون منارا للحرية ونهاية الاحتلال، وهذا ما فهمه الفلسطينيون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية