اغتيال شيرين أبو عاقلة مرآة تعكس بلادة الإحساس الإسرائيلي تجاه الجراح الفلسطينية

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: تعكس ردود الفعل الإسرائيلية على اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة بلادة إحساس تجلت في السياسة والإعلام وليس فقط لدى المؤسسة الأمنية. عدا جهات قليلة جدا لم تكترث الأوساط الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية بهذا الإعدام المفجع بل ذهب بعضها للتشفي أو الاستخفاف، فقد أعلن النائب العنصري المتشدد ايتمار بن غفير عن فرحه بموت أبو عاقلة كونها كانت تعيق عمل الجنود، فيما قالت رئيسة لجنة الأمن الداخلي في الكنيست ميراف بن آري (حزب «أزرق- أبيض») إنها لا تشعر بالأسى بموت الصحافية الفلسطينية. بشكل عام تناول الإعلام الإسرائيلي بمعظمه القضية بعيدا عن حتى روح الزمالة الصحافية الإنسانية واعتبرتها جهات إعلامية شهيدة وليست صحافية، وقالت إنها كانت تتسربل بثوب الصحافة لكنها كانت بوقا للمقاومة الفلسطينية، كما جاء على لسان بعض المعلقين في قنوات التلفزة العبرية وأبرزهم المعلق عاميت سيغل في القناة 12.

تكريس الاحتلال

ومن بين الأوساط الصحافية الإسرائيلية التي تغرّد خارج السرب الصهيوني الكاتب الصحافي روغل ألفر الذي اختار قول الحقيقة والتعبير عن خيبة أمله من استمرار الكذب والنفاق والظلم داخل إسرائيل وخارجها. قال ألفر في مقاله إن حادثة الاعتداء على جنازة شيرين أبو عاقلة يمكن أن تتسبب بالوهن لكل من يعارض الاحتلال الإسرائيلي، حيث إنه كان من المتوقع أن يلحق بالاحتلال ضرر حقيقي بعد قتل صحافية فلسطينية معروفة تحظى بالتقدير في أرجاء العالم أثناء قيامها بالتغطية، وقيام جنود من الجيش الإسرائيلي، قساة ومتوحشين، بإهانة تشييع جنازتها. واعتبر هو الآخر أن مشهد قوات الشرطة الإسرائيلية وهي تضرب بوحشية بالعصي من يحملون التابوت، الذي كاد يسقط، ويزيلون عنه أعلام فلسطين في ثورة غضب، أظهر للعالم إلى أي درجة مغروس عميقاً الأبرتهايد العنيف في المجتمع الإسرائيلي. لكن رغم مخاوف وسائل الإعلام والجمهور في إسرائيل التي تتجاهل تماماً مظالم الاحتلال وتعنيها فقط صورتها أمام العالم، فإنه لم تسقط أي شعرة من شعر الاحتلال في أعقاب «عملية الوعي» والخسارة في «المعركة على الرواية». تعبيرا عن خيبة أمله قال المحلل الإسرائيلي إن ساحة الرواية العاجزة لا تغير الحقائق على الأرض. العالم لن يقوم بمعاقبة إسرائيل بالقدر المطلوب، مشددا على أن المصالح تتغلب على الاعتبارات الأخلاقية. وخلص للقول بأن دولا غربية تشارك فعليا في تكريس واقع الاحتلال بازدواجية معاييرها ونفاق مواقفها: «لا عقوبات ولا مقاطعة ستسقط الاحتلال. الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، التي دونها لا يمكن إجبار إسرائيل على التنازل عن الاحتلال، تؤيد فعليا، إلى جانب طبقة خفيفة من التصريحات ضده، استمراره».
هكذا ابتلعت الجمعيات الحقوقية الإسرائيلية لسانها حيال اغتيال صحافية فلسطينية مثلما حصل في جرائم قتل صحافيين فلسطينيين آخرين وفي تفجير عمارة البرج حيث مكاتب المؤسسات الصحافية في غزة خلال عدوان «حارس الأسوار» في أيار/مايو الماضي. غير أنه كما في حوادث أخرى هناك استثناءات وأصوات إسرائيلية مهمة عارضت الرواية الرسمية لكنها تبقى صوتا في البرية. من هذه الأصوات منظمة «يوجد حكم» التي قال قادتها إن قرار عدم فتح تحقيق في الشرطة العسكرية حول القضية يظهر بأن جهاز إنفاذ القانون العسكري لم يعد يكلف نفسه عناء القيام بتحقيق شكلي. منوهة أن 80 في المئة من الشكاوى التي تصل إلى هذا الجهاز يتم إغلاقها بدون إجراء تحقيق جنائي. وقالت في بيانها إن اعتبارات سياسية وظاهرية تزن أكثر من السعي إلى الوصول إلى العدل والحقيقة. وبعيدا جدا عن التيار الإسرائيلي السائد تابعت هذه المنظمة الحقوقية المؤيدة لتحقيق خارجي مستقل: «الجيش الذي يقوم بالتحقيق مع نفسه، يثبت أيضاً في هذه الحالة الخطيرة بأنه غير قادر أو لا يريد التحقيق بصورة نزيهة وبفعالية».

العلاقة مع السلطة الفلسطينية

وتنسجم توجهات الصحافة العبرية مع الرأي العام الإسرائيلي في هذه المسألة، وقد تبنت بالكامل موقف المؤسسة الحاكمة التي نفت علاقة الجيش بقتل أبو عاقلة وشاركتها في الهجمات على السلطة الفلسطينية حيث كان رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت قد سارع لقيادة حملة على الرئيس عباس بعد تحميله إسرائيل مسؤولية مقتلها. في حال صدقت السلطة الفلسطينية في تصريحاتها وذهبت فعلا لمحكمة الجنايات الدولية بدعوى جديدة ضد إسرائيل ستوظف هذه بحكومتها المترنحة للمزيد من الهجمات على الفلسطينيين لتبرير رفضها فكرة المفاوضات، بل فكرة اللقاء مع الرئيس عباس وكذلك من أجل صد مزاودات المعارضة بقيادة بنيامين نتنياهو عليها واعتبارها حكومة ضعيفة ومترددة الخ.

موقف نواب عرب في الائتلاف الإسرائيلي

داخليا بدا للوهلة الأولى أن نوابا عربا تعتمد عليهم حكومة الاحتلال هذه ربما يبادرون لإسقاطها أو معاقبتها على خلفية جريمة اغتيال الصحافية أبو عاقلة ثم الاعتداء على تشييعها لكن هؤلاء خاصة نواب القائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس اكتفوا بضرائب شفوية أو لاذوا بالصمت فهناك أولويات وحسابات مختلفة لديهم. في بيانها أكدت غيداء ريناوي زعبي النائب العربية في حزب «ميرتس» المشارك في الائتلاف الإسرائيلي الحاكم أنها استقالت نهار الخميس من الائتلاف الحاكم وأفقدته الأغلبية داخل الكنيست احتجاجا على عدة مواقف أهمها الاعتداءات على الحرم القدسي الشريف وعلى موكب تشييع الصحافية شيرين أبو عاقلة. ربما أثرّت هذه المشاهد القاسية البربرية على ضمير غيداء ريناوي زعبي لكن يبدو أن هناك هدفا غير معلن في حساباتها يرتبط بالتلكؤ الحكومي في تنفيذ اتفاق معها توصلوا له قبل شهور ويقضي باستقالتها من الكنيست وتعيينها قنصلا اقتصاديا لإسرائيل في الصين. بين هذه وتلك فقد شكّل انسحاب غيداء ريناوي زعبي من الائتلاف الحاكم ضربة له ولصورته وهيبته وثقته بنفسه وحسابيا هو لن يسقط في الفور بسبب عدم وجود أغلبية 61 من 120 بيد المعارضة في ظل موقف القائمة المشتركة (ستة نواب) المتحفظ من الذهاب لانتخابات جديدة.

جدية الموقف الأمريكي؟

كذلك من المرجح أن قرار عدم فتح إسرائيل تحقيقا جنائيا بقضية أبو عاقلة لن يؤثر على الانسجام الداخلي لهذا الائتلاف لكنه سيثير انتقاداً في الإدارة الأمريكية التي طلبت منها استنفاد إجراءات التحقيق في الحادث. وسبق أن وعد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في محادثة مع عائلة الصحافية بأن الولايات المتحدة ستطلب إجراء تحقيق شامل في الموضوع، وهناك من يقول إن الجانب الأمريكي سيبحث الموضوع مع وزير أمنها بيني غانتس خلال زيارته الجارية لواشنطن. وهناك من يتساءل عن مدى جدية موقف واشنطن التي فضحت حرب أوكرانيا ازدواجية معاييرها هي الأخرى ويقول هل يختلف ردها هذه المرة لأن الصحافية الفلسطينية تحمل جنسية أمريكية؟ هل فعلا تنوي واشنطن الضغط على تل أبيب على الأقل من أجل معاقبة قتلة أبو عاقلة أو الدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق مستقلة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية