الدم الفلسطيني المسفوك بين تغول الاحتلال و«قفازات الحقوقيين»

هشام عبد الله
حجم الخط
0

عادة ما تكون مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في المقدمة، دفاعا عن الضحايا وتنديدا واستنكارا لجرائم ظل الاحتلال الإسرائيلي يرتكبها بحق الفلسطينيين على مدار عقود، داخل وخارج الأرض المحتلة، وهكذا كان الأمر في حادثة اغتيال الصحافية الفلسطينية في قناة «الجزيرة» شيرين أبو عاقلة.
لكن هذا الموقف الدائم والثابت الذي ينطق باسم مئات، بل آلاف من هذه المنظمات التي تشغل جيوشا من الموظفين في فلسطين والخارج، لم يتمكن حتى اللحظة من تحقيق إنجاز عملي يكفي لردع إسرائيل ودفعها للتراجع، ولو قليلا، عن دأبها ومواصلتها في انتهاك حقوق الإنسان في فلسطين.
ويتحدث غسان عبدو عبدالله، مدير مؤسسة التطبيقات التربوية في رام الله، بحرقة وأسى عن إنجازات منظمات المجتمع المدني العاملة في شأن حقوق الإنسان الفلسطيني.
يقول في حديث لـ«القدس العربي» إن النتائج، بعد كل هذه السنوات، هزيلة وليست أكثر من ردات فعل آنية ليست لها علاقة بالفعل الاستراتيجي والعمل المستدام.
وأضاف عبدالله الذي يعمل في قطاع العمل الأهلي منذ عقود «عادة ما ينتهي الأمر بإقامة نصب تذكاري للضحية، أو تشكيل لجنة وطنية تحتفي بالذكرى وإطلاق الاسم على مركز أو منحة دراسية».
ربما يكون هذه الشعور قويا ومستفزا، لكنه أقرب ما يكون للحقيقة وتدعمه ورقة بحثية لمركز «مسارات» للدراسات والأبحاث ومقره مدينة رام الله في الضفة الغربية.
وتظهر الدراسة التي أعدها «مسارات» أرقاما وإحصاءات صادمة، وتكشف أن المجتمع المدني يعتبر القطاع الثالث من قطاعات العمل في المجتمع، إلى جانب الحكومة وقطاع الأعمال، ويتكون من منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.
وتقدر عدد منظمات المجتمع المدني الفلسطينية بنحو 4616 منظمة، بواقع 42 في المئة في الضفة، و31 في المئة في القطاع، و14 في المئة خارج فلسطين، و11 في المئة في القدس، و2 في المئة في الأراضي المحتلة العام 1948.
ويقول مركز «مسارات» إن منظمات المجتمع المدني تتلقى تمويلًا يقدر بمليار و600 مليون دولار سنويًا، وتوفر أكثر من 40 ألف فرصة عمل مدفوعة الأجر، وأنها باتت تساهم إلى حد كبير في سد جزء من فجوة البطالة والتشغيل والتمويل.
وبالرغم من ذلك، فإن إسرائيل ضاعفت من ضغوطاتها وحملاتها ضد هذه المؤسسات وأجبرت المانحين على تقليص حجم الدعم الذي تقدمه لهذه المؤسسات أو فرض قيود وإجراءات رقابة إضافية، ما ساهم في تراجع البرامج والخدمات التي تقدمها للشباب، واضطر جزء منها إلى تقليص موازناتها والاستغناء عن جزء من موظفيها، وفق ما بينته ورقة «مسارات».
وأكد المركز الفلسطيني، وجود ضغوط وقيود محلية أثرت على عمل هذه المنظمات غير الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال: «ساهم الانقسام الفلسطيني، وتعطيل الدور الرقابي للمجلس التشريعي، في تقليص الحيز المتاح لمنظمات المجتمع المدني، من خلال تدخل الأجهزة الأمنية في عملها وعرقلته (إغلاق المؤسسات لأسباب سياسية، وإغلاق الحسابات البنكية، والتدخل في اختيار أعضاء مجالس الإدارة، والتدخل في البرامج وتقييد الأنشطة)».
وأضاف: «تواجه منظمات المجتمع المدني المزيد من القيود القانونية والتنظيمية على عملها وتمويلها من قبل السلطة، سواء في الضفة أو القطاع، بما يحدّ من قدرتها على تقديم الخدمات والبرامج للشباب، وأدت إلى انخفاض المؤشر العام لاستدامتها».
وبعد مرور نحو أسبوعين على مقتل أبو عاقلة في مخيم جنين في الضفة الغربية، ما زالت إسرائيل ترفض مجرد فتح تحقيق في الحادثة، وتزعم من خلال تسريبات إعلامية وتصريحات مسؤولين وسياسيين، أن الصحافية الفلسطينية قتلت برصاص مقاومين من المخيم.
بل ان الأمر كان قد استفحل أكثر عشية مقتل أبو عاقلة، عندما أعلن وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس في شهر تشرين الأول/اكتوبر الماضي، 6 مؤسسات فلسطينية تعمل في مجال حقوق الإنسان ورعاية الأسرى والتنمية منظمات «إرهابية» في خطوة قد تمهد لإغلاق هذه المؤسسات العاملة منذ عشرات السنوات.
ويتهم الاحتلال هذه المؤسسات بارتباطها بـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وأنها تُغطي هذا الارتباط بغطاء منظمات المجتمع المدني دوليا، وتحصل على مبالغ مالية كبيرة من دول أوروبية ومنظمات دولية لصرف معاشات لعائلات المعتقلين الفلسطينيين الأمنيين وعائلات شهداء فلسطينيين، ولنشطاء الجبهة الشعبية.
ومن بين المؤسسات الست المستهدفة، مؤسسة الحق التي تتمتع بالصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي الاجتماعي في الأمم المتحدة، وعضوية الشبكة اليورومتوسطية لحقوق الإنسان، وعضوية المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب، وعضوية التحالف الدولي للموئل، وهي فرع لجنة الحقوقيين الدوليين في جنيف.
ولم تشفع كل هذه المؤهلات والعضويات الدولية، لمؤسسة الحق وزميلاتها الأخريات، من تلقي مثل هذا الاتهام من قبل إسرائيل التي منعت مدير الحق، شعوان جبارين، من السفر وعبور الحدود إلى الأردن لتلبية دعوة لحضور ندوة تتعلق بمجال عمله في الخارج.
وقد خرجت «الحق» كمثيلاتها في هذا القطاع ببيان يستصرخ المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية أن تفعل شيئا يوقف الانتهاك الإسرائيلي المتواصل للحق الفلسطيني، مشيرة في ذات القوت ان تمادي إسرائيل سببه دوما، إفلاتها من العقاب والردع.
وقالت الحق إن «الجريمة التي تعرضت لها الصحافية أبو عاقلة وزميلها الصحافي سمودي وغيرهما من الصحافيين/ات والجرائم الأخرى التي ترتكب بشكل يومي، ما كانت لتقع لو أن مرتكبي هذه الجرائم تمت محاسبتهم عليها، ولم يصمت العالم عليها ولم يتعامل بمعايير مزدوجة لانفاذ القانون الدولي».
وأضافت «إن جريمة قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة وإصابة الصحافي علي سمودي بجراح، هما سببان إضافيان لدفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتسريع باتخاذ إجراءات عملية لجهة الشروع بالتحقيق بالجرائم المرتكبة على دولة فلسطين، والمضي بالخطوات اللاحقة، وخصوصًا، أن الضحايا في فلسطين طال انتظارهم للعدالة والانصاف».
الحق، ومعها 229 شبكة ومنظمة حقوقية عربية ودولية وقعت أيضا على بيان مشترك طالبت فيه «بفتح تحقيق دولي محايد ومستقل وشفاف تحت إشراف المحكمة الجنائية الدولية للوقوف على جريمة استهداف قوات الاحتلال للصحافية أبو عاقلة».
ودعوا إلى رفع قضية حقوقية قانونية بشأن هذه الجريمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، لمقاضاة القادة والسياسيين الإسرائيليين الذين يحرضون علانية على قتل المدنيين والمدنيات من الفلسطينيين، بمن فيهم الصحافيون، كما طالبوا الأمم المتحدة والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة بتوفير الحماية اللازمة للصحافيين والطواقم الإعلامية العاملة في الأراضي المحتلة. وكذلك طالبوا مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اعتبار استهداف الصحافيين والصحافيات أثناء تغطيتهم النزاعات والحروب المسلحة جريمة حرب على غرار استهداف طواقم الإسعاف.
بيانات ومواقف المنظمات الحقوقية، في فلسطين وخارجها، تتحدث بلسان واحد ولغة واحدة، لكنها لم تفلح أمام أنياب الاحتلال الإسرائيلي التي لا تنفك تنغرز عميقا في الجسد الفلسطيني المنهك.
وهذا هو راجي الصوراني، أحد أقدم العاملين في مجال حقوق الإنسان في فلسطين ومدير «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» ومقرة مدينة غزة في قطاع غزة، والذي يشغل منصب رئيس الفريق الفلسطيني لدى المحكمة الجنائية الدولية، لم يستطع سوى ان يكرر نفسه بعد مقتل أبو عاقلة.
وقال الصوراني: «إسرائيل هدمت مبان سكنية على رؤوس ساكنيها، ومسحت عائلات فلسطينية من السجل المدني، وقصفت مستشفيات وملاجئ ومدارس.. السجل الإسرائيلي طويل وحافل بالجرائم، ونأمل ان يتحرك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق بهذا الملف واسترداد كرامة الفلسطينين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية