المحامي السوري عبد الناصر حوشان: القضاء سلاح متعدد الاستخدامات عند الأسد وأداة للتلاعب وتثبيت الهيمنة

حاوره: حسام محمد
حجم الخط
1

يُصنف القضاء في سوريا كأحد الإشكاليات الكبرى في البلاد، حاله كحال النظام السياسي وكذلك الأمني والتعليمي والاقتصادي، كما يعتبر بعض الخبراء أن القضاء السوري مثله كمثل بقية أعمدة الدولة، مسيس ورهينة بقبضة رأس النظام بشار الأسد، وأن الجهاز القضائي معدوم التأثير في تصحيح انحراف القرارات الرسمية أو تحجيمها، مما حوله لمجرد أداة وسلاح موجه يطلق قراراته الجائرة بناء على أوامر مباشرة من دون أي استقلالية، فيما يروج النظام القضاء باعتباره منبرا مستقلا يعمل بأريحية من دون ضغوط أو املاءات.
للوقوف على حيثيات القضاء السوري الممثل بالنظام حاليا، أجرت صحيفة «القدس العربي» حوارا مع المحامي وعضو فرع نقابة المحامين الأحرار في حماة وسط سوريا عبد الناصر حوشان، للتعليق على خلفيات وآلية عمل القضاء في البلاد، وحوشان هو من الشخصيات السورية التي عاشرت النظام السوري من الداخل طيلة 10 سنوات أثناء خدمته في القضاء العسكري إذ كان يعمل متطوعا في القضاء العسكري بصفة صف ضابط ، ودرس الحقوق وعند التخرج عمل في المحاماة حتى بداية الثورة وبدأت ملاحقته من قبل النظام بسبب مشاركته في الثورة السورية. وفي ما يأتي نص الحوار.
○ هل يعتبر القضاء في سوريا مستقلا ونزيها؟
•في سوريا لا يوجد فصل بين السلطات لسبب واحد، أن من يحكم سوريا هو حزب البعث فقط، فهذا الحزب هو القائد للدولة والمجتمع، وبما أن بشار الأسد هو الأمين العام للحزب فهو القائد للدولة والمجتمع.
يتجلى ذلك من خلال السلطات الكبيرة التي يمتلكها الأسد، فهو رئيس الجمهورية وهو القائد العام للجيش والقوات المسلحة وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو رئيس السلطة التنفيذية، وهو المشرّع خارج دورات مجلس الشعب بالإضافة إلى أنه يحق له اقتراح القوانين والتشريعات، وهو كل شيء في هذا البلد وهذا تفسير شعار «سوريا الأسد».
القضاء السوري ليس قضاء معتبرا وفق المعايير الدولية للقضاء العادل، والتي تفترض الاستقلال والحيادية والشفافية، وهذا غير متوفر جراء تعيين القضاة في سوريا يكون على أساس الولاء للأسد والمحسوبية والرشاوى.
ومن المعلوم أن الشرط الأول لتعيين القضاة هو أن يكون حزبياً، وتجري على طالبي التعيين دراسات أمنية من كل فروع المخابرات وبعد مقاطعة هذه الدراسات يتم قبوله أو رفضه.
كما أن القضاء غير مستقل بسبب رئاسة مجلس القضاء من قبل رأس النظام وهو الذي يعيّن ويقيل ويطرد ويعزل من يشاء ويكافأ ويرقي من يشاء، كما أن المخابرات تتحكم بقرارات القضاء لذلك لا يمكن القول بأن في سوريا قضاء.
○ هل يمكن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية في سوريا فيما لو استمر القضاء على ذات النهج؟
•الأنظمة الشمولية غير قابلة للإصلاح كونها تقوم على التفرّد بكل شيء، لذلك فإن أي عملية إصلاح للسلطة يعني تفكيك هذه المنظومة، وبالتالي انهيارها لذلك لا يمكن الحديث عن أي إصلاح في سوريا، وإنما يجب التركيز على اقتلاع هذا النظام من جذوره، فهو كالسرطان لا علاج له إلا بالاجتثاث من جذوره.
هذا النظام ليس سوى نظام مافيوي إجرامي يقوم على سفك الدماء وانتهاك الأعراض ونهب الأموال وسرقة المال العام والإتجار بأرض البلد، فمن يبيع الجولان وحميميم البادية وميناء طرطوس وحقول الغاز والفوسفات لن يتورع عن بيع أي شيء وهو أس التفكير المافيوي.
○ المعتقلون السوريون.. كيف لعب القضاء التابع لنظام الحكم في تغييبهم في السجون أو تحويلهم لصور مسربة وجثة هامدة ذاقت ويلات التعذيب والاضطهاد؟
•كما أسلفنا بأنه لا يوجد قضاء مستقل في سوريا، وليس هذا فحسب، بل أن الأمن هو من يتحكم في كل مفاصل الدولة، النظام السوري استخدم التشريع والقانون في ملاحقة كل من يعارضه وبالتوازي كان يصدر قوانين وتشريعات تمنح الحصانة للمجرمين من أزلامه من الملاحقة والعقاب، فكانت قوانين الإرهاب السيف المسلط على رقاب السوريين والتعديلات على قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديل قانون أصول المحاكمات العسكرية التي ألحقت الشرطة المدنية إلى اختصاص المحاكم العسكرية.
بالتالي لا يجوز ملاحقة أي مجرم منهم إلا بموافقة قيادته أو من وزير الدفاع أو رئيس الجمهورية، وكذلك هناك مرسوم سري صدر في الستينات يمنح العاملين في إدارة المخابرات الحصانة من الملاحقة.
وكذلك قانون السلطة القضائية يمنح القاضي الحصانة من خلال عدم جواز ملاحقته إلا بعد موافقة اللجنة الخاصة بذلك. لذلك أصبحت الأجهزة الأمنية خارج الرقابة القضائية، خارج رقابة مجلس الشعب، بالعكس أصبح الجميع شركاء في جريمة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والقتل تحت التعذيب وأصبحت أحكام الإعدام قتل خارج القانون.
○ الأسد أصدره مرسوما في عام 2022 أقال فيه 4 من قضاة من المحكمة الدستورية وعين خلفا لهم من ضمنهم رئيس المحكمة، ألا يعني ذلك أن الفصل بين السلطات غير موجود؟ وأن الأسد يتمتع بصلاحيات غير محدودة أم هي خطوة فعلًا تصب في خانة تصحيح القرار؟
•المحكمة الدستورية العليا، هي هيئة قضائية مستقلة مقرها العاصمة دمشق، تؤلف من سبعة أعضاء على الأقل يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم، لا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية العليا وتولي الوزارة أو عضوية مجلس الشعب، ويحدد القانون الأعمال الأخرى التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المحكمة، ومدة العضوية في المحكمة أربع سنوات ميلادية قابلة للتجديد. ولا يجوز إقالة أعضاء إلا وفقاً للقانون. يؤدي رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاؤها أمام رئيس الجمهورية وبحضور رئيس مجلس الشعب وتختص المحكمة الدستورية العليا بما يأتي:
1- الرقابة على دستورية القوانين، والمراسيم التشريعية، واللوائح، والأنظمة.
2- إبداء الرأي بناء على طلب من رئيس الجمهورية في دستورية مشروعات القوانين والمراسيم التشريعية وقانونية مشروعات المراسيم.
3- الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية وتنظيم الإجراءات الخاصة بذلك.
4- النظر في الطعون الخاصة بصحة انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشعب والبت فيها.
5- محاكمة رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى.
6- يبين القانون اختصاصاتها الأخرى.
كما تتولى المحكمة الرقابة على دستورية القوانين على النحو الآتي:
1- النظر بعدم دستورية قانون والبت فيها وفقاً لما يأتي:
‌أ- إذا اعترض رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية قانون قبل إصداره يوقف إصداره إلى أن تبت المحكمة فيه خلال مدة خمسة عشر يوماً من تاريخ تسجيل الاعتراض لديها، وإذا كان للقانون صفة الاستعجال وجب على المحكمة أن تبت فيه خلال مدة سبعة أيام.
‌ب- إذا اعترض خُمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية مرسوم تشريعي خلال مدة خمسة عشر يوماً تلي تاريخ عرضه على المجلس، وجب على المحكمة أن تبت فيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تسجيل الاعتراض لديها.
‌ج- إذا قررت المحكمة مخالفة القانون أو المرسوم التشريعي أو اللائحة للدستور عُدًّ لاغياً ما كان مخالفاً منها لنصوص الدستور بمفعول رجعي، ولا يرتب أي أثر.
2- النظر في الدفع بعدم دستورية قانون والبت فيه وفقاً لما يأتي:
أ‌- إذا دفع أحد الخصوم في معرض الطعن بالأحكام بعدم دستورية نص قانوني طبقته المحكمة المطعون بقرارها، ورأت المحكمة الناظرة في الطعن أن الدفع جدي ولازم للبت في الطعن، أوقفت النظر في الدعوى وأحالت الدفع إلى المحكمة الدستورية العليا.
ب‌- على المحكمة الدستورية العليا البت في الدفع خلال مدة ثلاثين يوماً من تاريخ قيده لديها.
لا يحق للمحكمة الدستورية العليا أن تنظر في دستورية القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتنال موافقة الشعب.
أما بالنسبة للمحكمة الدستورية، الدستور منح الأسد حق تعيين أعضائها، بالمادة 141 وبالتالي موضوع الإقالة والتبديل لا علاقة له بتصحيح المسار، وأن القرار الأخير جاء في سياقه الطبيعي على اعتباره جاء بسبب انتهاء ولاية المحكمة وهي أربع سنوات لذلك جاء القرار بتمديد ولاية الرئيس وعدد من الأعضاء وتعيين أعضاء جدد فهذا هو مسار القرار ولا يمكن تفسيره في غير هذا السياق.
○ قانون الجرائم الإلكترونية الذي أصدره بشار الأسد دخل حيز التنفيذ، ونشرت صحيفة الوطن التابعة للنظام التعليمات التنفيذية الخاصة بالقانون، ما هو الهدف الحقيقي وراء إصدار هذا القانون وما هي مخاطره؟
•القانون خطير عندما اعتبر أن الجريمة المعلوماتية هي كل سلوك مجرَّم وفقاً لأحكام هذا القانون يقترف بواسطة وسائل تقانة المعلومات، يستهدف المعلومات أو نظم المعلومات أو يرتبط بإضافة محتوى رقمي على الشبكة.
بالتالي فإن النظام سيستفيد من اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة في ملاحقة المعارضين باعتبار أن الخطورة في هذا القانون تكمن في إدراج جرائم سياسية وجرائم تمسّ أمن الدولة منصوص عنها في قانون العقوبات العام مثل تغيير الدستور بطرق غير مشروعة، أو سلخ جزء من الأرض السورية عن سيادة الدولة، أو إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور أو منعها من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور، أو قلب أو تغيير نظام الحكم في الدولة، أو بنشر أخبار كاذبة على الشبكة من شأنها النيل من هيبة الدولة أو المساس بالوحدة الوطنية، أو نشر محتوى رقمي على الشبكة بقصد إحداث التدني أو عدم الاستقرار أو زعزعة الثقة في أوراق النقد الوطنية أو أسعار صرفها المحددة في النشرات الرسمية أو  تنال من هيبة الدولة أو من المكانة المالية.
لم يعد خافيا على أحد تحويل النظام السوري للبلاد إلى شركة قابضة شركاء فيها الروسي والإيراني، مكانة الدولة المالية مرتبطة بالثقة بالعملة وسندات الخزينة، وما يترتب عليه من آثار مثل سحب الأموال المودعة في المصارف والصناديق العامة، أو بيع سندات الدولة وغيرها من السندات العامة أو على الإمساك عن شرائها. وبالتالي القانون سيعاقب كل من قاطع التعامل بالليرة والتعامل مع سندات الخزينة أو سحب أمواله المودعة في المصارف والصناديق العامة أو حتى الشروع بذلك. مما يعني تجريم كل من نشر أية أخبار أو محتويات تمسّ هذه الشركات.
ومن أوجه خطورة هذا القانون أن العقوبات الجنائية يوجب القانون تطبيق عقوبة الحجر والتجريد كعقوبة فرعية المنصوص وهي عقوبة أصلية في جرائم أمن الدولة عقوبة أصلية وهي ثلاث: التجريد المدني والمنع من الحقوق المدنية، والحجر القانوني.
مما يتيح لها الاستيلاء على الأموال المنقولة وغير المنقولة والعزل والطرد من الوظيفة وحرمانه من الحقوق المدنية والعسكري مثل الترشح والانتخاب.
كما يلجأ هذا النظام إلى إصدار القوانين الخاصة لأنها أسهل عليه في الإلغاء أو التعديل على عكس القانون العام الذي يفترض به الثبات والاستقرار حيث إن من المعروف فقها وقانونا أن القوانين تتميّز عادة بالاستقرار والديمومة، ولكن النظام السوري ضرب هذه الأعراف عرض الحائط، وعلى ما يبدو أنه أصيب بإسهال تشريعي منذ عام 2011 حتى اليوم.
المصطلحات الفضفاضة مثل «تغيير الدستور بطرق غير مشروعة وحماية مكانة الدولة المالية وحماية هيبة الدولة واحترام الأديان « في حقيقتها غير موجودة وبالتالي تفقد هذه الجرائم «محلّها القانوني» الذي ينتفي معه العقاب، فلا الدستور ولا مكانة الدولة المالية ولا هيبة الدولة ولا احترام الأديان موجودة منذ بداية الثورة بعد أن نسف النظام الدستور ومزق وحدة البلاد ودمر وحدة الشعب وهجر أكثر من نصفه وتسبب بانهيار الاقتصاد، في الدستور الذي يريد حمايته قامت كل من روسيا وإيران بنسفه عبر تشكيل اللجنة دستورية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية