العراق: المحكمة الاتحادية ترفض مشروع قانون الدعم الغذائي وتحرج الحكومة والبرلمان

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: لم يكن العراقيون الغارقون في الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ينقصهم قرار المحكمة الاتحادية برفض مشروع قانون الدعم الغذائي، لكي يزدادوا قناعة بفشل النخبة الحاكمة في إدارة البلاد وخدمة شعبها، في وقت عصيب يمر به العراق والعالم بمواجهة تحديات اقتصادية خطيرة.
وبالنسبة للمشهد العراقي في ظل فشل القوى السياسية في تشكيل حكومة منذ سبعة أشهر، وعدم تقديم موازنة عام 2022 رغم مرور خمسة أشهر من العام، وما ترتب عليه من تعطيل المشاريع والمصالح والالتزامات المختلفة للدولة، فقد جاء قرار المحكمة الاتحادية بإلغاء مشروع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، الذي قدمته حكومة مصطفى الكاظمي، كبديل عن قانون الموازنة، لكي يضيف المزيد من التعقيدات في المناخ السياسي والاقتصادي المضطرب أصلا. وقد استندت المحكمة الاتحادية في رفض القرار إلى أن المشروع تم تقديمه إلى البرلمان من قبل حكومة الكاظمي وهي حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها اقتراح القوانين.
وردا على قرار المحكمة الاتحادية قال الكاظمي في بيان، إن حكومته قدّمت إلى مجلس النواب قانون «الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية بدواعٍ ملحة لمعالجة التحديات الاقتصادية التي فرضتها أزمة ارتفاع الأسعار العالمية، وذلك لتحقيق الأمن الغذائي، وتوفير السلة الغذائية، فضلاً عن تقديم الدعم العاجل لقطاع الكهرباء قبل حلول فصل الصيف، لمنع أي أزمة في إنتاج الطاقة، أو انقطاع للتيار الكهربائي في عموم العراق، وللتعامل مع المتغيرات المناخية».
وفي انتقاد غير مباشر لقرار المحكمة الاتحادية أشار الكاظمي الى أن «عدم تحقيق كلّ تلك الضرورات يمثل عامل عرقلة لدور الحكومة في تسيير الأمور اليومية التي يقع على عاتقها توفير متطلبات الشعب العراقي، وحماية الفئات الأكثر فقراً، وتوفير الخدمات والكهرباء، والحد من ارتفاع الأسعار العالمية».
وانتقد الكاظمي «البعض الذي دأب على تبني مفهوم العرقلة ويسعى جاهدًا لمحاولة تكبيل أيادي الحكومة الحالية بدلًا من البحث عن الحلول للانغلاق السياسي» في انتقاد للقوى السياسية المتصارعة على تشكيل الحكومة.
ومن جانبه أكد وزير المالية، علي عبد الأمير علاوي، أن قرار المحكمة الاتحادية بشأن قانون الدعم الطارئ «سيؤثر على قدرتنا على إدارة المالية العامة، ويمنع الحكومة من اقتراح قانون موازنة 2022».
وقال في بيان، إن «مشروع قانون الطوارئ اهتم بشدة في استثمار المكاسب الناشئة عن ارتفاع أسعار النفط لمواجهة الارتفاع العالمي في أسعار السلع الأساسية الذي أثر على الفقراء في بلادنا ولتعزيز قدرتنا على مواجهة حالات الطوارئ الغذائية في المستقبل، ولتغطية كلفة إنتاج النفط الخام من قبل وزارة النفط، ولسداد مديونية وزارة الكهرباء على واردات الوقود، وللمساعدة في تقوية الحواجز المالية لوزارة المالية». ونوه إلى أنه «في بيئتنا السياسية المتناثرة، حيث يستغرق تشكيل الحكومة شهورًا حتى يكتمل، من الصعب أن نرى كيف أن تجريد سلطات حكومة تصريف الأعمال لإدارة الأزمات وحالات الطوارئ، من شأنه أن يخدم المصلحة الوطنية الأكبر» في اشارة إلى قرار المحكمة الاتحادية.
وتتهم قوى سياسية المحكمة الاتحادية بانها خضعت لضغوط بعض القوى منها «كتلة الإطار التنسيقي الشيعية» بقيادة رئيس حزب الدعوة نوري المالكي، في إطار الصراع على تشكيل الحكومة الجديدة، وان قرارها جاء للضغط على التحالف الثلاثي بقيادة التيار الصدري، للقبول بمشاركة الأحزاب والفصائل الولائية الخاسرة في الانتخابات في تشكيلة الحكومة المقبلة.
وكان هذا الرأي واضحا، عندما شن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، هجوماً لاذعاً على القضاء العراقي، متهماً إياه بمسايرة أفعال الثلث المعطل «المشينة». وقال في خطاب وجهه إلى الشعب العراقي إن «الشعب يعاني من الفقر، فلا حكومة أغلبية جديدة قد تنفعه ولا حكومة حالية تستطيع خدمته ونفعه» متسائلا «هل وصلت الوقاحة إلى درجة تعطيل القوانين التي تنفع الشعب؟». وأضاف «انهم يستهدفون الشعب ويريدون تركيعه، والأعجب من ذلك مسايرة القضاء لأفعال الثلث المعطل المشينة من حيث يعلم أو لا يعلم» مشيرا إلى ان «السلطة أعمت أعينهم عما يعانيه الشعب من ثقل وخوف ونقص في الأموال والأنفس وتسلط الميليشيات والتبعية ومخاوف التطبيع والأوبئة».

تحذيرات من تداعيات القرار

وفي أعقاب قرار المحكمة الاتحادية أطلقت عدة وزارات تحذيرات من تداعيات خطيرة للقرار على اقتصاد البلد، حيث أكدت وزارة المالية العراقية أن قرار الاتحادية سيؤثر على مواجهة تكاليف استخراج النفط من قبل وزارة النفط، وبناء مخزون احتياطي من الحبوب.
فيما أعلنت وزارة الكهرباء، إن عدم تمرير قانون الدعم الطارئ سيضع الوزارة أمام خطر قطع إمدادات الغاز من إيران، وان «القرار سوف يربك عمل وزارة الكهرباء بشكل كبير إذا لم يتم إيجاد بديل لهذا القانون». وأضافت أن «وزارة الكهرباء كانت تعوّل على قانون الدعم الطارئ، لدعم الكهرباء في توفير مستحقات الغاز واجبة الدفع للجانب الإيراني، عن قيمة الغاز المورد لسنة 2020 بسبب عدم تمرير وإقرار قانون الموازنة العامة لعام 2022 لسدادها».
وأوضحت «لقد تفاوضت وزارة الكهرباء في وقت سابق مع الجانب الإيراني حول موضوع مستحقات الوقود المورد للمحطات، على شرط تسديد ما بذمتنا تجاههم في موعد أقصاه نهاية شهر آيار/مايو الحالي، للحاجة لهذه المبالغ في شراء متطلبات الشعب الإيراني من الغذاء والدواء والتي تعتبر متطلبات إنسانية عاجلة لا غنى عنها». وأكدت الوزارة أنه «بناء على ما تقدم، فإن عدم إقرار هذا القانون، وعدم وجود البديل سيؤثر إجمالاً على عمل وزارة الكهرباء، ويضع الدولة تحت خطر قطع إمدادات الغاز وتكرار تجربتها، في الوقت الذي يعاني فيه البلد من التطرف المناخي وتبعاته».
وكان وزير الكهرباء عادل كريم، أعلن أن العراق بحاجة إلى الغاز الإيراني بين 5- 10 سنوات، فيما أكد اتفاق الوزارة مع الجانب الإيراني على تزويد البلاد بـ50 مليون متر مكعب يومياً من الغاز.
وفي السياق ذاته، عقدت لجنة الأمن الغذائي في وزارة التجارة، اجتماعا طارئا لمناقشة تداعيات قرار المحكمة الاتحادية ومناقشة متطلبات دعم البطاقة التموينية ومواجهة ارتفاع الأسعار.
وأكد وزير التجارة خلال ترؤسه الاجتماع، على «أهمية استنفار كل الجهود لدعم متطلبات البطاقة التموينية وتوفير خزين استراتيجي لمادة الحنطة يلبي حاجة الحصة التموينية للأشهر المقبلة».
وأضاف، ان «قرار نقض المحكمة الاتحادية وضعنا أمام مسؤولية جديدة للبحث عن بدائل لدعم متطلبات البطاقة التموينية» مشيرا «بان اللجنة وضعت العديد من الحلول والخطط التي يمكن من خلالها دعم متطلبات البطاقة التموينية ومواجهة ارتفاع الأسعار نتيجة الصراع الروسي الأوكراني، وفي مقدمة هذه الحلول دعم الموسم التسويقي باستقبال كل الكميات المسوقة من الفلاحين والمزارعين» إضافة إلى «البحث عن قضية الشراء بالأجل من المناشئ العالمية الرصينة».
ويؤكد الخبراء في الدستور أن تفسير المحكمة الاتحادية مفهوم «تصريف الأمور اليومية» الواردة في الدستور العراقي لحكومة تصريف الأعمال، سيؤدي إلى تقيّيد حكومة الكاظمي ويمنعها من إرسال مشاريع قوانين إلى البرلمان لتشريعها، رغم ضرورات بعض القوانين وأهميتها للأمن الاقتصادي الذي يعد جزءاً من الأمن القومي، ‏والذي يعد أيضاً من أولويات حكومة تصريف الأعمال، عادين أن أي تأخير لتلك القوانين، ستكون له تبعات سلبية مباشرة على مصالح الشعب.
وفي البحث عن مقترحات بديلة، يشير الخبراء إلى أن المواد (5 و6 و59) من الدستور، تمكن البرلمان وبتصويت أغلبية أعضائه، تخويل حكومة تصريف الأعمال، إرسال قانون الدعم الطارئ، أو الدعم المالي ليتم تفادي الطعن به حيث أن التصويت من البرلمان هو بمثابة قانون يعتبر أعلى مرتبة من النظام الداخلي للبرلمان الذي منع إرسال مشاريع القوانين من حكومة تصريف الأعمال. فيما اقترحت بعض القوى السياسية لجوء الحكومة إلى أسلوب طلب السلف المالية من وزارة المالية لتغطية بعض النفقات الضرورية المستعجلة ولحين تشكيل الحكومة المقبلة.
وكما كان متوقعا فقد خرجت تظاهرات عديدة في المدن العراقية للمطالبة بتوفير متطلبات المعيشة وارتفاع أسعار السلع في الآونة الأخيرة، ودعوة القوى السياسية للإسراع في تشكيل الحكومة وتقديم ميزانية 2022 لتوفير احتياجات الشعب العاجلة.
وفي ظل حقيقة أن لا معالجة ولا مخرجا من الأزمات السياسية والاقتصادية القائمة إلا بتشكيل حكومة جديدة بكامل الصلاحيات لإقرار القوانين، فيما يتأكد أن القوى السياسية المهيمنة على السلطة في العراق تتحمل تبعات تأخير تشكيل حكومة جديدة وإقرار قانون الموازنة الاتحادية، كما ان عرقلة القانون عزز قناعة العراقيين بان القوى السياسية المتنفذة، تحرك أذرعها وتتعمد تعطيل سير الحياة السياسية والاقتصادية، رغم التحديات الخطيرة التي تواجه البلد، لان ما يهمها هو استمرار بقاءها في السلطة ونهب ثروات البلد، ولو كان على حساب مصالح الشعب المثقل بالأزمات والمشاكل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية