لندن ـ «القدس العربي»: حاولت دراسة علمية حديثة تحديد أسباب ظاهرة «التثاؤب» لدى الكائنات الحية بما في ذلك البشر، حيث توصلت إلى أنه قد يكون «إشارة اجتماعية من الشخص للمحيطين به مفادها تحذيرهم من أنه أقل يقظة من المعتاد».
وناقشت الدراسة التي نشرت نتائجها جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليها «القدس العربي» عدداً من الفرضيات والاحتمالات التي تتعلق بأسباب ودوافع التثاؤب، حيث وضعت الدراسة احتمالات عدة للظاهرة حيث قد تكون بغرض «تجديد إمدادات الأكسجين، أو تبريد الدماغ أو حتى شد الرئتين».
لكن الدراسة الجديدة خلصت إلى أن «التثاؤب لدى الكائنات هو عبارة عن تطور كإشارة اجتماعية لتحذير الآخرين من أننا أقل يقظة، ولذلك يجب أن يكونوا أكثر يقظة من خطر وجود الحيوانات المفترسة».
وفي الوقت نفسه، يُعتقد أن الظاهرة المعروفة باسم «التثاؤب المعدي» – أي التثاؤب الانعكاسي بعد رؤية أو سماع تثاؤب فرد آخر- قد زادت من انتشار هذه الإشارة بين مجموعات من الحيوانات الاجتماعية.
وبالنظر إلى تطور هذا السلوك في سهول أفريقيا منذ آلاف السنين ومع عدم إنطباقه على البشر المعاصرين فمن الممكن أن يموت التثاؤب أو يختفي في المستقبل.
لكن الدراسة أشارت أيضاً إلى وجود علاقة إيجابية بين مدة التثاؤب وحجم الدماغ مما يعني أنه كلما زاد حجم الدماغ زاد التثاؤب.
وأجرى الدراسة البروفيسور أندرو سي غالوب، الباحث في العلوم السلوكية في معهد البوليتكنيك بجامعة ولاية نيويورك، ونشرت في مجلة «أنيمال بيهافيور» المتخصصة بدراسة الحيوانات ومتعلقاتها.
ويقول غالوب في ورقته البحثية: «التثاؤب هو تكيف فسيولوجي عصبي موجود في كل مكان عبر الفقاريات، ويبدو أن اكتشاف نمط العمل هذا في الآخرين مهم من الناحية البيولوجية بين الأنواع الاجتماعية».
وأضاف: «إنه بمثابة إشارة تعزز اليقظة الفردية وتعزز التزامن الحركي من خلال العدوى».
ويقول العلماء إن التثاؤب هو سمة مشتركة بين أنواع متعددة من الحيوانات والكائنات الحية، ولكن حتى وقت قريب لم يكن معروفاً سوى القليل عن الوظيفة الفعلية للتثاؤب.
ولمعرفة المزيد أجرى البروفيسور غالوب مراجعة للدراسات العلمية المنشورة مسبقاً لتقييم أسباب وعواقب التثاؤب في مجموعات الحيوانات، واستكشف «الأهمية النفسية والاجتماعية» للتثاؤب عند الثدييات والطيور، بحسب ما أورد تقرير جريدة «دايلي ميل».
ووفقاً للبحث، قدمت الدراسات الحديثة فكرة أن التثاؤب هو نوع من الإشارات الاجتماعية وتحذير من أنهم أقل يقظة.
ويقول غالوب في ورقته البحثية إن التثاؤب يمكن أن يكون إما تلقائياً أو معدياً، فالأول يأتي على ما يبدو من العدم، في حين أن الأخير ينتج عن رؤية شخص آخر يتثاءب.
وبحكم التعريف، يمكن إرجاع كل تثاؤب معدي إلى تثاؤب تلقائي أصلي، ولهذا السبب، لا بد أن التثاؤب المعدي قد تطور مؤخراً بمرور الوقت.
وقال البروفيسور غالوب: «تشير الدلائل إلى أن التثاؤب نشأ في الأصل كحدث عفوي ، وبالتالي فسيولوجي بطبيعته».
ويضيف أنه لم يتم توثيق التثاؤب المعدي إلا في الأنواع الاجتماعية، تلك التي تميل وراثياً إلى التجمع معاً، ولا تتطور إلا بعد الطفولة.
ووفقاً للخبير، فقد تم اقتراح العديد من الفرضيات لشرح الأهمية الفسيولوجية للتثاؤب لكن معظمها يفتقر إلى الدعم التجريبي أو ثبت خطأه.
وعلى سبيل المثال، هناك اعتقاد شائع ولكنه غير صحيح بأن التثاؤب يعمل على موازنة مستويات الأكسجين في الدم، لكن التجارب التي أُجريت على البشر أظهرت أن تواتر التثاؤب لا يتغير عن طريق التنفس بمستويات محسّنة أو منخفضة من الأكسجين أو ثاني أكسيد الكربون.
ويقول البروفيسور غالوب: «لذلك تم الاستنتاج أن التثاؤب والتنفس يتم التحكم فيهما بآليات مختلفة، ومن المقبول الآن على نطاق واسع في الأدبيات العلمية أن التنفس ليس مكونًا ضروريًا للتثاؤب».
وفي العام الماضي، قال باحثون من جامعة أوتريخت إن التثاؤب يساعد في تبريد الدماغ ولا يعمل على تزويد الدم بالأكسجين، وذلك بعد أن جمعوا أكثر من 1250 تثاؤبة من أكثر من 100 نوع من الثدييات والطيور من خلال زيارة حدائق الحيوان وباستخدام الكاميرات. وأظهرت دراسات أخرى أجريت على البشر والرئيسيات غير البشرية والجرذان والطيور أنه يمكن التلاعب بتواتر التثاؤب بشكل موثوق من خلال التغيرات في درجة الحرارة المحيطة، مما يدعم هذه الحجة.
ولا يعتقد البروفيسور غالوب أن نظريات التثاؤب السابقة خاطئة بالضرورة، حيث يقر بمثل هذه الوظائف الفسيولوجية للتثاؤب.
ويقول: «يمكن أن تفحص الدراسات المستقبلية ما إذا كان التثاؤب العفوي قد تطور خصيصاً للتواصل مع الحالات الداخلية».