انطلقت موجات الهجرة من الريف إلى المدينة بعد الانقلابات التي وضعت حدا للحكومات الوطنية، ومهدت لما يسمى بحكومات مجلس الثورة. وقد أتت هذه السلطات بضباط مغمورين لقيادة البلاد، وحمّلتهم أعباء مرحلة حرجة، ونجم عن ذلك ولادة طبقة من المثقفين. وهي أكثر الطبقات اضطرابا وغموضا بسبب التباس هويتها. فقد أدت هجرة أبناء الريف لبناء مدينة في محيط مدينة سابقة. وقامت الرواية العربية للتعبير عن هذه الظاهرة بإنتاج أسلوب مزدوج، فسمحت للطرف الأول ببناء مأزقه الاجتماعي ولغته الهجينة، وأصبح القتل يتم بسلاح أبيض، مثل سكاكين المطابخ (انظر حالة «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد) وليس بطلقات بارودة الصيد (كما هو الحال في «عيادة في الريف» للعجيلي أو «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم).
هذا التبادل باللغة وبالأدوات يحمل دلالة رمزية عميقة عن قيمة ترويض المفاهيم. وغني عن القول إن تقتل دون صوت، يعني أنك تتخلى عن جزء مهم من واقعك البشري، وهو ضرورة الإعراب عن الوجود الموضوعي. وأجد نفسي في هذه الحالة مضطرا للتساؤل: هل كانت هذه التحولات تحضيرا لمجتمع النكسة؟ الجواب تجده في بقية أنواع الهجرات، وهي نزوحات فردية وإجبارية وتطال طلاب الجامعة وأفراد الجيش. وقد كتب عن ذلك عبد النبي حجازي، وأخص بالذكر باكورة أعماله (قارب الزمن الثقيل). وهي رواية بطيئة الإيقاع، لكنها تعمل على محور عمودي بلغة كنائية، وتحلل الواقع النفسي المريض لضباط كان يورطهم بسهرات سكر وعربدة، ثم يفتح صندوقهم الأسود. وقد سبقه نجيب محفوظ لذلك في «ثرثرة فوق النيل» لكن نماذج محفوظ ترمز لعدة شرائح من المجتمع. وتبني على تقابل بين أضداد، فالعوامة مرابطة على ضفة النيل، بينما مياه النهر لا تتوقف عن الجريان. والفكرة تقوم على فكرة جوهر واحد أمام ماهيات متبدلة وكثيرة. أما عبد النبي حجازي فقد جعل من كل شيء رمزا لنفسه، كان القارب البطيء هو الفترة التاريخية نفسها برجالها، أبطال البعد الواحد، الخاضعين لقانون التجزئة، وليس لفلسفة التكامل.
مهما تكلمنا عن برامج تحرير وتنشيط تبقى رواية النزوح الداخلي دورة مكملة أو مكررة من الهجرة للغرب، فهي استكمال للمشروع نفسه الذي وضعت بذوره نتائج الحربين (1918 – 1948). إنها إعادة تركيب لمخاض استعماري فرض علينا بمنطق القوة تبني هويات إنقاذ.
تبقى موجة هجرة ثالثة وهي مؤقتة، وتشمل كل من يمر بالمدينة لإنجاز معاملة أو لشراء لوازم ثم العودة إلى بيئته، لكن هذه الحالة تحولت كذلك إلى ظاهرة. فالأفراد مؤقتون أما النموذج فدائم. ويدخل في هذا الإطار نموذج شخصية الزائر الذي يغلب عليه الوجل والتردد. ومن هؤلاء بطل قصة «يا أيها الكرز المنسي» لزكريا تامر. وهي قصة عن زيارة فلاح لوزير ينحدر من القرية نفسها. تتحول الزيارة لمواجهة بين الفلاح البسيط (الزائر المؤقت) والمدينة (يعبر عنها الوزير – الزائر الدائم). ومن المؤكد أن القصة ليست عميقة فلسفيا، لكنها تقدم فكرة وافية عن الموضوع، وهو تعميم الصراع بين الأخلاق والحكمة، أو الوضعي والطبيعي. فإسقاط شعور الاغتراب على الحركة وشعور الانتماء على السكون يرفع الحبكة من تقابل بين ثنائيات (أمكنة) إلى تقابل بين عصور (زمن التقاليد وزمن الحداثة). في النتيجة توجد عدة ملاحظات حول هذه الظاهرة:
أولا: روايات الداخل ذات منشأ معرفي مثل حبكة الهجرة للغرب. فهي للدراسة أو لتحسين الوضع المزري.
ثانيا: لم تتخللها حبكة غرامية باستثناء روايات المدينة الجامعية، وكان الموظف أو العسكري يتنقل بين الخمارات والمقاهي ويدخل في صراع مستميت مع أزمات المجتمع المتخلف مثل البطالة النفسية أو ركود النشاط النفسي، ومثل الهرب من الوعي الزائف (المعرفة) إلى اللاوعي (الإدراك). وهذه مشكلة عويصة فعلا: أن تجد في الهوة المعرفية والفراغ النفسي حقيقة تفسر الواقع الجامد. وفي حال وجود حبكة غرامية فهي بين أفراد طبقة عائمة وليس بين نماذج. ولذلك لم يكن هناك عنف دموي يفتح ثغرة في جدار الماضي الحضاري، بل هو عنف بين مراحل أو فترات من النموذج نفسه. وغالبا ما ينتهي باليأس والإحباط ثم الانتحار، ولذلك فإن فلسفة العودة غير واردة في رواية الداخل. ويترتب على ذلك عدم إيمان بالذات وشك بالمصادر ومنها الأرض، وهي دائما بلا قيمة، وتشكل عبئا، أو أنها غير موجودة، وليس لها محتوى نفسي. وإن وجد سيكون ذنبا يصعب احتماله إن لم يتطور لدرجة خطيئة، وأحيانا تحل محلها بدائل مثالية ومنها العفة والشرف. وهذا هو موضوع «طواحين بيروت».
ثالثا: مهما تكلمنا عن برامج تحرير وتنشيط تبقى رواية النزوح الداخلي دورة مكملة أو مكررة من الهجرة للغرب، فهي استكمال للمشروع نفسه الذي وضعت بذوره نتائج الحربين (1918 – 1948). إنها إعادة تركيب لمخاض استعماري فرض علينا بمنطق القوة تبني هويات إنقاذ. لقد عملت الرواية العربية وفق سياسة الأرض المحروقة، فألغت كل المعايير ودخلت في دورة الأتمتة الطبيعية، وتوجب عليها أن تدور دورة كاملة من الحكاية إلى الحبكة، ومن اللغة إلى التصورات، ومن المتابعة إلى المشاهدة. لقد التزمت روايات المهاجر بقوانين المأساة الإغريقية. فقد استسلمت لمصيرها، وبدأت من برامج جاهزة، وحاولت أن تبحث لها عن معنى أصلي، وربما هذا هو سبب ثاني مأساة دامية في تاريخ الخيال العربي: أن تجد للشكل الجاهز هوية ميتة.
وفي رأيي إن توطين الشكل الغربي ضمن هوية تلفظ أنفاسها لا يمكن أن تقول عنه إنه تحرير أو إحياء بقدر ما هو بيان عن إشكالية بين الأجيال والأفكار. ماذا بوسعنا أن نقول عن النصوص الكلاسيكية التي شككت بها حفريات طه حسين؟ هل يمكن للمشكوك بحقيقته أن يكون أصيلا؟ في هذا المنظور أعتقد أن الأصالة عبارة عن تجديد للحداثة المغدور بها، فالبنية المركزية لتوطين الحداثة تعرضت بعد نشوب الحرب الباردة لمجموعة انتهاكات، وكان لا بد لها من استبدال حساسيتها العاطفية بحساسية موضوعية. وهذا هو واقع حال مشروع الغيطاني الإحيائي (1945 – 2015) ومن بعده مشروع برهان الخطيب الذي بدأ مع رواياته المهجرية (على تخوم الألفين وما بعد/ 2011).
إن روايات الداخل تقدم شهادة حسن سلوك لمشروع يعيد التفكير بأدواته، وفي أسوأ الأحوال تبدو لي أشبه بغنيمة حرب كسبها الجندي الضعيف من خساراته المتوالية.
إن اتكال الاثنين على ظواهر صوتية خاصة باللسان العربي، لم يكن تعبيرا عن مشروع عروبي أو وطني، بل هو شكل من أشكال التعبير عن الذات النوعية. بمعنى أنه هم فردي اعتمد على رطانة أسلوبية، ثم إن صوتيات الغيطاني تدين بالفضل لأسلوب المماليك بينما صوتيات الخطيب هي شعوبية قلبا وقالبا، وتحمل شجون ومخاوف ونوستالجيا عصر الترصيع أو البهلوانيات التي اختبأ خلفها الشعوبيون. بمعنى أن الدم العربي لم يكن هو الذي كفل لهما الحياة. لقد كان الهم في الحالتين هو إحياء لظواهر من الدرجة الثانية، أو إنه ارتداء قناع هوياتي على وجه مستعار. وهذا يدعونا لوضعها في إطارها الأسلوبي الصحيح.
لقد أضاف هذا الثنائي مجموعة أبعاد تجريدية في اللغة والخيال، أو المعنى والصوت. ويمكن قراءة كل ذلك على أنه محاولة معاكسة للتعمية على الحوار الذي فرض نفسه ومنطقه على الشخصيات. ورغم أن الأهداف وطنية فهي ذات أجندة تعتمد على التوسع والابتلاع وإلغاء النموذج وعلاقته بالحقيقة. لقد كانت الأصالة هي الوجه الأبيض من شرور ما يسمى سياسيا بالأصولية. والفكرتان جزء من الصراع الأوديبي على الأرض الأم أو السلطة. بتعبير آخر كلاهما له توظيف سياسي يرهن الحاضر بالماضي. وهذا أول شرط لضمان بقاء حكومات الاستقلال ثم تحويلها لقوة سلفية معاصرة ومقبولة، ولطالما ارتبط شعار التأصيل بالممانعة السلبية وبتجميد مشروع التثوير (وهو مشروع تحويلي – مثل كل الصناعات التحويلية، ويحتاج لوسط مساعد ومحفزات catalyst، ويبدأ من تراكم لنشاط ذاكرة تاريخية سابقة – وأفضل مثال على ذلك الفلسطيني أميل حبيبي الذي رهن حاضره الاستعماري بماضيه الذهني، ومثل هذا التعارض هو الذي فرض عليه اختيار شكل الكوميديا السوداء، أو بلغة أبسط المضحك المبكي كما فعل في روايته «المتشائل» 1974 ثم «أخطية» 1985 وأخيرا «سرايا بنت الغول» 1991). وهذه هي كل إشكالية هجرات الداخل. فهي تتبنى نوعا من أنواع المبادلة. إنها تلغي فكرة لتضع في مكانها صورة. وهو بالضبط ما فعلته أيضا رجاء عالم، فقد ورطت شخصياتها بوجدان تاريخي، وكانت هذه الشخصيات تغادر المشهد الاجتماعي الراهن بشكل إكسودوس، أو خروج لتختبئ في ذاكرة غائبة وافتراضية. وليس لدينا أي دليل عليها سوى رغباتنا وأوهامنا. لقد حرصت على ترحيل الإنسان المعاصر لفترة أو حقبة سابقة للبحث عن عناصر ضاعت منه أو يفترض أنها موجودة خارج ذاته، ولذلك أنظر لمجمل هذا النوع على أنه تعريب للمشروع الاستعماري الذي تعرض لعدة نكسات وإخفاقات أيضا، وربما هجرات الداخل هي تغطية للإمبريالية التي فقدت الإحساس بمجدها. إن روايات الداخل تقدم شهادة حسن سلوك لمشروع يعيد التفكير بأدواته، وفي أسوأ الأحوال تبدو لي أشبه بغنيمة حرب كسبها الجندي الضعيف من خساراته المتوالية.
كاتب سوري