مهرجان كان: فيلم«ولد من الجنة» لطارق صالح… جعجة كبيرة بلا طحين

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
3

كان ـ « القدس العربي» : ربما يبدأ الأمر بانزعاج طفيف، كسماع طنين يأتي من بعيد، وأنت تحاول التركيز في أمر من أمورك، لكن هذا الطنين الذي لا تعرف له مصدرا يحول بينك وبين ما تريد عمله، ويصرفك عما يعنيك، ليصبح هو شغلك الشاغل. قد تبدو تلك بداية غير منطقية عندما تبدأ الكتابة عن فيلم، لكن هذا الانزعاج الدائم المؤرق كان رفيقاً لنا طوال مشاهدة فيلم «ولد من السماء» للمخرج السويدي من أصول مصرية طارق صالح، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي (17 إلى 28 مايو/أيار الجاري).
مصدر هذا الانزعاج المستمر، إضافة إلى الكثير من النواقص والمنغصات في الفيلم، هو الحوار الركيك على لسان ممثلين ليسوا مصريين، لكنهم يتحدثون اللهجة المصرية بافتعال شديد وإخفاق تام في الحصول على النبرة الصحيحة للكلمات. ربما كان ينبغي على المخرج الاستعانة بمصحح للهجة أو للنطق لإعانة الممثلين، لكن حتى إن تغاضينا عن معضلة اللهجة تلك، سيبقى الحوار الركيك وسيبقى محتوى الفيلم، الذي كان بالإمكان أن يدخل في صلب النقاش الديني والقضايا الإيمانية والسياسية الجدلية الشائكة، ليقنع بتناول سطحي للقضايا المطروحة.
بعد تكرار حوادث حظر أفلام في مصر، وبعد الكثير من اللغط حول محتوى العديد من الأفلام، نتوقع أن يكون فيلم «ولد من الجنة» أحد تلك الأفلام المسببة للجدل، لكن لكل الأسباب الخاطئة. لا يحمل الفيلم فكرا ولا يقدم رؤية ولا يطرح طرحا فلسفيا أو دينيا، أو حتى سياسيا يمكن التعاطي مع ونقاشه، لكنه فقط يقارب الأمور بسطحية شديدة، لكنها تشمل كلمات تثير الكثير من البلبلة عند ذكرها مثل جهاز الأمن الوطني في مصر، والأزهر، الصرح الرئيسي للمؤسسة الدينية في مصر. تدور أحداث الفيلم حول صبي يدعى آدم (توفيق برهوم) وهو من أسرة رقيقة الحال تعمل في صيد الأسماك. آدم صبي نابه يتلقى منحة للدراسة في جامعة الأزهر. يبدو آدم لنا غرا ساذجا، ضائعا في متاهة القاهرة، التي يصلها للدراسة. فور وصول آدم لمقر إقامة الطلبة في جامعة الأزهر، وعند حضوره لقاء للإمام الأكبر شيخ الأزهر للترحيب بالطلبة الجدد، يصاب الشيخ بأزمة قلبية، يتوفى على إثرها. ويصبح بذلك انتخاب إمام أكبر جديد قضية كبيرة، لاسيما أنه منصب يدوم طوال الحياة، وكما تقول الأجهزة الأمنية في الفيلم «ما فيش منصب طول الحياة إلا الريس». يجد آدم نفسه ضمن مؤسسة تحمل بين جنباتها الكثير من التحالفات والتعاملات السرية. ويصبح آدم شاهدا على مقتل طالب في أروقة المسجد الأزهر. وتضيق الحلقة حول آدم ويجد ألا مناص له ولا مهرب إلا التعاون مع الأجهزة الأمنية، ليصبح عميلا وعينا لها داخل الصرح الديني العتيد. في نهاية الفيلم يسأل أحد أقارب آدم الفتى القادم من الأزهر، منارة العلوم الدينية، «اتعلمت إيه هناك يا آدم؟» فيجيب الصبي بنظرة مطرقة وصمت مطبق. لم يتعلم آدم علما دينيا أو فقهيا أو فلسفيا، لكنه علم بما يحاك في الأزهر والبلاد من مكائد، وبما فيها من فساد.

فضّل طارق صالح أن يبتعد عن القضايا الدينية ومعترك الفكر الإسلامي وما يتداول في أروقة الأزهر من أفكار، فجاء الفيلم ضحل التناول في صورة فيلم من أفلام التشويق التي نبحث فيها عن القاتل، مع إلقاء بعض الضوء على الأجواء السياسية والأمنية في مصر. ويأتينا في نهاية المطاف فيلم سطحي يتناول قشور القضايا ولا يتعمق فيها. يحمل الفيلم بعض التأثر بعدد من الروايات والأفلام التي تناولت دهاليز المؤسسات الدينية أو العلاقة بين الدين والسلطة، فنجد بعض ملامح رواية «شيفرة دافينشي» لدان براون، ورواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو ومسلسل «البابا الشاب» للإيطالي بالو سورينتينو، الذي يدور في أروقة الفاتيكان ومعترك السلطة داخله، وبينما يقدم أمبرتو إيكو التشويق والحوار الفلسفي الرصين والمعرفة المتعمقة في قضايا الدين، وبينما يقدم دان براون رواية فيها من التشويق الكثير، لا يقدم طارق صالح إلا أمورا باهتة لا تحمل عمقا فلسفيا ولا دراية بمعترك الخلافات المذهبية والفقهية، ولا حتى يقدم عملا يحمل من التشويق ما يدفعنا إلى مواصلة المشاهدة. يمكن القول إن صالح لا يقدم إلا واجهة قد تروق لجمهور غربي يجد شجاعة في مخرج قرر أن يتناول السلطة والدين والمؤسسات الدينية المسلمة في عمله.

يمكننا القول إن مخرج الفيلم منقطع الصلة بمصر، فهو ينظر لها بعين سائح لا يرى منها إلا القشور: مقهى في شارع جامعة الدول في المهندسين، أحد فروع ماكدونالدز في المهندسين أيضا، وصورة السيسي المنتشرة في شوارع رثة. لا نرى روح مصر أو أي ملمح لجوهرها.

يمكننا القول إن مخرج الفيلم منقطع الصلة بمصر، فهو ينظر لها بعين سائح لا يرى منها إلا القشور: مقهى في شارع جامعة الدول في المهندسين، أحد فروع ماكدونالدز في المهندسين أيضا، وصورة السيسي المنتشرة في شوارع رثة. لا نرى روح مصر أو أي ملمح لجوهرها. حتى المسجد مسرح الأحداث هو أحد المساجد في إسطنبول في تركيا. تتحول مصر في يد صالح إلى أروقة مسجد عتيق وقباب، وتصور استشارقي لحد كبير لما قد يكمن في التصور الغربي لبلد شرقي مسلم. صورة استشراقية، وركاكة في الفكر والتناول والحوار، وضحالة ميل إلى السبل اليسيرة للإثارة، هذا ما نجده في الفيلم.
نشاهد الفيلم ونشعر بالأسى لأننا كنا نمني أنفسنا بفيلم ينفذ إلى عمق الأزهر كمؤسسة دينية وما تحمله من فكر، أو إلى أعماق الأجهزة السياسية والأمنية في مصر، لكننا نخرج صفر اليدين. ربما يلخص معضلة الفيلم، مشهد صغير قرب نهايته. عند عودة آدم إلى قريته بعد نهاية عام في الأزهر، يستقل الفتى حافلة ويطرق بنظره إلى الخارج. نرى من خلال عينيه نهرا وأشجارا عالية. النهر ليس نهر النيل، وضفته المنمقة ذات الأشجار الباسقة ليست ضفاف النيل. نعلم أن الفيلم صور في تركيا والسويد، وما قُدم على الشاشة لا يمكنه إقناعنا أننا في مصر. يقدم صالح فيلما يتشدق بقضايا كبرى، دون جهد كبير في العمل، ودون رؤية واضحة، ويتخبط بين الكثير من الخطوط دون أن يمسك بأي منها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية