القاهرة ـ «القدس العربي»: لدى الرئيس السيسي ما يقلقه كما أن لدى الشعب ما يفزعه.. الرئيس متوجس من الشائعات وخطرها على البلد ومستقبله، بينما الجماهير لا يشغلها في الغالب سوى معركة الغلاء التي يخوضها المواطنون على مدار الساعة.. الرئيس كما أوضح مؤخرا يرى في التقارير التي تفتقر للحقائق وتخوض في أعراض المسؤولين بأنها أشد خطرا على المصريين، متوعدا مروجي الشائعات بأنهم سينالون عقابهم عند قيام الساعة.
أما الغالبية العظمى من أبناء الطبقات الكادحة فأولئك وجدوا أنفسهم مؤخرا في مواجهة مع وزير التموين، الذي يراه كثيرون المسؤول عن تعذيبهم بما يصدره من فرامانات آخرها معركة تحديث بيانات بطاقات الدعم التمويني، التي أسفرت عن وقوف الأعداد الغفيرة من المواطنين في طوابير ممتدة أمام المكاتب التموينية.. من جهة أخرى تبدو مواقع التواصل الاجتماعي قنابل مفخخة لكل من يسعى لنشر التقارير غير الموثقة، لأجل ذلك يرى كثير من أبناء صاحبة الجلالة، كما أوضحت صحف أمس الاثنين 23 مايو/أيار، أن ابرز وسيلة لمواجهة الأكاذيب، تخليص صاحبة الجلالة من القيود التي تواجهها ومنح أفرادها قدرا من الحرية للوقوف في وجه مروجي الأكاذيب.
ومن أبرز اخبار المحاكم : قضت محكمة جنايات القاهرة، المُنعقدة في مجمع محاكم القاهرة الجديدة في التجمع الخامس، بمعاقبة محمد الأمين بالسجن المُشدد 3 سنوات، مع تغريمه 200 ألف جنيه، وألزمته بالمصاريف… يذكر أن المستشار حماده الصاوي النائب العام أمر بإحالة المتهم محمد الأمين محبوسا إلى محكمة الجنايات؛ لاتهامه بالاتجار في البشر- وهنّ سبع فتيات أطفال، وهتكه عِرضهن بالقوة والتهديد، بشهادة ثلاثة عشر شاهدا، وإقرارات الفتيات المجنى عليهنَّ، وما تبين من فحص هاتف المتهم المحمول، وما ثبت بتقارير مصلحة الطب الشرعي. ومن أخبار المدارس: واجه طارق شوقي وزير التعليم المزيد من الإحراج بسبب نشر جروبات الغش الإلكترونى أسئلة الامتحان الورقى في مادة الرياضيات للصف الأول الثانوي العام، بعد بدء لجنة الامتحان في محافظات القاهرة والدقهلية والإسكندرية والقليوبية وعدة محافظات أخرى، كما تداولت صفحات الغش نفسها الإجابات عن أسئلة الامتحان، فيما شددت وزارة التربية على اتخاذ الإجراءات القانونية كافة اللازمة حيال هذه الوقائع ومحاسبة الطلاب بحرمانهم من الامتحانات.
عذاب وزير التموين
ما يحدث للناس الغلابة المحتاجين للدعم من استدعاء وزير التموين الدكتور علي المصيلحي لهم، لتحديث بطاقات التموين من خلال تسجيل أرقام تليفوناتهم المحمولة، كان سببا وفق ما قال خالد حسن في “الوفد” في حالة الاحتقان والشعور بالظلم، بعد عودة الطوابير وتكاليف شراء خطوط محمول. صحيح أن التسجيل يتم إلكترونيا من خلال موقع دعم مصر، إلا أن شرط أن يكون مع صاحب البطاقة خطا محمولا باسمه تسبب في عودة الطوابير على مكاتب شركات المحمول. وزير التموين يحتاج إلى الخروج من مكتبه المكيف والمرور بالشوارع لمشاهدة الطوابير الطويلة التي تسبب فيها هذا القرار. والسبب أن تلك البطاقات أصبحت بالنسبة للمواطن المطحون هي طوق النجاة من افتراس الغلاء. وهنا نتوقف قليلا.. حيث يتقدم المسن أو أسر المسجونين أو أحد المستفيدين بأوراق تثبت عدم وجود محمول.. كيف يتوجه رجل أو امرأة عجوز إلى مكتب التموين لتحمل مشقة ما بعدها مشقة ليثبت أنه كبير السن ولا يملك محمولا حتى يتم إعفاؤه من التحديث.. هذا القرار ترتبت عليه بهدلة المواطن للتوجه إلى مكتب التموين للتسجيل، واضطر عدد كبير من المواطنين خاصة كبار السن إلى التوجه إلى مكاتب شركات المحمول لشراء خطوط محمول بأسمائهم.. والسؤال لوزير التموين: لماذا بهدلة المواطنين أمام فروع شركات المحمول المزدحمة أصلا بوجود العملاء اليومي. من حق المواطن أن يتعجب في تعليق على السوشيال ميديا: “ما علاقة التموين بشركات المحمول وسعر الخط على الأقل من 90 إلى 250 جنيها.. ولماذا لا يراعي الوزير ظروف المواطنين والغلاء الذي نعيشه”. لقد نجح بالفعل وزير التموين خلال الفترة التي تولى فيها الوزارة في القضاء على طوابير الخبز.. ربما تأتي تلك القرارات الأخيرة لتعيد إلى ذهن المواطن تلك الأيام شديدة القسوة، التي كانت تذل الأنفس أثناء الوقوف أمام طوابير فراعنة البيروقراطية داخل مكاتب التموين و”سيكوباثية” الفران الجبار الذي يتلذذ بذل المواطن وهو يتوسل إليه ويرجوه أن يرحمه من الزحام.
أهمية الحوار
الحديث عن الحوار الوطني الذي دعا له الرئيس السيسي ما زال الشغل الشاغل للكثير من الكتاب، ومن بينهم سليمان جودة في “المصري اليوم”: إذا كان الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس يحتاج إلى شيء، فهذا الشيء هو تحقيق إجماع وطني من خلاله حول قضية محددة أو عدد من القضايا. وقد سبق لمثل هذا الإجماع أن تحقق لدينا أكثر من مرة، ولكنه كان قد تحقق على أفضل ما يكون أثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي قادها السادات إلى النصر، وكان قد تحقق قبلها لعبدالناصر في يوم التنحى 9 يونيو/حزيران 1967، بصرف النظر عما إذا كان إجماعا طبيعيّا أو مصنوعا.. ثم كان قد تحقق بشكل مختلف أثناء معركة طابا الدبلوماسية والقانونية، التي أعادت مثلث طابا إلى الأرض الأم في 19 مارس/آذار 1989. في معركة طابا كنت تجد الدكتور مفيد شهاب، باعتباره قامة قانونية مصرية، وكنت تجد إلى جواره الدكتور وحيد رأفت بوصفه قامة قانونية وفدية، ثم كنت تجد إلى جوارهما إسماعيل شيرين، الذي كان زوجا للأميرة فوزية، وكان آخر وزير حربية مع الملك فاروق.. ولكن هذا لم يمنعنا من أن نستدعيه شاهدا في قضية طابا، ولا من أن تكون شهادته من بين شواهدنا على أن طابا مصرية.. كان الأصل وقتها هو استدعاء كل عقل يملك ما يضيفه في القضية التي كانت قضية وطن، لا قضية حزب، ولا فئة، ولا طائفة، ولا حتى قضية نظام حكم، وكانت النتيجة هي كسب القضية بامتياز.
صانع القرار ينتظر
تابع سليمان جودة: هذا هو المنطق الذي نريده في الحوار الوطني الذي يوشك أن ينطلق، والذي إذا لم يتحقق له منذ البداية هذا التنوع الذي حدث في موضوع طابا، وما لم نكن حريصين على أن نستمع حول مائدته إلى الأصوات التي لا بد من الاستماع إلى وجهات نظرها، بصرف النظر تماما عن توجهاتها، فإن نجاح الحوار في الوصول إلى ما يجب أن يصل إليه سيكون مُحاطا بالمخاوف. وإذا كان الحوار سيتعرض للقضية الاقتصادية الضاغطة على أعصاب الجميع، فإن حوارا حول قضية ضاغطة كهذه لا بد من أن ننصت فيه إلى أصوات مثل محمد العريان، والدكتور يوسف بطرس، والدكتور محمود محيي الدين، والدكتور أحمد جلال، والمهندس رشيد.. وغيرهم وغيرهم من الأسماء ذات الوزن في مجالها. ويجب ألّا يمنعنا من سماعها ولا من الإنصات إلى ما تعتقده اقتصاديا أن تكون قد عاشت في عصر سياسي آخر.. فالقضية التي نحن بصددها اقتصادية لحما ودما، والاقتصاد بطبيعته لا دين له ولا ديانة. يحتاج صانع القرار في البلد إلى أن يرى في أي اتجاه سيكون عليه أن يتحرك، ويحتاج إلى أن يبصر فوق أي أرض سيكون عليه أن يخطو، ولن يكون في إمكانه أن يفعل ذلك ما لم تكن أفكار مثل هذه الأسماء والعقول واصلة إليه، وما لم تكن وجهات نظرهم متاحة أمامه على طاولة القرار الاقتصادي. ولأنه حوار وطني، فهو في حاجة إلى تفكير وطني، ليتحقق الإجماع الوطني الذي نحتاجه أكثر مما نحتاج شيئا آخر سواه.
أعداء من الطرفين
وجهة نظر جديرة بالتأمل طرحها منصور عبد الغني منصور في “الأهالي”: كما في المعارضة يوجد أفراد وكيانات يسعون لإفشال الدعوة التي أطلقها الرئيس لبدء حوار سياسي بين مختلف القوى، فإن هناك أفرادا وجماعات ينتمون إلى مؤسسات الدولة يسعون لعدم نجاح فكرة الحوار. منذ أن أخذت دعوة الحوار طريقها إلى التنفيذ وإرسال الدعوات إلى ممثلين عن مختلف ألوان الطيف السياسي في البلاد وشخصيات عامة وأكاديميين وباحثين وخبراء دون إقصاء في إطار تحالف 30 يونيو/حزيران بدأ ما يمكن تسميتهم بالطابور الخامس مخطط إفشال الحوار السياسي، سواء بإعلان ما يشبه الشروط وإشاعة عدم الثقة والحديث عن ضمانات من جانب المنتمين لأحد الأطراف، أو ببدء حملات التشويه والإساءة واستخدام اللجان الإلكترونية في الهجوم ضد بعض الذين تم توجيه دعوات الحوار إليهم للتأكيد على عدم جدوى الحوار السياسي مع من سمتهم اللجان الإلكترونية بالمعارضة. المعارضة ليست موحدة في شخص أو فكر أو اتجاه سياسي أو حزب، كما لا يوجد ائتلاف أو جبهة موحدة يمكن تسميتها بالمعارضة، فقط كان هناك تحالف واسع لمختلف القوى والأحزاب نجح في إسقاط حكم الإخوان في 30 يونيو وبعد نجاح الثورة حدث انقسام ولم يستطع هذا التحالف إيجاد مشترك بين تناقضاته الفكرية والأيديولوجية للاستمرار، بالإضافة إلى أن الاختلاف حول سياسات الدولة ونهجها وأولوياتها ساعد علي عدم استمرار التحالف. التأكيد والتكرار المتعمد وتصدير شخصيات بعينها ومسميات ليس لها وجود على أرض الواقع للمشهد السياسي، باعتبارها المعارضة، سواء من الشخصيات ذاتها أو من تلك المسميات، أو من اللجان الإلكترونية وصفحات المواطنين الشرفاء التي بدأت حملاتها ضد الحوار وأهميته وجدواه، خاصة أنه لم يعد يخفى على أحد تبعية تلك الصفحات ومن يديرها، أن تصل بالحوار السياسي المرتقب إلى ما يخطط له ويتمناه الطابور الخامس داخل مؤسسات الدولة وخارجها. التجهيز للحوار بدأ على أرضية أن الخلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية والانتقال بدولة 30 يونيو/حزيران إلى مرحلة جديدة من خلال مشروع سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي يحقق مطالب وطموح المواطنين، يتطلب نجاح الحوار وعدم إفراغه من مضمونه وكذلك التصدي للطابور الخامس في الحكومة وفي بعض القوى والتيارات السياسية.
ليسوا فقراء
للوهلة الأولى يبدو أحمد عبد التواب في “الأهرام” أنه يتخذ موقفا متوجسا تجاه الفقراء: ينبغى ألا يتبدَّد بلا فائدة استكشاف أجهزة الدولة والرأي العام، في حالات النصب المتتالية، أن هناك أموالا مكدّسة في أبعد القرى التي تُصنَّف رسميا بالخطأ بأنها من الأشد فقرا، وأنه، وفق هذا الخطأ، يُصنَّف هؤلاء بأنهم معدمون أو محدودو الدخل فيتحصلون بالتالي على أنواع مختلفة من الدعم، في حين أثبتت وقائع النصب التي وقعوا فيها أن لدى أعداد كبيرة منهم قدرا كبيرا من المال لا تعرف الدولة عنه شيئا، وقد وصل مجموعه في جريمة نصب واحدة في منطقة واحدة إلى ملياري جنيه، ينبغى توضيح أنه لا تحفظ بالمطلق على أن يكون لأي فرد هذا القدر من المال، بل من حق الجميع أن يكون لديهم المزيد، أما المطلوب، في هذا السياق، فهو إخراج من لا تنطبق عليه شروط الدعم من قوائم المستحقين للدعم. خاصة هؤلاء الذين يزيد دخل الواحد منهم على راتب موظف من الفئات العليا يدفع ضرائبه من المنبع. ثم يجب أن يُنظر بعد هذا في تحديد مصدر أمواله، والبحث في التزامه بتراخيص نشاطه ودفعه للضرائب. لتحقيق هدفين: أولهما التخفيف عن كاهل الدولة في بنود الدعم، والثاني زيادة موارد الدولة القانونية من الضرائب، حتى تتمكن من الالتزام بمسؤولياتها تجاه المجتمع والقيام بخططها المتعددة. يرفع البعض شعارا غائما عن عدم المساس بالدعم، وهذا موقف نبيل شريطة أن يقتصر على مستحقي الدعم، وهذا واجب ينبغي أن تلتزم به الدولة، مع وجوب فرز المتطفلين غير المستحقين. أما الكلام عن أن الأولى أن تتوجه الدولة لتحصيل استحقاقاتها من الأثرياء، فما المانع أن تقوم الدولة بواجبها على الجبهتين.
احذروا القرود
حالة من القلق انتابت الكثيرين بسبب الحديث عن فيروس جديد، وهو الأمر الذي اهتم به جلال عارف في “الأخبار”: “من لسعته الشوربة، ينفخ في الزبادي”. العالم الذي اكتوى بأزمة كورونا يتحسب كثيرا لأي فيروس ينشط حتى لا تتكرر المأساة. ظهرت بضع عشرات من الإصابات في الأيام الأخيرة بفيروس “جدرى القرود” فانطلقت على الفور أجراس الإنذار تدق، وبدأت منظمة الصحة العالمية تتحرك، وبدأت حكومات العالم في متابعة الموقف بدقة، واستنفار المؤسسات الطبية والعلمية لتكون في حالة طوارئ. فيروس “حمى القرود” ليس جديدا. ظهر قبل أكثر من نصف قرن في افريقيا، لكن المقلق الآن أن يظهر في وقت واحد – في أكثر من عشر دول أوروبية، دون ارتباط واضح بين المصابين أو أدلة على انتقال الفيروس عن طريق السفر. هذا الغموض في مصدر الإصابة هو ما يثير القلق حول إمكانية الانتشار الواسع للفيروس في بلدان لم يكن الوباء يعرف طريقه إليها. لكن ما يطمئن لحد كبير هو أن الفيروس معروف، والدواء واللقاح الخاص به موجودان وفاعلان. بالاضافة إلى أن الفيروس نفسه ليس قويا والوقاية منه أسهل لأنه ينتقل بالتلامس وليس عن طريق التنفس. كما أن التنبه مبكرا بنشاطه المفاجئ يصنع الفارق بينه وبين كورونا، الذي ما زلنا نجهل الكثير عنه حتى الآن، ومع ذلك يبقى الحرص واجبا لأن من لسعته «شوربة» كورونا.. لابد أن ينفخ في «زبادي» حمى القرود وكالعادة.. لا تبقى السياسة بعيدا، وكما تبادلت أمريكا والصين الاتهامات بالمسؤولية عن انتشار كورونا. وعلى خلفية الحرب في أوكرانيا تعيد روسيا الحديث عن انشطة المعامل البيولوجية الأمريكية على الأراضي الأوكرانية، وتقول نائبة رئيس البرلمان الروسى إن هذه المعامل التابعة للجيش الأمريكي أجرت أبحاثا غير مشروعة على فيروسين مثل «إيبولا» و «الجدري». ما ينبغي التأكيد عليه أنه لا داعى للقلق، وأن الفيروس الجديد لا ينتقل بسهولة مثل كورونا، وهو ما زال بعيدا عنا، وأن الوقاية منه سهلة لأنه ينتقل بالتلامس الجسدي فقط، وأن اللقاح موجود ويتم استعماله منذ عشرات السنين. الاحتياط واجب خاصة بعد أن وصلت «حمى القرود» إلى بعض دول الجوار، لكن لا داعي للقلق فقد تعلم العالم كثيرا من درس كورونا.
الغش للجميع
نتحول نحو القضية التي تهم الملايين من أولياء الأمور بصحبة أحمد التايب في “اليوم السابع”: هل من المعقول أن يصبح للغش مبرر في حياتنا؟ وهل يُعقل أن نصل إلى مرحلة أن يُقاتل بعض أولياء الأمور من أجل أن يغش أبناؤهم الطلاب؟ بل إن العجب العجاب حرص بعض أولياء الأمور قبل الطلاب على الاشتراك في جروبات الغش على منصات التواصل الاجتماعي، والأرقام هنا مرعبة بالنسبة لأعداد الطلاب وأولياء أمورهم المشتركين في هذه الجروبات، والتى تقدر بمئات الآلاف، والأشد عجبا هو شُكر أولياء الأمور للقائمين على هذا الجروبات ودعواتهم لهم بالتوفيق جزاء ما يفعلون وما يقدمونه من خدمات لأبنائهم. والسؤال.. ألم ير أولياء الأمور أن هذا بمثابة فساد ينخر في نخاع المجتمع، ويجلب لنا نظاما تعليميا يعترف بالشهادات لا التعلم، فنكون أمام طبيب يتاجر بالمرضى، ومهندس تنهار على يديه العمارات، ومدرس نصاب وغير كفء على أداء رسالته، وموظف مزور بلا ضمير، ومواطن مخادع غير مسؤول تجاه نفسه أو تجاه مجتمعه، فينتشر العنف وتنهار الأخلاق. فلماذا لا نترك أبناءنا يسيرون في المسار الطبيعي وفق قدراتهم وتحصيلهم، فمن يدخل الجامعة يدخل، ومن يقف عند التعليم المتوسط، فيكون هناك طبيب عالم رحيم ومهندس مبدع أمين ومدرس صادق رسول، وفلاح ناجح أو نجار أو كهربائي، والأهم من هذا كله أن لا يشعر أحد فينا بظلم لأنه يعرف قدراته، ولا يشعر أحد فينا أنه أخذ مكان الآخر، فعندما نلتقي كل بمهنته نتعامل بحب ومودة واحترام، وإقرار بالواقع المُستحق.. وأخيرا.. يجب علينا الانتباه قبل فوات الأوان، وأن نتخلى عن الطريق الأسهل والمضمون للوصول والنجاح واعتلاء المناصب والترقي واهتمامنا يكون من أجل التعلم لا الحصول على الشهادات.
العمدة وابنه
لا يقف عبد الغني عجاج في “المشهد” عاجزا أمام الخطوط الحمر التي تحول بين الكتاب والنقد المباح: كل من نشأ في الريف المصري يعرف قيمة العمدة باعتباره رئيس جمهورية القرية ومندوب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وكل الأجهزة التنفيذية.. وكل من نشأ في الريف المصري يعرف قيمة بيت العمدة فهو مقر الحكم ومقر المحكمة العرفية.. وكل من نشأ في الريف المصري يعلم أن أسرة العمدة زوجته وأولاده يعاملون معاملة خاصة، فزوجته تعتبر سيدة القرية الأولى، وأولاده هم الأولى بالرعاية والطبطبة وفتح الأبواب أمامهم، بل هم الأولى بالتدليل إلى حد تبجيلهم وقبول أي شيء منهم. صحيح أن سيدة مصرية شجاعة تقدمت بشكوى للعمدة ضد ابنه المدلل فحواها: يرضيك يا عمدة ابنك حميدة حدفني بالسفندية، وقعت على صدري ضحكوا عليا زملاته الأفندية، يرضيك يا عمدة؟ السينما المصرية قدمت لنا نماذج متعددة للعمدة وأولاده، فالعمدة عمر الشريف في فيلم (المواطن مصري) المأخود عن رواية (الحرب في بر مصر) ليوسف القعيد نجح في استئجار من يقوم بأداء الخدمة العسكرية (عبدالله محمود نجل الفلاح البسيط عزت العلايلي) بدلا من ابنه المدلل والأرعن (خالد النبوي). والعمدة عبدالوارث عسر في فيلم (الأرض) رائعة عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف شاهين كان كل همه خدمة الباشا الاقطاعي على حساب مصالح وأراضي أبناء قريته، ونسي أن مهمته الأساسية خدمة أبناء قريته.
من أين له هذا؟
سعى عبدالغني عجاج أن يذكر القراء بالممثل الرائع صلاح منصور في فيلم (الزوجة الثانية) الذي جسد دور العمدة الذي ذهب إلى أبعد مدى في الظلم، اعتمادا على أن الدفاتر دفاتره والورق ورقه وكل أصحاب الكلمة في القرية يسخرون بلاغتهم لإرضائه وتحقيق رغباته غير المشروعة قبل المشروعة، حتى أنهم تكاتفوا معه لإجبار أبو العلا (شكري سرحان) على تطليق زوجته (سعاد حسني) حتى يتزوجها هو، على أمل أن يرزق منها بالابن. ثنائية العمدة وابن العمدة شغلت حيزا لا بأس به في السينما المصرية، إلا أنها لم تهتم بمناقشة القواعد المنظمة لعمل العمدة وكيفية محاسبته هو وأسرته.. وهل يجوز محاسبته وتوجيه سؤال: من أين لك هذا له ولأولاده وهو في السلطة؟ أم أن هذا السؤال لا يجوز إلا بعد أن ينتقل العمدة إلى رحمة الله، ويأتي عمدة جديد، إن شاء غض الطرف عن فساد أبناء العمدة السابق، وإن شاء هتك سترهم في الوقت الذي يختاره سواء مباشرة أو بتوجيه أجهزته للقيام بالمهمة يبقى القول، إنه ليس كل العمد سواء، فالعمدة في (دعاء الكروان) رائعة طه حسين كان رجلا صالحا يفتح بيته لكل قاصد كريم وعابر سبيل.. كما أن العمدة لم يرض عما فعله ابنه حميدة الذي تحرش بالفتاة وألقى عليها السفندية.
ربما استراح
آثرت خولة مطر على رثاء الشاعر الكبير مظفر النواب في
“الشروق”: بحثوا كثيرا عن دواوينه هو الممنوع قراءته أو ذكر اسمه ربما في كل مدن العربان لما واجههم فيه من عداء، مرة لضعفهم ومرات لظلمهم وطغيانهم وكرههم لأي فكرة محلقة خارج قفص العقول المتحجرة. ولكنها بيروت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، حيث لا حواجز للأفكار ولا سجون للكتب ولا معتقلات للشعراء والمثقفين والسياسيين والمعارضين شيوعيين منهم وقوميين وبعثيين واشتراكيين وتروتسكيين و..و.. صعب على الأدمغة الصغيرة استيعاب المعارك التي كانت تدور بينهم علانية وليس بينهم وبين الأمن والسلطات كما اعتادوا هناك. تعرفوا على مظفر النواب ونبشوا دواوينه وتبادلوها وانغمسوا في الاستماع لأشرطة شعره حتى كان ذاك اليوم الذي قرأوا الإعلان عن أمسية شعرية له في جامعتهم العريقة.. لم يصدقوا أن الجامعات تستضيف خريجي السجون والمعتقلات والمنافي، مظفر الذي سجن لأكثر من مرة وهرب من الأمن مرات ومن السجن أيضا، ثم عاش أربعة عقود في المنافي، مرة داخل الوطن ومرات خارجه حتى لفظ نفسه الأخير في إحدى المدن البعيدة عن بغداد والبصرة واستعدوا لتلك الأمسية بكثير من التحضير والقراءات والنقاشات حتى جاء ذاك المساء بنسمة عليلة. اكتشفوا حينها أن مظفر لم يكتب فقط «القدس عروس عروبتكم» و«الريل وحمد» بل هناك كثير من العشق والغزل.. أما مفاجأتهم الكبرى فكانت في تلك القدرات المتنوعة له من تمثيل وقدرة على الإلقاء وهو يغني قصائده بكثير من إبداع المالك لأكثر من موهبة.
خبز الثائرين
تابعت خولة مطر التفتيش في كنوز الشاعر الذي غادرنا للتو وعلاقاته بالسلطة وخصومها: لم تجرح آذانهم بعض شتائمه في أبيات شعره فهو الذي أدخل الشتيمة إلى الشعر، دون أن ينزل من مرتبته في مكانه الإبداعي فقد كان فيه شتم للذات العربية المتهالكة. وهو في ذلك كان يعبر عن الظلم والقهر الذي يتعرض له الكادحون من فلاحين وعمال، دون أن يدرك في البدء أنهم بعيدون عن قراءة الشعر حتى حوّل قصائده من الدواوين إلى أشرطة الكاسيت، وعندما تحولت القصيدة إلى صوت وتمثيل انتشرت بينهم بل تعدتهم لتصبح وجبة يومية لكل عربي متذوق. أصبحت قصائده خبز الثائرين والمتذوقين وصار هو حديث المجالس الشعرية والأدبية عندما طاردته الأجهزة الأمنية على خلفية الصراعات بين الشيوعيين والنظام الحاكم في بغداد آنذاك. فهرب للأهواز وقضى فيها نحو العام وهناك إشارات لتلك الرحلة في قصائده ومنها «بكائية على صدر الوطن» ورغم أن بداياته كانت بالعامية، وهي التي تحولت مع الوقت إلى أغنيات شعبية، إلا أن كثيرا من شعره المعروف عالميا هو المكتوب بالفصحى لصعوبة فهم العامية العراقية على كثير من العرب، رغم أن عشاق شعر مظفر النواب يتمددون على أضلع الأوطان كلها. ما كان يجعله الأقرب للكثيرين هو تلك القدرة على الحديث عن الوجع والتشرد وفى قصائد أخرى كثير من الحب والغزل وتوصيفات مشابهة للتراث العربى مثل وصف الخمر وجسد المرأة وعينيها.. يبقى مظفر خاصا جدا حتى بين شعراء زمنه ربما لتلك التركيبة النادرة من تعدد المواهب والقدرات والتجارب وربما أيضا لأنه لم ينسَ قضيته الأولى أبدا ولم يتهاون ولم يتراجع بل بقى أمينا على تلك القناعات والمبادئ حتى مارس كل المهن وعبر البحور والمحيطات والأنهار وسكن بلدات ومدن عدة.. هو الذي تفرد حتى في طريقة هربه مع مجموعة من «رفاقه» من سجن الحلة المركزي عندما حفروا نفقا بالملاعق والسكاكين الصغيرة بطول 25 مترا وعرض وارتفاع 75 سنتمترا.
أغبياء بإرادتنا
الجدل الذي يثار من وقت لآخر على منصات التواصل الاجتماعي حول قضايا وهمية، وينساق للمشاركة فيه ملايين من الأفراد، مثل موضوع تغميض تمثال أبوالهول عينيه وغيره، يحتاج كما قال الدكتور محمد كمال في “المصري اليوم” إلى تحليل عميق لأنه أحد مؤشرات الحالة الذهنية والمزاجية والسياسية للمجتمع. هذا الجدل ذكرني بمقال نشر حديثا في مجلة “أتلانتك” الأمريكية بعنوان «كيف حلت وسائل التواصل الاجتماعي لحمة المجتمع وجعلت أمريكا غبية؟». إحدى الأفكار الرئيسية في المقال هي أن هناك ثلاثة أسس رئيسية على الأقل تربط المجتمعات الناجحة هي: المؤسسات القوية، والروايات المشتركة (أي توافق الرؤى حول قضايا كبرى) ورأس المال الاجتماعي (شبكات اجتماعية واسعة تتمتع بمستويات عالية من الثقة)، وقد أضعفت آليات التواصل الاجتماعي هذه الأسس الثلاثة، وأصابت المجتمعات بحالة من «الغباء الهيكلي» الناتج عن الجدل دون الاستناد إلى حقائق أو أدلة علمية. والأمر لا يتعلق فقط بضياع الوقت وتوجيه الاهتمام لقضايا لا تستحق الاهتمام، ولكن يساهم في ازدهار التحيزات الناتجة عن الحوار داخل قوقعة لمجموعات تتشابه في الأفكار، وليس الحوار مع مجموعات تختلف عنها في الفكر، وهو ما يؤدي إلى تعزيز التطرف وغياب الرشادة. ولكن كيف حدث هذا الأمر؟ في تجسيداتها المبكرة، كانت المنصات الاجتماعية مثل الفيسبوك وماي سبيس Myspace غير ضارة نسبيا، حيث سمحت للمستخدمين بإنشاء صفحات يمكن من خلالها نشر الصور والتحديثات العائلية من أجل أن يطلع عليها الأسرة والأصدقاء، وبهذه الطريقة، كانت مجرد خطوة أخرى في التقدم الطويل للتطور التكنولوجي، التي ساعدت الناس على تحقيق الهدف الأبدي المتمثل في الحفاظ على روابطهم الاجتماعية.
حمقى بثوب حكماء
واصل الدكتور محمد كمال رصده للتحول الذي خيم على العالم بزيادة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي: الأمر بدأ يتغير عام 2009، عندما عرض الفيسبوك على المستخدمين طريقة لـ «الإعجاب/ لايك» بالمنشورات بنقرة زر واحدة. وفي العام نفسه، قدم تويتر شيئا أكثر قوة وهو زر «إعادة التغريد»، الذي سمح للمستخدمين بتأييد منشور علنيا مع مشاركته أيضا مع جميع متابعيهم، وسرعان ما نسخ فيسبوك هذا الابتكار باستخدام زر «مشاركة/ شير» الخاص به، الذي أصبح متاحا لمستخدمي الهواتف الذكية في عام 2012. بعد فترة وجيزة من بدء زر «أعجبني» قام الفيسبوك باستخدام خوارزميات لتزويد كل مستخدم بالمحتوى الذي يُرجح أن ينتج عنه «إعجاب» أو «مشاركة»، وأظهر بحث لاحق أن المحتوى التي يثير المشاعر – خاصة الغضب- هو الأكثر احتمالية للمشاركة. بحلول عام 2013، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي لعبة جديدة، تتمتع بديناميكيات مختلفة عن تلك التي كانت موجودة عام 2008، وأصبح بقدرة أي شخص إذا كان ماهرا أن ينشئ منشورا من شأنه أن «ينتشر بسرعة» Viral، وشجعت هذه الآلية على عدم الأمانة وديناميكيات الغوغاء، وكشف أحد المهندسين في تويتر الذين عملوا على زر «إعادة التغريد» أنه نادم على مساهمته لأنها جعلت تويتر أكثر سوءا، وقال «ربما نكون قد سلمنا للتو طفلا يبلغ من العمر 4 سنوات سلاحا محشوا بالذخيرة». ويشير المؤلف إلى أنه مما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي أعطت صوتا لبعض الأشخاص الذين لم يكن لديهم سوى القليل من الأهمية، وسهلت محاسبة الأشخاص الأقوياء والمسؤولين عن أفعالهم السيئة، ليس فقط في السياسة ولكن في مجال الأعمال والفنون والأوساط الأكاديمية وأماكن أخرى. ومع ذلك، فإن «المساءلة» المشوهة لوسائل التواصل الاجتماعي جلبت أيضا الظلم – والخلل السياسي.
بطولة سنغالية
أثارت قضية اللاعب السنغالي إدريسا جاي، المحترف في نادي باريس سان جيرمان، جدلا كبيرا داخل فرنسا وخارجها، وأعلنت مؤسسات دينية ورياضية ومئات الآلاف من الأشخاص في العالمين العربي والإسلامي تضامنهم معه. وقد بدأت المشكلة التي اهتم بها عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” حين استدعى الاتحاد الفرنسي لكرة القدم اللاعب السنغالي لمساءلته بشأن سبب غيابه عن الجولة الأخيرة من الدوري الفرنسي ضد نادي مونبلييه، والسبب في الحقيقة كان معروفا، وهو رفض اللاعب ارتداء قميص كتب فيه رقمه بلون علم المثلية كنوع من التضامن معهم. وقد طالب البعض بطرده من النادي لأنه «يتلقى أجرا لا يستحقه»، كما قالت مرشحة الرئاسة الخاسرة «بالثلاثة» فاليرى باكريس، (حصلت على أقل من 5%): «إن لاعبي نادٍ لكرة القدم هم أرقام تعريفية لشبابنا. وعليهم واجب أن يكونوا قدوة لهم، ورفض إدريسا جاي الانضمام إلى تلك المباراة جريمة، ولا يمكن أن يبقى رهاب المثلية دون عقاب». وقد أدت هذه المواقف إلى حدوث ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي عربيا وعالميا، وأطلق وسما باللغة العربية دعما للاعب السنغالي #كلنا_إدريسا_جاي، وآخر باللغة الإنكليزية يحمل المعنى نفسه #WeareallIdrissa. وقد تصدر مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم كله في رسالة تضامن واضحة مع حق اللاعب في الاختيار.. الحقيقة التي انتهى إليها عمرو الشوبكي أن بعض ردود الفعل العربية تعاملت مع الموضوع باعتباره قضية دينية وإسلامية، وهو أمر يعالج المشكلة إذا كان اللاعب محترفا في ناد عربي، أما أنه محترف في ناد أوروبي، فتصبح القضية الأساسية هي قضية حرية الرأي والاعتقاد وليس انتماءه الديني، إن كثيرا من بيانات التضامن العربية مع اللاعب انطلقت من كونه لاعبا مسلما يجب التضامن معه، كما ذكر أحد الإعلاميين العرب بالقول: «عندما يكون اللاعب سفيرا حقيقيا عن دينه، ويجعل دينه فوق كل اعتبار وفوق كل مصالحه وفوق كل أحلامه.. حدثنى عن إدريسا». أما بالنسبة لبيان مرصد الأزهر فقد انقسم إلى جزأين: الأول للداخل العربى الإسلامى بإعلان رفض استغلال المنافسات الرياضية والفنية لتمرير بعض الأجندات وتطبيع الشذوذ الجنسي، والثاني كان ممتازا، وهو جوهر القضية، بالقول: إن إجبار اللاعب أو أي شخص على اتخاذ موقفٍ بعينه عكس رغبته وقناعاته وتعاليم دينه يتنافى مع منشور حقوق الإنسان، وقيم الحرية التي تنادي بها المجتمعات الأوروبية. ما سينفع اللاعب السنغالي المهدد مستقبله الرياضي حقيقة هو التضامن معه على أساس قيمة حرية الرأي والاعتقاد، فالرجل لم يحرض ضد المثلية ولم يطالب بحبسهم كما تنص قوانين بلاده السنغال، إنما احترم قواعد المجتمع الذي يعيش فيه، وكان نموذجا للأخلاق والالتزام الرياضي، فيجب أن لا يفرض عليه، وفق بديهيات مبادئ حقوق الإنسان، أن يتخذ موقفا عكس قناعته الدينية أو الأخلاقية أو حتى الشخصية.