د. يحيى مصطفى كامل
لست في حاجةٍ لأن الفت نظر القراء أو أي شخصٍ من الجمهور كائنةً ما كانت ميوله السياسية (أو عدمها) إلى أي قاعٍ من الملل والبلادة وصلت الحال بالثورة المصرية، تلك التي عقد العرب وسائر عشاق الحرية والتحــــرر شرقـــــاً وغرباً آمالهم العريضة عليها وعلى ما حسبوه حينذاك نجاحها السريع المبهر… لست في حاجةٍ لأن أشير بسبابتي مدللاً إلى وجوه الناس تتراوح عليها تعبيرات الغضب آناً والسخرية الممزوجة بالازدراء آناً آخر من تسلسل الحوادث الغرائبية… لست في حاجةٍ لدعوة أحدٍ للتحديق في وجوه المارة والجالسين على المقاهي ليستشف منها نفاد الصبر وعدم الاكتراث، وللأسف الشعور المبرر بالغدر وخيبة الرجاء… في بحثي المستمر عن كلمةٍ واحدةٍ تعبر عن واقع الثورة المصرية، تلك الكلمة الوحيدة الصحيحة التي طالما أجهدت فلوبير الأديب الفرنسي الشهير- وصفت هذه الثورة بالمنقوصة ومن ثم المغدورة، إلا أنها والحمد لله تطورت فأضحت مترهلةً… أجل مترهلة… ثورةٌ على شاكلة مبارك وبطانته وعهده.
يكفيك أن تتأمل عبثية الأحداث ودمويتها… معارك الأمن مع صامدي الثوار التي يستشهد فيها البعض ويفقد البعض الآخر أطرافهم وعيونهم… العشرات يذهبون ضحايا مباراة كرة قدم… البلطجية واللصوص الكبار وأساطين فساد مبارك إما يفلتون أو يقفون أمام القضاء المدني بينما يُجرجر الثوار أمام النيابة العسكرية والقضاء العسكري ليمتهنوا ويداسوا بالأحذية العسكرية الأكثر ثقلاً… فوضى الإعلام والفضائيات المنتشرة كالفطريات تزخر بكل ما هو تافه ومضلل وبعشرات الإعلاميين الذين غيروا جلودهم بليل فأضحوا أشرس الثوار بعد ان صدعوا أدمغتنا طبلاً وزمراً وتهليلاً للمخلوع في زمنه… ليس من الطبيعي على الإطلاق أن تكون حال البلد كما هي عليه بعد عامٍ ونيف من ثورةٍ بهذا الحجم، فالثوار لا يحكمون، بل هم مهمشون… مما يطرح سؤالاً مؤلماً وإن كان ملحاً: لما كان هذا الحراك الشعبي لم يسقط سوى رأس النظام فبقيت هياكله وكوادره (إن جازت إطلاق هذه الكلمة على هكذا أوباش) سليمة في أماكنها، ولما لم يتحقق أي مطلبٍ على الأرض أو أي تغييرٍ اجتماعي يعكس واقع ثورة، بل والأنكى أن ما يطلق عليها انتخاباتٌ حرة أتت ببرلمان يميني ورجعي… لما كان مبارك وابناه يحاسبان على الفتات وليس على هزائم الوطن وانتكاساته وبيعه بخساً لإسرائيل وإبادة شعب بالمسرطنات ومحيطات الفساد، بل والمزحة الثقيلة أن الإشارات تفيد بقرب تبرئته… ولما ولما… أيحق لنا، بل هل من الصحيح علمياً أن نطلق على هذا الحراك العظيم ثورة؟! أكثر من عام من اللف والدوران في حلقةٍ مفرغة بلا أية منجزات سوى حرية الفوضى الكلامية، يضاف إليها قمعٌ وإرهابٌ وترويعٌ من الأجهزة الأمنية وميليشــيات النظام من البلطجية… أجل، هي ثورةٌ مترهلة.
وبعد طول تفكيرٍ ومراقبةٍ للأحداث خلصت إلى هذه النتيجة التي أقررها بارتياح ضمير: لقد أسأنا تقدير مبارك… أسأنا تقدير حجم التجريف السياسي الذي تسبب فيه… أسأنا تقدير نجاحه في فرض نمط البلادة واللامبالاة… أسأنا تقدير مقدار الترهل الذي لحق بجسد وروح المجتمع طوال ثلاثين عاماً من حكمه المشؤوم.. لم يستثمر مبارك عن عمد وبتؤدة طوال تلك السنوات في فرض البطء وتجميد الصراعات فقط، وإنما في إفساد الناس والثقافة المهيمنة على المجتمع… فهو لم يوجد قطاعاً عريضاً من المستفيدين المتحلقين حوله من القطط السمان فقط، وإنما عمد، عن طريق الإفقار، إلى دفع الناس للجوء إلى الأساليب الملتوية الفاسدة كوسيلةٍ أخيرة ويائسة للتحايل على المعايش في صراع بقاءٍ شرس في ظل دولةٍ باطشةٍ تحللت من كل التزاماتها تجاه مواطنيها فتدهورت الأخلاق وانهارت منظومة القيم الحاكمة للمجتمع وبات الكثير من الناس يستسيغ بل يستعذب طعم الفساد ملتفاً في شباكه حتى لتجدن أصغر موظف ضالعاً في الرشى ينتظر دوره بفراغ صبر لكي يصل ويصبح موظفاً كبيراً فاسداً وربما وزيراً فاسداً… أسأنا تقدير مدى إفساد مبارك للمؤسسة الأمنية والعسكرية.. يجوز أننا كنا ندينهم بالعنف والإجرام إلا أننا، فيما يبدو الآن أنه كان طوبويةً مفرطةً في التفاؤل، كنا نرى أنهم ضحايا وأن صغار الضباط ومتوسطيهم لا يقومون بذلك إلا خوفاً من عسف وقصاص رؤسائهم؛ ثم تكشف لنا أن بعضهم يتلذذ بتصويب الخرطوش على أعين الثوار وسط استحسان زملائه وأنهم يرون أن مزاياهم وخرقهم القانون لم يكن تعدياً وإنما حقاً أصيلاً كونهم سادة هذا الشعب الذي يحتقرونه ولا يريدون ان يواجهوا حقيقة مسؤوليتهم عن جعله مجرماً… لم ندرك مدى رداءة الأفكار التي غرست فيهم وفسادها… أسأنا تقدير مجهود نظام مبارك المدمر الذي أفقر قطاعاتٍ بأكملها دافعاً بها إلى الهامش وما يلحق به من غيابٍ لمنظومة القيم و شعورٍ بانعدام الانتماء لهذا الوطن وهذا المجتمع الذي يعاملهم بفوقية واحتقار مما يولد حقداً وكراهيةً لهذا المجتمع، ولعل المثال الأصرخ لذلك يتجسد في فئة البلطجية الذين يعادون الناس ولا يرون غضاضةً في العيش الطفيلي على حسابهم بل والقيام بالاعتداء عليهم ضرباً وقتلاً في خدمة المنظومة الأمنية لنظامٍ تقع على عاتقه مسؤولية وجودهم المزري.
أسأنا تقدير مبارك حين لم نتصور مدى عمق ووحشة مستنقعات القسوة والظلامية المعادية للمجتمع والثقافة التي تتوفر عليها فصائل من يتسمون بالسلفيين، أولئك الذي لا يخفى على أي عالمٍ ببواطن الأمور كيف تعهدهم النظام بالرعاية والدعم ليحدوا من تمدد نفوذ الإخوان المسلمين شريطة أن يظلوا رعايا السلطان يسبحون بحمده ويكفرون كل خارجٍ عليه وألا يتدخلوا في السياسة… لم نقدر تبعة إفساد مبارك للحياة السياسية مما أدى إلى ضعف كل التنظيمات الحزبية الغير إسلامية التي تلهث الآن محاولةً اللحاق بقطار الأحداث فلا تستطيع تجاوز عقودٍ من الإخصاء رغم صدق النوايا والشعور بالخطر أمام الخصم الإسلامي الشرس الفارض وجوداً خانقاً واعداً بالكوارث وممثلاً كتلةً رجعيةً تعرقل أي إصلاحٍ حقيقي بل و تريد القفز إلى الوراء بما يجعل من مبارك ملاكاً.
كنا ندرك أن المخلوع أفسد الحياة الثقافية، إلا أننا لم نتصور أن الطرق الملتوية التي ستعيد منظومة الإعلام الفاسد طرح نفسها بها كجزءٍ أساسي من سعي النظام لإعادة إنتاج نفسه ستكون بهذا المكر وهذه المراوغة، إذ أغرقت الجمهور في طوفان من التحليلات أقلها قيم و حكايات عن المخلوع لا ترقى إلى مستوى النميمة الرخيصة وطق الحنك في برامج ال’توك شو’ حيث يصور كل ضيفٍ عليها نفسه بطلاً مغواراً خالف المخلوع وجهر بكلمة الحق في وجهه في زمنٍ عزت فيه الشجاعة.
لكل ما سبق فإنني أؤكد أن النظام وإعلامه العميل يموعان الثورة في سيلٍ من الترهل ووصلات الردح والصراعات المصطنعة مركزين على كل ما هو سطحي وتافه لتتحور الثورة إلى ‘مكلمة’ ومزحة تثير ضحك الناس وتبتذل حرية الإعلام والتعبير إلى حرية الهراء والكلام المطلق… و هو في ذلك يستعين بذلك الرصيد الهائل من الفساد والدمار الذي استثمر فيه مبارك وخلفه وراءه تركةً ثقيلةً تنوء تحته الثورة؛ وفي هذا السياق علينا دائماً أن نتذكر أن جزءاً اساسياً في الثورة هو اقتلاع الثقافة القديمة وإحلال قيم ٍ جديدة تعبر عن أهداف الثورة محلها، وهي مهمةٌ لا بد من إنجازها سريعاً وبحسم لكي لا يلتف القديم عليها.. و هو يقيناً ما لم يحدث في الثورة المصرية… في استطاعتي الاسترسال في حديثٍ حماسي عن جذوة الثورة التي ابداً لن تنطفئ (وهو بالمناسبة إيماني العميق…) غير أنني بذلك أداري خشيتي وإشفاقي وغضبي على ثورةٍ بلغت من العمر أكثر من عام ولم تنجز شيئاً يذكر… حتى القليل الذي تحقق من قبيل حرية الرأي وإقرار تداول السلطة يتم تشويهه وابتذاله من قبل إعلامٍ منحطٍ بلا ضمير وإسلامٍ سياسيٍ على استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل الاستحواذ على أقصى قدرٍ من السلطة… إن المعركة مازالت طويلة لبناء دولةٍ ومجتمعٍ جديد، إذ يبدو مؤكداً الآن أن مخلفات عهد مبارك أكثر وأخطر من الاستهتار بها…. و لما كان إنجاز مبارك في الفساد والترهل يفوق تصور أشرس كارهيه ومعارضيه فإنه يتعين علينا أن نقول له: معذرةً… لقد ظلمناك وبخسناك حقك.’ كاتب مصري