شركات الجيش السوداني في دائرة إجراءات أمريكا ضد سلطات الانقلاب

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: رجح مراقبون سودانيون أن يكون تحذير الإدارة الأمريكية من التعامل مع الشركات المملوكة للجيش، مقدمة لخطوة محتملة لفرض عقوبات على الأفراد الضالعين في الانقلاب، في حال لم يقدموا التنازلات المطلوبة لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي. وفي نشرة مشتركة أصدرتها أربع وزارات أمريكية، تشمل الخارجية والخزانة والتجارة والعمل، جرى التحذير من مخاطر متزايدة قد تتعرض لها الشركات الأمريكية والأفراد المرتبطين بممارسة الأعمال التجارية مع الشركات السودانية المملوكة للدولة والشركات التي يسيطر عليها الجيش. وتأتي الخطوة، في وقت تواجه فيه البلاد شبح الانهيار الأمني في خضم أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة تكاد تعصف بها، منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وتملك السلطات السودانية نحو 650 شركة مدرجة في البورصة، منها 200 على الأقل مملوكة بشكل مباشر للجيش، حسب النشرة، التي أكدت أن هذه الشركات المملوكة للدولة تستنزف الموارد المالية والاقتصادية في السودان.
وأشارت إلى أن السودان لا يزال يُصنف كواحد من أكثر الدول فساداً في العالم من قبل منظمة الشفافية الدولية وثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، لافتة إلى سيطرة الشركات المملوكة للدولة والشركات التي يسيطر عليها الجيش على الكثير من تجارة الذهب في البلاد وتصديره إلى الخارج.
ونوهت إلى أن تجارة الذهب ضعيفة التنظيم في السودان وترتبط بعمالة الأطفال واستخدام الزئبق في التنقية، من بين أمور أخرى.
وعلى الرغم من أن النشرة التحذيرية التي أصدرتها واشنطن مساء الإثنين، غير ملزمة قانونيا، إلا أن مراقبين سودانيين يرونها تطورا في الموقف السياسي الأمريكي من الأوضاع في البلاد، مرجحين أن تكون مقدمة لخطوة محتملة لفرض عقوبات على الأفراد الضالعين في الانقلاب، حال لم يقدموا التنازلات المطلوبة لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي.

الضغط على العسكر

الخبير الدبلوماسي الرشيد أبو شامة، قال لـ«القدس العربي» إن «التحذيرات الأمريكية تأتي في إطار الضغط على السلطات العسكرية، للاستجابة للمبادرة التي تقودها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي (يونيتامس) في وقت تتخوف الحكومة من الدور الذي يمكن أن تقوم به البعثة الأممية في دعم عودة المدنيين للسلطة».
وأشار إلى أن هذه النشرة «ربما تكون مؤشرا لخطوات سياسية قادمة في المرحلة المقبلة، والمضي بشكل فاعل في فرض العقوبات الفردية على قادة الانقلاب حال عدم التزام السلطات بالتحول المدني الديمقراطي» لافتا إلى أن السلطات السودانية «تمر بلحظات عصيبة، وقد تعطل مصالح البلاد حال تعنتها وتمسكها بمواصلة الانقلاب».
أما أستاذة العلوم السياسية في جامعة الخرطوم تماضر الطيب، فأوضحت لـ«القدس العربي» أن هذه النشرة «خطوة مرتبطة بمشروع الكونغرس الخاص بالعقوبات على الأفراد الضالعين في الانقلاب، وبداية لفرض العقوبات بشكل فعلي».
ولفتت إلى أنها «مؤشر على أن المؤسسات الدولية، أيضا لا يمكن أن تتعاون مع السلطة الحالية ولن تقدم أي مساعدات أو دعم اقتصادي، إلا في حال تكوين حكومة مدنية ديمقراطية».
ورجحت أن تكون الإدارة الأمريكية «قد أدركت مؤخرا، بعد نحو 7 أشهر من الانقلاب، أن تمسك العسكر بالسلطة في السودان سيفاقم الأوضاع غير المستقرة في البلاد والمنطقة».

مؤشر واضح

وأضافت: «واشنطن تدرك الآن أن وجود العسكر في السلطة لن يكون إيجابيا لتحقيق مصالحها في المنطقة» منوهة إلى أن «النشرة على الرغم من كونها غير ملزمة قانونيا، إلا أنها تعتبر مؤشرا واضحا لسياسة واشنطن تجاه السودان، وخطوة للأمام في إطار الضغط على السلطات العسكرية، والتي قد تتطور إلى عقوبات حال عدم تعامل العسكر مع الأمر بالحكمة والدبلوماسية المطلوبة» وهو ما استبعدته، إذ توقعت أن يواصل العسكر «التعنت والتحدي للمجتمع الدولي، على الرغم من إخفاقهم في خلق أي شكل من أشكال السلطة المستقرة في البلاد، والانهيار الاقتصادي والسياسي والأمني الذي تواجهه البلاد».
مع ذلك، فقد رأى الخبير الاقتصادي محمد الناير، في حديثه لـ«القدس العربي» أن النشرة الأمريكية لن تكون ذات أثر اقتصادي مباشر» مشيرا إلى أن نسبة الشركات التابعة للجيش لا تتجاوز 25٪ من الشركات السودانية» معتبرا أن النشرة «مؤشر لتحركات من واشنطن للضغط على السلطات السودانية، في ظل قلق الإدارة الأمريكية من التمدد الروسي ـ الصيني في المنطقة».

واشنطن حذرت من التعامل معها… وخبراء يرجحون فرض عقوبات

تقابل حديث الناير تأكيدات من واشنطن بأن الشركات المملوكة للدولة والشركات التي يسيطر عليها الجيش تلعب دورًا كبيرًا بشكل غير عادي في الاقتصاد السوداني وتشارك في مجموعة من الأنشطة التجارية بما في ذلك تخزين الوقود ومشاريع الغاز الطبيعي وتصنيع الألواح الشمسية والبنية التحتية وقطاع السكك الحديدية والقطن والمنسوجات والصناعات الغذائية، بما في ذلك مطاحن الدقيق وإنتاج الخبز وتربية الحيوانات.

مصدر المخاطر

ومصدر مخاطر التعامل مع الشركات المملوكة للجيش، حسب النشرة، يعود إلى الإجراءات الأخيرة التي اتخذها مجلس السيادة السوداني وقوات الأمن الخاضعة لسيطرة الجيش والتي يمكن أن تؤثر سلبًا على الشركات الأمريكية والأفراد والأشخاص الآخرين وعلى عملياتهم في السودان والمنطقة.
وأشارت إلى أن الاستيلاء العسكري على السلطة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول، أدى إلى قلب عملية الإصلاح وانتقال البلاد إلى الديمقراطية، الأمر الذي دفع المانحين الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة، إلى إيقاف كميات كبيرة من المساعدات الاقتصادية والبرامج الخاصة بتخفيف عبء الديون عن السودان.
وعلاوة على استحواذه على الشركات التابعة له، يزيد الجيش السوداني سيطرته المباشرة على العديد من الشركات المملوكة للدولة في السودان، وفق النشرة، التي أشارت إلى تخلي السلطات الحالية عن خطط السيطرة المدنية على الشركات المملوكة للدولة.
ولفتت إلى ضرورة أن تكون الشركات الأمريكية والأفراد وغيرهم من الأشخاص، بما في ذلك المؤسسات الأكاديمية، ومقدمو خدمات البحث والمستثمرون، الذين يعملون في السودان، على دراية بدور الشركات المملوكة للدولة والشركات التي يسيطر عليها الجيش.
وأضافت: «يجب على الشركات والأفراد العاملين في السودان والمنطقة القيام بمزيد من العناية الواجبة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان وأن يكونوا على دراية بمخاطر السمعة المحتملة لإجراء الأنشطة التجارية والمعاملات مع الشركات المملوكة للدولة والشركات التي يسيطر عليها الجيش».
ودعت الشركات والأفراد الأمريكيين إلى الحرص وتجنب التفاعل مع أي أشخاص مدرجين في قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة والأشخاص المحظورين.
وتابعت: «بعد الإطاحة بالنظام السابق، رحبت حكومة الولايات المتحدة بالخطوات التي اتخذتها الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية في السودان لفتح مساحة للمجتمع المدني والنشاط السياسي والشروع في إصلاحات اقتصادية والسوق الحرة،» مشيرة إلى «تعهد الولايات المتحدة ومانحين آخرين، وقتها، بتقديم مليارات الدولارات لدعم الاقتصاد السوداني وتخفيف عبء الديون».
ولفتت إلى أن «الحكومة الانتقالية في ذلك الحين بدأت بالفعل بعض الإصلاحات المالية، إلا أنها فشلت بشكل كبير في تحسين الإطار القانوني والتجاري في السودان» مشيرة إلى أن «القانون التجاري السوداني في معظمه يدعم بشكل أساسي الاقتصاد المركزي، والذي يستمر في الحفاظ على احترام الشركات المملوكة للدولة والصناعة المحلية».

قمع التظاهرات

وذكرت النشرة أن «الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون في السودان بدأت في معالجة قضية الشركات المملوكة للدولة في الاقتصاد السوداني قبل استيلاء العسكر على السلطة، بما في ذلك النظر في الخصخصة المستقبلية للشركات المملوكة للدولة، ونشرت قائمة جزئية لتلك الشركات».
ولفتت إلى «مواجهة السلطات لدعوات العودة للانتقال الديمقراطي بالعنف وانتهاكات حقوق الإنسان» مشيرة إلى أن «قوات الأمن السودانية الخاضعة لقيادة الجيش قامت بقمع التظاهرات السلمية بعنف، مما أسفر عن مقتل أكثر من 90 متظاهراً مدنياً، وتسبب في إصابة أكثر من 3000 شخص، ومنع الوصول إلى الرعاية الطبية، وقمع وسائل الإعلام، واعتقال واحتجاز سياسي شمل ممثلي المجتمع المدني والإعلام والإنساني والثقافي».
وشددت على أن «الاستثمار وتكوين شراكات أو تسهيل توسع الشركات المملوكة للدولة والشركات التي يسيطر عليها الجيش في السودان، ينطوي على مخاطر تتعلق بسمعة الشركات والأفراد الأمريكيين» وكذلك «تسهيل أي مساعدة مالية أو تقنية، قد تقدمها الشركات الأمريكية للجيش وشبكة الشركات التي تسيطر عليها، تعتبر مخاطرة بالارتباط المحتمل بانتهاكات حقوق الإنسان والجهات الفاعلة التي تعرقل التحول الديمقراطي في البلاد» حسب النشرة الأمريكية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية