«مسيرة الأعلام» في القدس المحتلة: إعادة عقارب الساعة إلى الوراء

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

الساحة السياسية الدولية تشهد مفاوضات حثيثة بين دول عربية والاحتلال حول المسيرة، لكن المختلف هذا العام هو موقف الشارع المقدسي فالكل يبحث عن مبادرة حقيقية لإفشال المسيرة.

القدس ـ «القدس العربي»: لا تذكر «مسيرة الأعلام» الاستيطانية في «يوم القدس» الأحد المقبل التي تتوافق مع تاريخ احتلال المدينة وتوحيدها عام 1967 إلا وتذكر معركة «سيف القدس» التي اندلعت من العاشر حتى 21 مايو/أيار 2021 والسبب أن تلك المعركة التي استمرت على مدى 11 يوما متواصلة وجهت خلالها المقاومة الفلسطينية ضربات صاروخية في العمق الإسرائيلي وتحديدا في مدينة القدس، تعود بقوة لنفس المسببات.

فهذه المعركة التي شكّلت نقطة تحوّل وخلقت حالة من توازن الردع عاد الحديث عنها وعن مقدار ما حققته من توازنات، فيما نظر لها البعض على أن المسيرة الجديدة تعتبر اختبارا لهذه المعركة التي راح ضحيتها أكثر من 200 فلسطيني.
بدوره، ينتقد المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور الأصوات المختلفة التي حولت مسيرة الأعلام الاستيطانية إلى اختبار لتفاهمات معركة «سيف القدس» ولمقياس للحكم على نتائجها.
وفي رأي منصور إن ذلك التصور أو التعامل يعتبر ظلما للمعركة واختزالا لنتائجها على الأرض في ظل أن المعادلة التي خلقتها وكرستها المعركة أعقد بكثير، فما حققته قبل عام تقريبا لا يقاس بحدث واحد وهو مسيرة الأحد المقبل.
ويضيف منصور أن نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، له مصلحة ان يظهر بمظهر البطل، وان يستعرض يمينيته، وبالتالي يرى أنه لا يجب أن يقوم الفلسطينيون بخدمته عبر «الاختزال وقصر النظر».
ويشدد منصور أن فتح معركة كبيرة يحتاج إلى مجموعة من العوامل والمسوغات والحسابات الدقيقة، وهذا أمر لا يجرى من خلف الشاشات الزرقاء وعلى المايكروفونات ووسائل الإعلام، بل في غرفة العمليات وعند الجهات التي تضغط على الزناد.
ويطالب بضرورة وقف المزايدات الحزبية ومشاعر الحماس الزائد، وهما أمران لا ينظر إليهما على أنهما معياران للحكم على الأشياء. قبل أقل من يوم على المسيرة التي تشهد إجماعا أمنيا وسياسيا وإعلاميا إسرائيليا واضحا يعكس رمزيتها، وصورة الردع التي تريد دولة الاحتلال إظهارها لحربها الأخيرة على غزة، ومحاولة كسر أو على الأقل تبهيت معادلة غزة القدس التي أحدثتها معركة «سيف القدس».
ويرى منصور أن هذا الالتفات الإسرائيلي ربما يعكس أن الاحتلال معني عسكريًا وسياسيًا بمعركة يكون مستعدا لها من دون أي مباغتة كما حدث العام الماضي، وتمنحها فرصة تصفية حساباتها مع جنين التي اعتبرها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي راي حربة المقاومة.
ويشدد منصور أنه من الصعب الحسم حول ان كانت ستكون هناك مواجهة أم لا، مؤكدا ان هناك فروقا كبيرة وكثيرة بين المسيرة هذه المرة عن سابقتها قبل عام لعدم وجود أجواء انتخابات إسرائيلية داخلية، وتراجع حالة الغليان والهبة الشعبية في باب العامود والشيخ جراح، وغياب عنصر المباغتة وكذلك تهديدات القيادي في كتائب القسام محمد الضيف، مع وجود عودة علاقات التركية الإسرائيلية وقيادة مصر لعملية إعمار القطاع.
ويختم مشددا أن الانتظار سيبقى سيد الموقف.

البحث عن مبادرة

بدوره قال الناشط المقدسي أسامة برهم أن الجانب الإسرائيلي استبق يوم الأحد (29 من الشهر الجاري) عبر قرار تكثيف الأخبار التي فيها حديث عن الانتصارات الوهمية عبر عرض قصص بوليسية لخلايا خططت للقيام بعمليات هوليوودية وهو أمر رده إلى أن المؤسسة الاستخباراتية تستبق المسيرة وتعمل على استرضاء الشارع الإسرائيلي في حال وقعت أحداث كبيرة لم تسر بصالحهم.
ويتوافق برهم مع المحلل منصور في أن الحكومة الإسرائيلية ضعيفة وتشهد الساحة الحزبية الإسرائيلية اقتتالا داخليا وحالة من الضعف والتنافس حامي الوطيس بين اليمين واليمين المتطرف، وهو أمر يشهد تجليا واضحا له في البلدة القديمة في مدينة القدس. ويتابع: «بينيت يقف بين المطرقة والسندان، والمعارضة تبتزه وبن غفير (البطل الكرتوني) يترنح بين اقتتالهم، ولا مخرج لهم إلا بأزمة حقيقية قد تهدم المعبد على رؤوسهم».
ويرى برهم أن الساحة السياسية الدولية تشهد حراكا ومفاوضات حثيثة بين دول عربية والاحتلال حول المسيرة، لكن المختلف عن المسيرة السابقة هو موقف الشارع المقدسي الذي كان يقتصر على الدعاء أما هذا العام فالكل يبحث عن مبادرة حقيقية لإفشال المسيرة.
ويختم أنه لا أحد بإمكانه فعليا معرفة ما تخبأه الأيام المقبلة، لكن المؤكد أن القدس هي الحدث الأبرز خلال الساعات المقبلة.

ثلاثة عناصر رمزية

أما الباحث المقدسي زياد ابحيص فيرى أنه وبعد خمسة وخمسين عاماً من استكماله احتلال المدينة، بات المحتل يختزل سيادته على القدس في ثلاثة عناصر رمزية لا يمكن للقوة المسلحة أن تحسمها، وهو ما يجعله يخوض معركة هوية القدس بعيداً عن مصادر قوته في مسيرة الأعلام.
العنصر الأول بحسب ابحيص يرتبط بالعلَم، حيث كرس المحتل منذ عام 1968 استعراض الأعلام الصهيونية في مسيرة تدور حول البلدة القديمة باعتباره عنوان حضوره وسيطرته على المدينة، وتحديدا مركزها التاريخي الذي لا يزال 94 في المئة من سكانه فلسطينيون رغم 55 عاما من محاولات إثبات الهيمنة.
ويرى إنه إذا ما قرر أهل المدينة أن يرفعوا علم فلسطين فوق كل بيت وفي كل شارع وفي كل ساحة فإن أعلام المحتل التي تحملها المسيرة لن تكون أكثر من بقعة صغيرة في بحر من الأعلام الفلسطينية.
أما رمز السيادة الثاني فهو ساحة باب العامود، التي تحولت في العام الماضي إلى عنوان إذلال للمحتل وهو ما تكرر في رمضان الماضي بحسب ابحيص.
ويضيف: «لقد تحول الإصرار الصهيوني على قضم وتهويد باب العامود إلى عقدة مزمنة، فباتت هذه الساحة حيزاً يختزل الاحتلال سيادته المزعومة فيه، فكأنه إن دخلها كان سيداً للمدينة كما يتوهم وإن مُنع منها اهتزت سيادته».
أما مظهر السيادة الثالث فهو الأحدث، حيث يرتبط باستعراض الطقوس التوراتية الجماعية في المسجد الأقصى، فالاقتحام وحده لم يعد كافيا للمستوطنين، بل بات من المطلوب والضروري في وعي اليمين الصهيوني استعراض الحضور الديني اليهودي في الأقصى عبر الطقوس التوراتية، وما لم يتم ذلك فصورة النصر لن تتحقق.
ويرى ابحيص أن المسيرة يوم الأحد المقبل تجمع العناصر الثلاثة معاً في يوم واحد في تكثيف لمعركة السيادة على المدينة.
ويختم أن طرق إفشال ذلك ترتبط برفع العلم الفلسطيني وتكثيف الحضور الفلسطيني في باب العامود، وتعزيز الرباط الصباحي في الأقصى. وهو أمر يأتي في ظل أن المستوطنين ينظرون لهذه المسيرة باعتبارها مسيرة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي إلى ما قبل سيف القدس ومعادلتها، إلى العودة للتصرف في القدس بعيداً عن حسابات ردع فرضتها عليه أحداث صنعها الفلسطينيون ويريدون الحفاظ عليها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية