في تونس رئيس منشغل بدستور واستفتاءات ومعارضة منقسمة وشعب يتجادل حول حجم رغيف الخبز

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

منذ 25 تموز/يوليو 2021 تعيش تونس فوضى سياسية نابعة من قرارات الرئيس قيس سعيد السيطرة على السلطة وتوسيع صلاحياته التنفيذية والمباشرة ببناء نموذج سياسي وسط مرحلة من الآلام الاقتصادية وتوقف عجلة النمو الاقتصادي وإحباطات بمسار الثورة. ويبدو أن شهر العسل بات يقترب من نهايته بين سعيد وقطاعات من الشعب رأت في تحركه وقفا للفوضى السياسية والحزبية في البرلمان والاستقطاب السياسي بين المكونات السياسية والمدنية التونسية.
وسيكون الشهران القادمان بمثابة محك لما سيكون عليه الوضع في البلاد إما العودة إلى المسار الديمقراطي الذي بدأ بالتخلص من حكم زين العابدين في 2010/2011 أو تأكيد الحكم المطلق وديكتاتورية سعيد الذي يبدو انه معني بميراثه السياسي كبان جديد للدولة التونسية على غرار الحبيب بورقيبة الذي خرج من مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي ليقود بلاده ولسنين عدة.
وربط سعيد قراره العام الماضي بفشل الحكومة والبرلمان بوقف الفساد وحل المشاكل الاقتصادية للبلاد وتوفير فرص العمل للشباب الطامح، إلا أن معظم ما قام به منذ انقلابه على الحكومة والبرلمان هو تفكيك بنية ما بعد ثورة 2011 والتخلص من مؤسساتها بدءا من البرلمان والحكومة والمجالس الرقابية المستقلة مثل مجلس القضاء الأعلى واللجنة الانتخابية المستقلة. وحاول استبدال كل هذا بأشكال جديدة تخدم أهدافه بمواصله شيطنة الأحزاب التي يرفض التحاور معها، واللعب على الخلافات النقابية متسلحا بقاعدة انتخابية دعمته في عام 2019 بسبب خيبتها من الثورة التي لم توفر لهم العدالة ولا الخبز الكريم. وجاء سعيد كشخص من خارج المنظومة السياسية التقليدية ليكتسح الانتخابات وبوعود التغيير التي لم ينجز منها أي شيء.

تناقض

وتبدو اليوم تونس متناقضة بين ما يريده الرئيس من تأكيد سلطته وطموحه كقائد التغيير وما يريده الشعب من مساعدة على مواجهة مشاكل الحياة اليومية النابعة من فشل السياسات الاقتصادية وتبعات فيروس كورونا الذي كان وللمفارقة المبرر الذي اتكأ عليه سعيد لكي ينقلب على الحكومة والبرلمان، وزادت مشاكل البلاد بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا وتوقف إمدادات القمح والزيت والحبوب التي ينتجها البلدان، وتعتمد تونس مثل دول عربية أخرى عليها في توفير الخبز اللازم لسكانها. وتونس الصغيرة ليست محصنة عن التطورات العالمية. ورأت صحيفة «الغارديان» (21/5/2022) أن تونس هي من بين دول قد تواجه اضطرابات اجتماعية نابعة من غياب الأمن الغذائي وأشارت إلى ما وصفته «القيامة» في سريلانكا التي لم تتخلف يوما عن دفع ديونها وتعاني أزمة سياسية واقتصادية واحتجاجات شوارع كنذير عما يمكن أن يشهده العالم النامي والدول ذات الدخل المتوسط. ووسط هذه الأجواء المضطربة والأحداث العالمية يبدو أن سعيد «المعزول» حسب صحيفة «لوموند» (26/5/2022) ماض في بناء تصوره عن تونس غير آبه بمطالب الشعب من الحياة الكريمة.

شهران حاسمان

ويرى شران غروال في موقع «بروكينغز» (26/5/2022) أن الشهرين المقبلين سيكونا حاسمين في تحديد قدرة سعيد تعزيز سلطته أو العودة إلى صوابه ويمضي في المسار الديمقراطي. فخطة الطريق التي أعلن بعد أشهر من تعطيل معظم بنود الدستور والحكم عبر المراسيم الرئاسية اقتضت «مشاورات» عبر الإنترنت حول الدستور والتي لم تشارك فيها سوى نسبة 6 في المئة من سكان تونس، تقود لاستفتاء في الذكرى السنوية على انقلابه على دستور جديد أعلن قبل أيام عن اللجنة التي ستشرف على صياغة واحد جديد بدلا من دستور 2014. واستبعد سعيد كل الأحزاب السياسية ومعظم منظمات العمل المدني ودعا حفنة من أساتذة القانون ونقابات عمال للعمل في مجالس استشارية، حيث رفض عدد منهم العمل معه. لكن سعيد يواصل عمله ووعد بمسودة دستور في 30 حزيران/يونيو. ويعتقد غروال أن خريطة طريق ستقود بالتأكيد إلى دستور مصمم على مقاس سعيد، دستور يقوي من سلطاته الرئاسية بدون أية ضوابط رقابية ومحاسبة. وبالتالي التخلص من دستور 2014 الذي طالما اشتكى أنه يضع الكثير من «الضوابط» على سلطة الرئيس. وطوال الفترة التي استولى فيها سعيد على السلطة، اعتمد على شعبية قراره الأصلي ورفض الشعب للانقسامات الحزبية وعجز البرلمان والحكومة عن توفير الحد الأدنى من الحلول العملية لمشاكلهم. ولهذا رضي أنصاره بتفرده ومراسيمه التي حكم عبرها، والسؤال إن كان قادرا على عمل نفس الشيء مع الدستور. إلا أن الجماهير باتت تشعر بالضغوط الاقتصادية واليومية أكثر من اهتمامها بالسياسة ولا ترى في كتابة الدستور والاستفتاء عليه أولوية. كل هذا لا يبشر بخير له في تموز/يوليو وقدرته على التعبئة، وبخاصة أنه لا يعتمد على قاعدة حزبية تدعمه وتمضي مع خطواته. ووسط اللامبالاة الشعبية فإنه يواجه رفضا من كل القوى المنظمة التي باتت تعارض خطواته حتى تلك الأحزاب والقوى النقابية التي وقفت على السياج تنتظر أو دعمت التغيير على أمل أن يفضي إلى نتيجة تعزز الديمقراطية الهشة لا القضاء عليها. ويبدو هذا واضحا في موقف الاتحاد العام التونسي للشغل في رفضه لخطة الطريق التي يحاول سعيد فرضها، إلى جانب كل الأحزاب ومنظمات العمل المدني والتي لو اتحدت مع بعضها البعض ورفضت الدستور لخلقت معضلة خطيرة وتهديدا ضد دستوره الجديد.

انقسامات

وتواجه القوى المعارضة نفسها تحدياتها الخاصة، فهي منقسمة سواء الاتحادات التي لا يزال بعضها يدعم سعيد بالإضافة للانقسام العلماني- الإسلامي، فبعد الشيطنة التي تعرضت لها حركة النهضة وهي كبرى الكتل في البرلمان المحلول، ترفض الكثير من الأحزاب العلمانية ربط نفسها بها. ويتعرض أفراد النهضة وقادتها لضغوط وممارسات من الأمن واستبعاد مستمر. وتستمر الدولة باعتقال أفرادها والتحقيق في اتهامات مزعومة عن علاقات خارجية. وأعلن يوم الجمعة قاض عن منع الشيخ راشد الغنوشي من السفر، وهو أمر نفاه الغنوشي، رئيس البرلمان والحركة. وكان الغنوشي قد تحدث بصراحة مع «بي بي سي» في 16/5/2022 حيث قال «أخطأت تحديدا بدعم قيس سعيد» وأقر أن خط الرجعة لا يزال مفتوحا للرئيس سعيد ودعا إلى حوار وطني. والمشكلة بالنسبة للغنوشي وحركته أنه حمل مسؤولية المشاكل التي تراكمت، لأن النهضة ظلت جزءا أساسيا من عملية التحول الديمقراطي، وفي الوقت الحالي تم تحميلها كل أوزار الفترة الماضية. وهو ما يبدو واضحا من تصريحات قادة الأحزاب التقليدية ومنظمات العمل المدني. مع أن أحمد نجيب الشابي، السياسي العلماني دعا إلى بناء أرضية مشتركة مع النهضة لمواجهة سعيد وعدم استبعادها كما نقلت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» (7/5/2022).

غياب الحراس التقليديين

وقالت الصحيفة إن الأزمة التي خلقها سعيد نابعة في جزء منها من عدم قدرة القوى المدنية والحراس التقليديين إنقاذ البلاد كما فعلت عندما واجهت تونس انسدادا سياسيا واغتيالات واضطرابات حيث قام ائتلاف قوي من النقابات والمحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان بالتدخل والحفاظ على النظام الدستوري، ما منحه شرف جائزة نوبل للسلام عام 2015.
والمثير للدهشة في الأزمة الحالية أن القوى التي تدخلت في أزمة عام 2013- 2014 وأنقذت تونس لم تصدر سوى أصوات خافتة ودعوات حذرة. ولعل عجز القوى نابع من انقساماتها إلى جانب السمعة السامة للديمقراطية الشابة بين التونسيين الذي رأوا ان حياتهم لم تتغير طوال العقد الماضي، فلم يقدم أعضاء البرلمان والأحزاب السياسية إلا أجوبة قليلة على مشاكل تونس ونظر إليهم كفاسدين وكذا الإعلام المفترض انه مستقل لكنه مملوك لرجال الأعمال المرتبطين بنظام زين العابدين بن علي السابق. أما الاقتصاد فقد استمرت نخبة قليلة من الأوليغارش بالسيطرة عليه وساعدها في هذا الفساد والبيروقراطية التي عرقلت معيشة التونسيين وحياتهم اليومية. وحاول سعيد استثمار كل هذا ونظر إليه كمنقذ وبخاصة في الأحياء الفقيرة وجماعات مدنية أعجبت بعزيمته وحنت للرجل القوي. وعندما بدأ يحكم عبر المراسيم في 22 أيلول/سبتمبر 2021 تبخرت آمال الإصلاح.

ليس مهتما

وفي غياب الصوت الواحد وانشغال الناس بالمتاعب اليومية، والنقاش حول حجم الخبز اليومي، الباغيت وزيادة الأسعار، فسعيد لا تهمه مشاركة الأحزاب أو الجماعات المدنية في العملية السياسية، فآخر ما يفكر به هي شرعية ما يقوم به. ومن هنا فتفكير بعض الأحزاب السياسية بمقاطعة التصويت قد يكون خطأ، حسب غروال من معهد بروكينغز. فالتصويت بلا سيكون أفعل من المقاطعة. وربما وجد سعيد عندها أنه بحاجة للأحزاب ويلين من مواقفه، أو يمضي في طريقه ممارسا خطا ديكتاتوريا مما يكشف عن وجه الحقيقي، وفي هذا الطريق لن يلجأ للشعب بل وللقوى الأمنية وملاحقة نقاده. صحيح أن حرية التعبير لم تتعرض للقمع بعد، إلا أن النذر باتت واضحة، وهذه أصبحت عرضة للتهديد والتقييد. والبلد وإن لم يصبح ديكتاتورية كاملة، كما في الماضي عندما كان الناس يخافون ذكر السياسة، واختفت الأصوات المعارضة تقريبا من التلفاز الحكومي وبات الصحافيون التونسيون يمارسون الرقابة الذاتية حيث يهاجم سعيد الإعلام الجديد. ولجأ سعيد للمحاكم العسكرية لمحاكمة المشرعين حيث قدم حالات ضعف ما قدم أمامها خلال العقد الماضي. وأمام استبعاد سعيد للأحزاب التقليدية ومضيه في مشروعه فالطريق يبدو مسدودا للخروج من المأزق الحالي إلا أن غراول يرى أن الاستفتاء يمنح أطراف اللعبة السياسية مخرجا رابحا لهم. فسعيد الطامح لبناء الجمهورية يمكن أن يحصل على لقب الباني من خلال تأكيد المعارضة أنها مستعدة لدعم دستوره لو استمع لأصواتهم. كما وعلى المعارضة أن تعترف بالعيوب في دستور 2014 رغم ما فيه من جدة وأن النظام السياسي في تداول السلطات بين الرئيس والبرلمان والحكومة لم ينجح، وعليه استبداله بنظام برلماني أو رئاسي. وعليهم التأكد من وجود ضوابط تحد من خروج الرئيس عن طريقه وإلغاء بند الطوارئ الذي قاد للأزمة الحالية وتقوية المؤسسات المستقلة، قضائية وانتخابية ومكافحة فساد. وحل كهذا لو حصل فسينزل سعيد عن الشجرة ويعطي المعارضة الفرصة للمساهمة في حل أزمات البلاد.

أمريكا تتفرج

والمشكلة في تونس أنه لا توجد ضمانات بقبول سعيد بهذا الحل، طالما لم يتعرض لضغط دولي. وعلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التهديد بخطوات عقابية لو تم تزوير الاستفتاء واستخدام القمع. وفي مقال مشترك لغروال وشادي حميد نشرته «واشنطن بوست» (9/5/2022) حذرا فيه من انزلاق تونس نحو الديكتاتورية وضرورة تحرك تقوم به الولايات المتحدة. وأكدا أن انشغال أمريكا بأوكرانيا لا يبرر إهمالها للشرق الأوسط. وأن الأزمة الحالية في تونس تعطي فرصة لإرسال إشارة قوية جدا للدفاع عن القيم الديمقراطية. وقالا إن المسؤولين الأمريكيين ترددوا بالضغط على سعيد ورأوا أن تحركه في تموز/يوليو حظي بشعبية. إلا أن الوقت مضى على الوفاء بالوعود التي قدمها سعيد، وكما علمتنا التجارب في معظم الشرق الأوسط، ومصر هي أوضح مثال تراجيدي، فعندما يرسخ النظام نفسه في السلطة تقل خيارات المجتمع الدولي وتتراجع فرصه للمناورة. وقالا إن وقت الحوار بالحسنى مع سعيد الذي عبر بوضوح عن رفضه للديمقراطية الممثلة، قد انتهى. ومن الواضح أن الحوار ومحاولة الإقناع لن يكونا كافيان لكي يغير رأيه. وطالبا باستخدام «الخيار الأقصى» ضد سعيد وعدم الاكتفاء بتعليق جزئي للمساعدات. ولدى إدارة بايدن فرصة أخرى للضغط وهي ممارسة نفوذها في صندوق النقد الدولي ووقف المفاوضات مع تونس للحصول على قرض سعيد بحاجة ماسة إليه. والمخاطر من عدم التحرك الأمريكي هي أن نجاح سعيد بتمرير دستوره سيكون بدون ضوابط فلن تكون هناك فرصة للحد من تصرفاته حتى بعقوبات متأخرة. وفي حلقة نقاش افتراضية استضافها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية الاثنين، قال حميد «حان وقت العمل الآن، وإذا لم نفعل شيئًا الآن، فعلينا أن نطلق عليه اسم الانسحاب ونتوقع أن تتحرك تونس نحو الديكتاتورية، ربما إلى مستوى شبه دائم، على الأقل في السنوات المقبلة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية