سعيد يفتحُ جبهات صراع جديدة ويُؤسس لدولة تسلطية

رشيد خشانة
حجم الخط
0

كلما توجه الرئيس قيس سعيد إلى الناس بخطاب مُتلفز إلا وفتح جبهة صراع جديدة مع فئة اجتماعية أو حزب سياسي أو مجموعة أحزاب، غير آبه بنصائح داعميه والمقربين منه. والأرجح أن هذا الأسلوب الاتصالي الأحادي، لن يتغير في الشهور التي تفصلنا عن الاستفتاء، المُقرر للخامس والعشرين من تموز/يوليو المقبل، في ذكرى قيام النظام الجمهوري. والأرجح أيضا أن العلاقات بين الرئاسة ومكونات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وشخصيات عامة، ستزداد تدهورا لرفض الرئيس الاستجابة لشروط تلك المكونات.
غير أن الرئيس يدفع بأنه ضامنُ الوحدة وحامي الدولة والدستور، متهما خصومه بالعمالة والخيانة، لأنهم لا يؤيدون منهجه في الإصلاح. هذا المنهج ينبني على تقويض جميع المؤسسات التي نشأت في ظلال دستور 2014 الذي صاغه مؤسسون ومؤسسات، من مشارب فكرية مختلفة، على مدى ثلاث سنوات من العمل. وبعد ما علق الرئيس العمل بذلك الدستور وجمد البرلمان، أخذ يهدم الهيئات والمؤسسات على نحو لا يُطمئن بأنه سيُعيد إليها نبض الحياة في يوم ما. من هنا يبدو مشروع سعيد للمرحلة المقبلة مبنيا على الانضباط وإخضاع الجميع لفكرة «الجمهورية الثالثة» من خلال العمل على ثلاثة محاور: قانوني وسياسي واجتماعي. ففي المجال الأول سيمضي في سن المراسيم، طالما أن مجلس النواب مُعلقٌ ومُغلق. وآخر مرسوم سنه الرئيس هو الدعوة إلى استفتاء 25 تموز/يوليو المقبل. لكن غالبية المؤشرات تدل على مقاطعة واسعة لهذا الاستحقاق، خصوصا بعدما فشلت تجربة «الاستشارة» التي اعتبرها معارضون «مسرحية سيئة الاخراج».

جلسات افتراضية

والمؤكد أن أعضاء البرلمان سيلجئون مجددا إلى عقد جلسة (أو جلسات) افتراضية للرد على مراسيم رئيس الجمهورية، خاصة أن صلاحية مجلس النواب ستستمر إلى حين الدعوة لانتخابات برلمانية ورئاسية، رجح سعيد أنها ستكون في كانون الأول/ديسمبر المقبل. لكنه لم يتعرض لميقات الانتخابات الرئاسية ومدى تزامنها مع البرلمانية، مثلما كان الشأن في 2019. وفي السياق أعلن عن تشكيل «الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل تونس جديدة» لتُطلق حوارا وطنيا يؤسس لجمهورية ثالثة. وبحسب المرسوم الرئاسي يتعين على «لجنة الحوار» أن تقدم تقريرها النهائي إلى رئيس الجمهورية في الحد الأقصى يوم 20 الجاري.
وبالرغم من التوتر السابق في العلاقات بين الأحزاب من جهة وأهم مكونات المجتمع المدني من جهة ثانية، لوحظ تقارب كبير بينها وبين اتحاد نقابات العمال ونقابة الصحافيين، إلى درجة أن الاتحاديين اعتبروا أن الحوار الذي دعا له الرئيس، سيكون بلا معنى ما لم تشارك فيه الأحزاب.

سلطات استثنائية

أما من الناحية القانونية فالمؤكد أن مراسيم الرئيس فاقدة للشرعية، إذ أن الدستور لا يمنحه تلك الصلاحية، وينُصُ بشكل خاص، على أنه لا يمكن حلُ مجلس النواب، إذا ما استحوذ الرئيس على «السلطات الاستثنائية». لا بل يقضي البند 80 من الدستور المعلق، بأن مجلس النواب يبقى في حال انعقاد دائم. وسعيا للتخفيف من حدة الانتقادات، سيُلوح الرئيس بسلاح القضاء في وجه خصومه، لا سيما أن هناك ملفات في أدراج القضاة، قال إنها تُدين ما لا يقل عن عشرين نائبا. وذكرت مصادر مطلعة أن سعيد كان يُعدُ لتحقيقات قضائية مع نصف أعضاء البرلمان وسجن عدد منهم. لكن مشاركة 116 نائبا من أصل 120 في جلسة افتراضية أتاحت لهم التصويت على لائحة تُلغي جميع الإجراءات غير الدستورية التي اتخذها، بما فيها حلُ مجلس النواب.

إضراب عام

على المحور الاجتماعي سيُخيم التوتر على علاقات الرئاسة مع النقابات العمالية، فالاتحاد العام للشغل أعلن أنه سيقود إضرابا عاما في منشآت القطاع العمومي قريبا، وهو يرفض طريقة الرئيس في تسمية أعضاء لجان التفكير في مشروع «الجمهورية الثالثة» ويتمسك الاتحاد بالجمهورية التي شارك في تأسيسها العام 1957 لا بل كان قادتُهُ هم من وضعوا البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحكومة الاستقلال الأولى. من هنا ارتكب الرئيس خطأ جديدا وجسيما بتسمية الأمين العام لاتحاد العمال عضوا في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية، بعد يوم من تداول الهيئة الإدارية للاتحاد في الموضوع وقرارها مقاطعة اللجان، ما يعتبر استهانة بالاتحاد، وتجاهلا لقرارات هيئاته القيادية.

محامون واتحاديون

سيكون من الصعوبة بمكان أن يحسم الرئيس خلافاته مع اتحاد العمال بالطريقة التي تعاطى من خلالها مع نقابة المحامين، أي باحتواء النقيب، ومنحه رئاسة إحدى «لجان التفكير» فانتخابات نقابة المحامين وشيكة، ولم يعد النقيبُ الحالي مؤهلا لترشيح نفسه، طبقا لقانون النقابة. واتخذ عشرات الأكاديميين من جانبهم، وخاصة أساتذة القانون في الجامعة (وهم زملاء سعيد السابقون) قرارا بمقاطعة لجان التفكير، وحضوا زميلاتهم وزملاءهم أيضا على مقاطعة أعمال اللجان، مُتمسكين بـ«حياد المؤسسة الجامعية والنأي بها عن الشأن السياسي» بحسب ما ورد في رسالتهم المفتوحة.
وبعدما رحبت قطاعات واسعة من الرأي العام، الصيف الماضي، بعزل حكومة هشام المشيشي وحل البرلمان، في أعقاب أزمة سياسية حادة، بدأت شعبية «الرئيس المنقذ» تتراجع لأنه استحوذ على كافة السلطات وعجز عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي أنهكت الفئات الوسطى والفقيرة في آن معا. ويُعتبر هذا الملف سريع الالتهاب في تونس، إذ سبق أن أحرق المُحتجون أثناء «ثورة الخبز» المنشآت العامة والخاصة في العام 1984 وأطاحت ثورة أخرى في العام 2011 بالرئيس زين العابدين بن علي، في انتفاضة انطلقت من المدن الفقيرة في وسط البلاد وجنوبها. أكثر من ذلك، لم يشعر التونسيون أن سعيد جادٌ في مكافحة الفساد، وهو الشعار الذي عبد له طريق الوصول إلى قصر قرطاج، في انتخابات 2019 في مواجهة منافسه رجل الأعمال نبيل القروي، الذي حامت حوله شبهات فساد كبيرة.

احتكار السلطات

غير أن التونسيين صُدموا من ولع الرئيس بتجميع السلطات بين يديه وسهولة حله للمؤسسات، مُسندا إدارتها إلى مساعديه المباشرين. ويبدو من الصعب اليوم أن يتخلى عنها ويُعيد لها استقلاليتها، فهيئة مراقبة دستورية القوانين، التي أقدم على حلها، استعاض عنها بلجنة مؤقتة اختار هو أعضاءها ورئيسها. والهيئة العليا المستقلة للانتخابات أعاد تشكيلها على نحو أقصى رئيسها نبيل بفون، الذي أدار بنجاح انتخابات رئاسية وبرلمانية في 2019 وأحل محله نائبه. وعطل أعمال الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، متهما رئيسها بالضلوع هو نفسه في الفساد، وتركها مقفلة إلى اليوم، بالرغم من ضخامة الملفات، التي كانت تتقصى المعلومات في شأنها.
من غير الوارد أن يُعاود الرئيس سعيد النظر في تلك القرارات، ولذا سيكون هذا المجال أحد محاور الصراع بينه وبين المجتمع المدني والأحزاب في الفترة المقبلة، والتي سيكون عنوانها المطالبة برفع يد الرئاسة عن المؤسسات والهيئات الدستورية. أكثر من ذلك، حاول الرئيس الإطاحة برئيس اتحاد الفلاحين (المُزارعين) والصيادين، وسمى في مكانه نائبه، ليكون الأخير هو ممثل الاتحاد في لجان الدستور. ولئن كان من المجازفة بمكان اتباع الأسلوب نفسه مع الاتحاد العام للعمال، فإن الرئيس قد يرى في الحل الانقلابي طريقا إلى احتواء المكون الأكبر من مكونات المجتمع المدني، وهو اتحاد العمال.
ويمكن القول إن الملف الاقتصادي أكثر قتامة من الملفين السياسي والقانوني، فالرئيس يُقر بأنه لا يسيطر على هذا الميدان وترك الحبل لرئيسة الحكومة والوزراء المعنيين بالقطاع. لكن البلد يواجه إحدى أسوأ الأزمات التي عرفها منذ 1986 إذ بات عاجزا عن سداد ديونه، ولم يعد قادرا على الدخول إلى الأسواق المالية للاقتراض منها إلا بنسبة فائدة ذات رقمين. وفي محاولة شعبوية حاول الرئيس توجيه غضب الشارع نحو كبار التجار، فداهم مخازن المواد الغذائية في إطار حملة لم تستمر طويلا لكنها سممت علاقاته مع اتحاد رجال الأعمال، وأدت إلى إتلاف كميات كبيرة من الخضروات والبقول والمعجنات والزيوت، لخشية أصحابها من اتهامهم بالاحتكار والمضاربة. لذا من المستبعد العودة إلى مثل هذه الحملات مستقبلا لأن فاعليتها محدودة.
لكن المشكل الأساسي على الصعيد الاقتصادي يتمثل في تدبُر الأموال اللازمة لتمويل ميزانية الدولة وتسديد الديون وصرف الرواتب، بالإضافة إلى تنفيذ المشاريع المقررة في الموازنة، إن توافرت الاعتمادات اللازمة لإنجازها. وفي أعقاب اجتماع بين رئيسة الحكومة ووفد من صندوق النقد الدولي، على هامش منتدى دافوس الأخير، رأى خبراء اقتصاديون أن كل السبل للوصول إلى اتفاق مع الصندوق اُغلقت هذه السنة. وأفادوا أن نقطة الخلاف المفصلية بين الجانبين تتعلق بالحد من كتلة الرواتب، الذي يطالب به الصندوق، ويرفضه اتحاد نقابات العمال.
والظاهر أن شركاء تونس الأمريكيون والأوروبيون يُتابعون هذا الشأن التونسي عن كثب، انطلاقا من أهمية الوزن السياسي للبلد في الإقليم، على الرغم من صغر حجمه. وهم يُركزون على تفادي مخاطر هز الاستقرار في حال تفاقمت الأزمة الاجتماعية، وتحولت إلى قادح لاضطرابات واسعة، بدعم مباشر أو غير مباشر من اتحاد العمال. وتجلى عدم الرضا عن الطريق التي ينتهجها الرئيس سعيد من خلال مواقف الوفود البرلمانية والحكومية، الأوروبية والأمريكية، التي زارت تونس في الفترة الأخيرة، لاستطلاع الأوضاع مباشرة على الأرض. وأتى رد الفعل الأول من أمريكا التي قررت خفض حجم المساعدة العسكرية التي تمنحها سنويا لتونس إلى النصف.

موقف أمريكي

وحض مسؤولون أمريكيون في تصريحات عدة على العودة إلى الشرعية الدستورية ووضع حد لحال الطوارئ. كما لوح نواب أوروبيون باتخاذ إجراءات ضد انتهاكات حقوق الإنسان، والنيل من الحريات، التي اعتبروا أنها تراجعت درجات إلى الوراء، مع تراجع مرتبة تونس في التقارير الدولية ذات الصلة. وأفضل تعبير عن هذا الوضع الجديد أن تونس باتت مُصنفة ضمن البلدان العشرة عالية المخاطر في 2022.
بالمقابل يُعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الداعمين القلائل للرئيس سعيد، فيما لا تُخفي عواصم أوروبية أخرى قلقها من تحوُل تونس من أنموذج لانتقال ديمقراطي سلمي وسلس في المنطقة، إلى بلد تتصاعد فيه الانتهاكات، ويعود إلى قبضة الحكم الفردي. والأرجح أن الضغط الأمريكي، وفي درجة أقل الأوروبي، سيؤثر في الحد من مسار تقويض المؤسسات والحؤول دون إقامة مشروع تسلطي، على أنقاض ثورة الحرية والكرامة، التي لا يعترف بها الرئيس سعيد، ولم يعترف بها في يوم من الأيام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية