رغم كثرتها وما تبدو عليه من تنوع، لم تُحدث سائر التغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية والفكرية أي تغيير إيجابي يذكر في المشهد السياسي العربي على مر العصور.
إن لم نقل إنها ساهمت وإلى حد كبير في تشويهه وخلط أوراقه، في ظل غياب ما يلزم من قوة أخلاقية في بازار وسائل الإعلام المختلفة، لجهة العلاقة الجدلية بين العلة والمعلول، وإحلال الواحد محل الآخر بجرة قلم وبقوة الممول وارتهان الأقلام والحناجر لتوجهاته وتوجيهاته. بينما تنكفئ نظيراتها في الطرف المقابل تحت ضغط الحاجة، وتتوارى ملامحها في الغياب أو التغييب، لتبقى الساحة الإعلامية مكشوفة الصدر والوجه والظهر أمام قوة لا أخلاقية لا تتوانى عن قلب الحقائق على حساب مفهوم العدالة ومنطق الأشياء، في مشهد يوحي بأن التغطية هنا لا تعنى بفعل الأخبار ونشر المعلومة، بل بالتعتيم على الأحداث والتكتم عليها وتشويه حقائقها وحتى قلبها رأسا على عقب.
من الممكن الجزم بأنه ما من قضية أثيرت في وسائل الإعلام وفي العديد من المنابر السياسية والفكرية العربية منذ بداية تشكل النظام الرسمي العربي، بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، إلا وخضعت لهذا المنطق الأعرج، بما في ذلك تغطية الثورة العربية الكبرى، التي على الرغم من أنها ساهمت جنبا إلى جنب مع القوى الاستعمارية المسيطرة آنذاك، ولا تزال، في تحديد ملامح مستقبل المنطقة الأسود في إطار لعبة الأمم وليس في بوتقة مصالح الشعوب وتطلعاتها، إلا أنها تدرج عنوة بوصفها لحظة مشرقة في تاريخ يشي بكثير من الوقائع والأحداث الكبرى المماثلة، على غرار نكبة اغتصاب أرض فلسطين وتهجير سكانها وضياع مستقبلهم، أما عن النكسة، فالقصة معروفة ولا داعي لتكرارها، وكذلك كذبة حزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب التقدمية والقومية عموما وشعاراته الرنانة التي تكفلت مزبلة التاريخ بايوائها، وغيرها من الأحداث المفصلية التي كان مرورها ثقيلا ومؤذيا حد العبث.
والغريب في الأمر أنه على الرغم من وضوح ظاهرة تغول هذا المنطق القاتل في كافة مفاصل حياة الإنسان العربي، إلا أنه لا يقاوم بقوة أخرى مساوية في المقدار للقوة الأولى ومعاكسة لها في الاتجاه، إن لم تتماه معها وتدور في فلكها مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال، بحيث تستمر التغطية وفق نظام صارم لا يحيد نظره عن عصا المايسترو المتيقظ لكل كلمة تكتب أو تقال في المنابر العامة والخاصة على حد سواء، في صيرورة تمتد جذورها، كما يرى المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، إلى خطاب ما بعد الاستعمار، الذي كرس صورة نمطية أحادية الجانب غير واقعية لواقع ما يطلق عليه مصطلح عالم إسلامي واحد، رغم أن مصطلح العالم الاسلامي يبقى بعيدا كل البعد عن إمكانية عكس المراد منه عمليا في ظل ذلك الامتداد الجغرافي الشاسع والتنوع والتعقيد الهائلين اللذين يتصف بهما هذا العالم، بحيث يمكننا القول إنه لو كان المفكر الفلسطيني لا يزال على قيد الحياة وأراد طباعة أمهات كتبه، ومن بينها كتاب «تغطية الإسلام»، لما عمد إلى تغيير أي من مقدماته النظرية، فضلا عن استنتاجته العلمية ولكانت اقتصرت متطلبات نشرها في طبعات ثالثة أو رابعة جديدة على مجرد إضافة عدد من الأمثلة والنماذج التي تكرس صحة تلك المقدمات والاستنتاجات.
تدور معظم التغطيات الإعلامية والمقارعات الفكرية حول ما آلت إليه الخريطة السياسية في العالم العربي، الذي لا يقل تنوعا عن العالم الاسلامي في لحظته الراهنة، في فلك تلك النظرة الدونية، التي ينظر الانسان العربي لنفسه من خلالها، والتي كرسها خطاب ما بعد الاستعمار نفسه، ولم نشهد خلال عقود طويلة من الزمن أي محاولة جادة ومستدامة للخروج عنه في منعرجات تاريخية شهدتها البلدان العربية، فرادى وجماعات، على مر الحقب ولا سيما في الحقبة الحالية، فعلى إيقاع عصا المايسترو الغربي نفسه، وفي عملية استنساخ أصيلة لخطابه العنصري المعادي للعروبة والاسلام وشعوب ما يسمى بالعالم الثالث عموما، عمدت النخب الإعلامية والسياسية والفكرية العربية في الماضي القريب إلى تقسيم العالم إلى قسمين، أو إلى معسكرين، المعسكر المناصر للشيوعية والمعسكر المعادي لها، إلى أن أسقطت المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي بعد أن كانت قد هيأت الأرضية لشطر العالم من جديد إلى شطرين جديدين لا ثالث لهما، عالم مناصر للإرهاب وآخر مناهض له، وكان من الطبيعي أن ينخرط ممثلو النظام الرسمي العربي عموما في الشطر الثاني، انسجاما مع وامتدادا للخطاب ما بعد الاستعماري نفسه.
كما أغوت لعبة التلاعب بين طرفي معادلة العلة والمعلول تلك النخب ذاتها، التي لا تزال تسخر كل إمكانياتها المادية والمعنوية لقلب حقائق أهم القضايا المصيرية العربية، التي تتقدمها بلا منازع قضيتان جوهريتان ما لم تجدا طريقهما إلى حل عادل وشامل، فإن كل تلك الامكانيات لن تجدي نفعا، ولن تفعل شيئا إلا أن تصب الزيت على نار العرب المتقدة منذ عقود، ما يشترط بداهة انتزاع الذات العربية من براثن خطاب ما بعد الاستعمار وتبعاته الراهنة، أما القضيتان المقصودتان والمترابطان بشكل وثيق في هذا المقام، فهما القضية الفلسطينية وقضية الديمقراطية، اللتان لا يمكن أن تصلا إلى بر الأمان بعيدا عن تنقيتهما وتشذيبهما من كل ما ألصق بهما من عوالق أقحمت فيهما بصورة متعمدة، بغية تشويه حقيقتيهما وحرف مسارهما واستمرار منظومة استخداماتهما بجذورها الضاربة في عمق الخطاب السياسي الرسمي العربي، والقصد من كلمة الرسمي هنا لا يقتصر على الأنظمة السياسية فحسب، بل يشمل أيضا العديد من الأحزاب والقوى السياسية المحسوبة على المعارضات السياسية التقليدية العربية، التي باتت تشكل رديفا لا يستهان به لتلك الأنظمة، منصهرة معها في بوتقة واحدة، من خلال تبني الخطاب عينه.
في حالة القضية الفلسطينية، يتساوى، في هذا المنظور الانقلابي، عنف دولة الاحتلال مع كفاح شعب يرزح تحت الاحتلال عينه، مثلما تتساوى حقوق طرفي النزاع الفلسطيني والإسرائيلي في المحافل العربية والدولية وحتى الفلسطينية الرسمية، لا بل إن الثاني يطغى على الأول في أحيان كثيرة، في مشهد صارخ يدرك الجميع فيه أن العلة تكمن في سرقة فريدة من نوعها في تاريخ البشرية، افضت إلى إحلال مجموعة من السكان محل شعب بأكمله، فيحشر المعلول في مكان العلة ويصبح مسؤولا عن حالة الاضراب والتوتر التي تعيشها هذه المنطقة من العالم. أما في حالة الديمقراطية، فإن القضية تبدو أشد وطأة، حيث تماهت الأنظمة العربية بمجموعها مع الخطاب الغربي في حربه ضد الارهاب، وتماهى الغرب مع تلك الأنظمة في تغييب الجوهر السياسي للصراع على السلطة فيها مع قلب شقي المعادلة وإلباس أحدهما ثوب الآخر، فأصبحت القوى المطالبة بالتغيير السياسي في بلدانها هي العلة وهي مصدر الإرهاب الذي يجب محاربته، بينما تدثرت تلك الأنظمة، في المقابل، برداء المعلول مظهرة نفسها بوصفها ضحية محاولات التغيير السياسي، التي يقودها «إرهابيون» لا بد من تجريمهم والقضاء عليهم، ليس فقط في ساحات القضاء والقتال، ولكن في إطار حملة استقطاب أفقية وعامودية تتكفل بها هذه المرة وسائل إعلام ومنابر فكرية وسياسية تحرص جيدا على المغالاة والكذب وتشويه الحقائق والصاق التهم جزافا وطولا وعرضا بكل من يقف في طريق استمرار تربع تلك الأنظمة على عرش سلطة غير شرعية تفتقر لأبسط مقومات التمثيل الشعبي.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة