على امتداد حياته التي قد تطول أو تقصر، يحاصر الكائن بإكراهات البحث عن «الحقيقي»، في ظل ما تطرحه أزمنته الثقافية من تساؤلات، وأيضا في ظل ما يتوافر لديه من شروط معرفية، سيكولوجية ومجتمعية، يعتمدها كأدوات إجرائية لفك طلاسم هذا «الحقيقي». وبالنظر لما تتمتع به حيثيات «المعيش» من سلطة صارمة في توجيه حياة الكائن ذاته، فإن بحثه أساسا، يتمحور حول مجمل «الحقائق» التي لا تكف أسئلة هذه الحيثيات عن طرحها، بوصفها وسائط عملية للارتقاء بكينونته إلى سدرة منتهاها، بما تعنيه الكلمة من دلالات مادية ورمزية. وهي بالمناسبة حقائق تأخذ شكل مسلمات لا يتسرب إليها الشك، بحكم تكريسها الصارم من قبل القيم والأعراف السائدة، التي يتداخل فيها العامل الديني بالأخلاقي، فضلا عن العامل الذرائعي. لذلك سيكون من الطبيعي أن تحظى/الحقائق بسلطة الإجماع، الذي يعفي الأفراد والجماعات مشقة البحث والسؤال، والذي يعتبر إطارا تنظيميا شاملا وجامعا، تندرج داخله مختلف أنماط المعاملات والتعاقدات.
ورغم ما يكتسيه هذا الإطار من أهمية قصوى، في تبسيط مسطرة التفاعل الإنساني، الخاضع لقانون الضرورة والإلزام، إلا أنه يحول في الوقت نفسه، دون الاستئناس بعتمات تلك المساحة النائية التي تعرش في جنباتها دوالي أسئلة مغايرة، تستحث الذات على استشراف «حقائق أخرى» يضيق بها إطار الحقائق المشتركة.
وهنا تحديدا، تحضر الأهمية الاستثنائية التي يتميز بها الشعر باعتباره برزخا لا مرئيا، يفضي بالسؤال إلى فضاءات دلالية متحررة من قانون الواجب والضرورة. لاسيما وأن رحلة السؤال في جنبات المساحات المعتمة والفضاءات المنسية، هو ما يفتح الطريق تجاه «حقائق» متفردة بمنظوماتها. علما بأن توصيفنا لها بـ»الحقائق» لا يتجاوز نطاق استئناس مفهومي، يضعنا إلى حد ما في سياقها المضاد. وهو بالمناسبة سياق إشاري بامتياز، يوحي بحضور شيء ما، عليك أنت أن تتقصى أثره، بعيدا عن أي ميثاق قبلي، يلزمك بحتمية الإخلاص إلى تعاقد دلالي ما، تعتمده في القبض على ناصية «الحقيقة».
هذا السياق الإشاري، هو الذي يتدخل بشكل مباشر، من أجل إسقاط وهم الحديث عما يتم توصيفه عادة بـ»الحقيقي» في حقل الكتابة الشعرية، بالنظر لاشتغاله خارج عالم الحقائق المتعارف عليه. ما يعني أن القول بغير ذلك، هو إقرار مغلوط بوجود ترسيمة معلومة وقارة، تسمح بالقبض على الحقائق الشعرية خارج مسالكها ومداراتها الخاصة بها. والملاحظ أن الكثير من الأطاريح بقديمها وحديثها تنتظم في هذا الإطار المزعوم، سواء منها المهتمة بأسئلة الكتابة الشعرية ككل، أو بتلك المتمحورة حول مدونة شعرية بعينها.
وفي اعتقادنا أن السند الفعلي المؤثر في ترسيخ مرجعية هذا الوهم، يتمثل في طبيعة النصوص المقاربة، والمتمحورة بدورها حول إشكاليات وقضايا /ثيمات، تندرج ضمن ما تعتبره المرجعية ذاتها، منظومة من الحقائق والمسلمات. ما يدعونا للجزم بأن هذه المقاربات، تقع مبدئيا خارج دائرة الشعر، التي لا تستقيم هندستها، إلا على أساس ما يعتمل فيها من تعدد إشاري وإيمائي، وهما الخاصيتان المفضيتان بدورهما إلى تعدد نماذج البحث الشعري عن هوية «الشيء»، وقد توزعت صفاته ولغاته على أراضي القول اللامتناهية، خارج أي تقنين مسبق، يروم النسج على منوال متعارف عليه، بغية تبسيط مسطرة توصيله إلى أكبر مساحة في فضاء التلقي.
ولعل أهم العوامل المؤثرة في هذا اللاتناهي، وفي هذا الخروج المنفلت للقول، والعصي على كل تحديد معياري، هي تلك الناتجة عن تقلب الأحوال المتفاعلة مع هوية «الشيء الشعري، والمتلمسة لأسراره/ حقائقه/ المعلنة، والخفية. وغني عن الذكر، أن تقلب الأحوال الذي نعتبره امتدادا لحالة الحيرة المتغلغلة في دواخل القول، هو الطقس المولد لزمن الشعر في أبهى تجلياته، التي لا يقر لحقائقها قرار، من شدة ما يتنازعها من تحولات وتجاذبات. إذ بقوة قانون الحيرة، ستتخلل المسار الشعري سلسلة متتالية من القطائع، التي تساهم في تنويع اجتراحاته، بما يجعلها تأخذ صيغة «جمع»، يكاد يستقل كل مكون من مكوناته بسياقه الخاص.
وفي اعتقادنا أن السند الفعلي المؤثر في ترسيخ مرجعية هذا الوهم، يتمثل في طبيعة النصوص المقاربة، والمتمحورة بدورها حول إشكاليات وقضايا /ثيمات، تندرج ضمن ما تعتبره المرجعية ذاتها، منظومة من الحقائق والمسلمات.
وحرصاً على إضاءة دلالة هذه القطائع، سنتعامل معها باعتبارها تمارين، هي في حد ذاتها مناوشات لتلك الحجب/الحقائق الحجرية، التي يدمن الوجود على إسدالها بينه وبين كل رؤية متعطشة للفهم والتفسير. والقول بالتمارين، هو اعتراف ضمني بالعوائق التي تعترض الكائن/الشاعر، في إدراكه للحد الأدنى من خصوصية الجوهر. أعني جوهر الإشارات التي تخترقه من كل حدب وصوب.
كما أن اصطخاب حالة الحيرة المؤثرة في تقلب أحوال الفهم، من شأنها مضاعفة إمكانيات اشتغال التمارين، بما هي آليات اشتغال البحث الشعري، باعتباره مختبرا لتجديد الطاقة التعبيرية. ثم أيضا، بما هي هبة وضعتها الطبيعة على لسان الشاعر، في دمه ومخياله، قصد الاهتداء بها – إن أمكن – إلى الحد الأدنى من بوح الكينونة.
الطبيعة هي أيضا تعلم علم اليقين، أن معنى وجودها يكمن في تفاعل الكائن مع رمزيتها وغموضها. وحرصا منها على ديمومة هذا التفاعل، سيكون من الضروري أن تزوده بملكة القول، التي يستفيد من أدوارها المركزية في إنجاز مهام الكشف وفي الاستجلاء، بالعمل على تطويرها وإثراء مكوناتها، فضلا عن تعميق وعيه بأسرارها التي هي بمثابة رحم فعلي تتشكل فيه الحقائق «الأخرى».
فمن هذا المنطلق تحديدا، يمكن الحديث عن المخاطرة اللغوية التي يخوضها الشاعر، في أفق تملكه للشيفرة السرية التي تؤهله لمعايشة أجواء المحفل الشعري، حيث يتخفى الجوهر بعيدا عن ضراوة الابتذال، وحيث يكون ثمة متسع لصهر معادن الكلام، كي يفصح/الجوهر في نهاية المطاف، عن القول «الآخر» المحتجب فيه، أي انطلاقا من تفكيكه للخطية المتواضع عليها في الخطابات المألوفة، سواء داخل الحقل الشعري أو خارجه، والمسيجة عادة بفولاذ وأشواك «الحقائق» العامة. باعتبار أن البناء الخطي، هو الترجمة الفعلية لأفق الانتظار الذي تتوخى حضوره كل من القراءة، أو السماع، المقيدين سلفا بتعاقدهما الضمني والقبلي، مع سياقي «الضرورة» و»الواجب». لكن، حالما تبادر الكتابة بإتلاف هذا النسيج الخطي، قصد استحداثها لآخر مؤثث ببياضاته وتقطعاته الدلالية، فإن القول لا يلبث أن يضعك داخل محفل الجوهر، دون أن يسميه بالضرورة، ذلك أن البياضات الناتجة عن تكتم الدلالة، وبما تحدثه من تقطعات في النسيج، تؤدي ضمنيا إلى إنتاج دلالة مستحدثة، تقع خارج الدائرة السيادية المحروسة من قبل الأعراف، والتي لا يمكن مبدئيا أن يعول عليها في عملية ضبط تمفصلات الحقائق، التي هي من شعر.
فلغة الشعر التي نحن بصددها، شأنها شأن لغة الموسيقى، غير معنية برعشة الرسائل المسكوكة التي دأب جسدك على الانتشاء بها. إنها تكتفي بوضعك في أتون الحالة، بعيدا عن جاهزية «الحقيقي»، وبرودة يقينه وعماه. وهي اللغة ذاتها التي تلقي بك خارج تخوم ما ينتهي، وبمنأى عما ينبغي الإقرار به من منظومات، لا تعنى بأي شيء آخر عدا تعلقها بتلابيب الحقائق ومقولاتها.
*شاعر وكاتب من المغرب