مصر وقرار الحرب وخارطة ما بعد المجزرة

حجم الخط
27

لم يكن القرار بدخول الحرب سهلا، بل مثقلا بتحديات ومخاطر لا يمكن انكارها، لكنه كان حتميا، حتى ان مجرد اتخاذه ينبئ بحجم الضغوط الشعبية الهائلة التي تعرض لها مجلس الدفاع الوطني، بعد ان صدم المصريون بفيديو الذبح الذي لا تكفي اي كلمات لوصف بشاعته. نعم لم تخرج اي مظاهرات فورا، لكن الغضب كان يغلي في الصدور، ولم تستطع مصر ان تنام، حتى ان الرئيس عبد الفتاح السيسي اضطر إلى تقديم موعد خطابه، ليلقيه في منتصف ليلة المجزرة بعد ان كان مقررا مساء امس. كان المنطق الامني يقتضي الانتظار حتى يتم اجلاء اكثر من مليون مصري من ليبيا قبل بدء الرد العسكري، حفاظا على حياتهم. الا ان النظام ادرك ان الوقت سيكون متأخرا لانقاذ مصداقيته، كما ان الغضب الشعبي ربما لن يمهله كثيرا من الوقت اصلا. خاصة في ظل اجواء احتقان خلفتها حوادث قتل وعمليات ارهابية راح ضحيتها عشرات المصريين خلال الاسبوعين الماضيين. ادرك انه لا يحتمل ان يبدو وكأنه يعتبر الاقباط مواطنين من الدرجة الثانية، فاتخذ القرار.
كانت القاهرة تدرك جيدا حجم المخاطر من فتح جبهه جديدة، ودخول حرب مفتوحة مع جماعات ارهابية على الجانب الآخر من حدود يبلغ طولها الفي كيلو متر، لذلك كانت تفضل ان تكون جزءا من جهد دولي يعمل بغطاء من مجلس الامن على منع تحول ليبيا إلى جنة للجماعات الارهابية. الا ان المجزرة فرضت معطياتها الواقعية الخاصة على الداخل المصري، بل وعلى المستويين الاقليمي والدولي ايضا، وبينها:
اولا: اما في المشهد المحلي المعقد، فان المجزرة اعادت احياء تراث تاريخي عاشته مصر سنوات في الماضي، عنوانه «لا صوت يعلو على صوت المعركة»، وهو ما يوفر «شبكة امان» للنظام الذي كان يتعرض حتى امس الاول لانتقادات قاسية حتى من بعض اقرب انصاره لاسباب عديدة. لكن قرار الرد على المجزرة جمع المصريين حوله. وهكذا فانه سيأمل في تراجع ما يتعرض له من ضغوط بشأن ملفات تبدأ من انتهاكات حقوق الانسان، ولا تنتهي عند ازمات كارتفاع الاسعار ونقص الطاقة. كما لم يتردد بعض ابواقه الإعلامية في محاولة استغلال المجزرة سياسيا إلى اقصى مدى، وهو ما ظهر امس فعلا في مزاعم بأن من قاموا بالذبح من الاخوان (..) وليسوا من داعش.
ثانيا: اما على المستوى الدولي، فقد سارع وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى المطالبة بدعم دولي شامل لمصر في حربها ضد الارهاب، ما قد يتجسد في قرار جديد من مجلس الامن ضد تنظيم الدولة الإسلامية، مستفيدا من الدعم الروسي – الصيني هذه المرة، وهو الذي حال دون صدور قرار دولي بشأن محاربة التنظيم في العراق وسوريا. ويبدو ان ثمة نواة تحالف مصري مع فرنسا وايطاليا بدأت فعلا في الدفع بهذا الاتجاه. كما ان فيديو الذبح قد سهل المهمة عندما تحدث صراحة عن (تهديد روما وامة الصليب) خاصة ان الجريمة وقعت قصدا على الشاطئ المقابل لاوروبا، حيث اصبحت العمليات الإرهابية حدثا شبه يومي. واذا نجحت هذه الجهود المصرية فقد لا يجد الاتحاد الاوروبي مفرا من ان يقود الحرب الجديدة، في تهميش جديد للنفوذ الأمريكي.
ثالثا: اما اقليميا، فان دخول مصر الحرب رسميا ضد تنظيم الدولة، يمثل تطورا نوعيا بأي مقياس، إلا انه ينبه ايضا إلى ان التنظيم في ليبيا أصبح لا يقل خطورة، ان لم يكن يزيد، عنه في العراق وسوريا. بل قد يكون منصفا القول ان تنظيم الدولة الذي تراجع في عين العرب وشمال العراق ووسطه، يتوسع في ليبيا حتى اصبح يملك ثلاث ولايات هناك. وبالتالي فاننا قد نكون امام سلسلة طويلة ودموية من الكر والفر بين الجانبين. اما التعقيدات التي تقلص من فعالية عمل التحالف الدولي في العراق وسوريا، واهمها عدم امتلاكه استراتيجية حقيقية، فلا تبشر بامكانية توسيع نطاق غاراته غربا، خاصة ان الولايات المتحدة لن تتحمس لخوض حرب جديدة، ناهيك عن ان تكون بقيادة تحالف مصري- اوروبي، في ظل توتر واضح بين القاهرة وواشنطن، وهو ما تمثل في اتهام السيسي المبطن للأمريكيين في خطابه امس الاول بـ»ازدواجية المعايير».
واخيرا فان الحرب الجديدة ربما ترسم خارطة جديدة من حروب لا يعرف احد حدودها او نهايتها، كما قد تمنح النظام المصري فسحة من الوقت، الا انها لن تعفيه إلى الابد من مواجهة تحديات داخلية لا تقل مشروعية او أهمية عن حماية الامن القومي.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية