كلما مات شاعرٌ متُّ قليلاً، أعني مات جزء مني.
وعندما مات مظفر النواب، كنت أتلقى خبر صدور كتابي الأخير، الذي كتبته في زنازين الاعتقال بين عامي (1973- 1980) والكتاب عبارة عن عدد من القصائد، رفق مقالة نقدية كتبتُها عن تجربتي الشعرية في السجن، وهي القصائد التي يتضمنها هذا الكتاب بالضبط. خصوصاً أنني كنتُ في المقالة النقدية أتذكر الشاعر مظفر النواب، ليس في بعض قصائده فقط، بل عن تأثري بلغته في إحدى تلك القصائد.
٭ ٭ ٭
كنتُ من الجيل الذي عاصر انبثاق الصوت العراقي الحزين، فعندما قال عن هذا الحزن، الشاعر علي عبد الله خليفة في إحدى قصائده المبكرة أيام «أنين الصواري» سبق أن سمعنا عشاقاً في أزقة المحرق يعزفون على «الماصور» الخشبي (كنا نسمي الناي ماصوراً) وهو يمرُ على أزقة المحرق، يداعب مَنْ يُحب بألحان الحزن العراقي الذي كان يتداخل مع أحزان كانت تتحرّق في بلادنا.
٭ ٭ ٭
كثيرون من أهل البحرين يحفظون الكثير من الشعر الشعبي العراقي. وهو يحاكي بحزنه التاريخي، ليس القرى حسب، لكنه يمسّ شغاف البحرين قاطبةً. وعندما جاء مظفر النواب بأشعاره الشعبية التصق أصحاب الحزن بقصيدتيّ (البراءتين). وبلا شك أن الشاعر مظفر النواب، بإلقائه الكربلائي، قد مسّ الشغاف عند أهل البحرين، خصوصاً أولئك المتصلين بالمعنى العميق للسجين السياسي تحت وطأة العذاب، وعندما يقول مظفر عن السجين السياسي مستسلماً لشرط السجان قبل إطلاق سراحه، ندرك تلك المعاناة، ويمكننا اعتبار براءة الأم والأخت من الابن والأخ: (هذا التشوفه مو شبلنا) بمثابة الرد العظيم على صك البراءة الذي يكتبه السجين متبرئاً من حزبه.
ومظفر الذي اخترق، بهاتين القصيدتين، سجوف الحزن التي تراكمت على قلوب أهل العراق فبتلك التجارب المريرة، يجد أهل البحرين في بكائيات مظفر النواب خديناً يستحيل تفاديه. فقد كان ذلك الحزن العراقي شقيق حزننا.
٭ ٭ ٭
وعندما كنا نختفي خلف قصائده السياسية، الشتامة، كان بعضنا يرى الشعر، عند مظفر النواب، يكمن في قصائده العامية. لنعرف لاحقاً أن مظفر النواب قد بدأ شاعراً عامياً بلغة الجنوب العراقي المتفجعة، نحن الذين عرفنا، أول ما عرفنا مظفر النواب، بشعره الفصيح.
وظني أن شهوة أسطرة الشاعر في تلك المرحلة دفعتنا لتصديق حكاية قصيدة (للريل وحمد) المرتبطة بالشاعر، وهي حكاية أن مظفر النواب كان يعني الحزب الشيوعي عندما يقول عن «حمد» في القصيدة، فنسمع حكاية القصيدة من مظفر نفسه وهو يسرد قصة المرأة التي تتذكر حبيبها «حمد» كلما مرت بالقطار على بلدته الريفية.
ولئلا نفرّط في الشاعر، وجدنا في أجواء شعره الذي يتجلى، في بعضه، بلغة التصوف الشفيفة، حقلاً ينقذ شعره من المباشرة المتصلة بسطح الحدث والجملة البذيئة، حتى أن الشاعر محمود درويش، عندما سُئل «في أحد اللقاءات الصحافية» عن مظفر النواب، قال عنه: (إنه يقول عنا ما لا نقوله في قصائدنا).
٭ ٭ ٭
وإذا انتبهنا للمشهد الشعري العربي، يمكن أن نرصد كيف أن أسلوب مظفر النواب قد أغرى، (أو يكاد) بعض المواهب الفتية باتباع طريقته في الكتابة، أسلوباً ولغةً وإلقاءً، ويمكن العثور، في غير بلد عربي، على نموذج شعري ظلَّ يتعثّر في تقليد ذلك.
٭ ٭ ٭
وعندما كتب شاعرٌ عراقي عن رفض مظفر النواب المبلغ الكبير من الدولارات الذي قدمه له إبراهيم الجعفري وقت كان حاكماً في العراق، رأينا كيف كتبَ عراقيٌ آخر، في عتبٍ مبالغ فيه، عن سنوات مظفر النواب الأخيرة، التي كان يتلقى فيها العلاج في أحد مستشفيات الإمارات في الشارقة، بعد أن كان يشتم الجميع (دون استثناء).
٭ ٭ ٭
لكأن الشاعر هو الأسطورة الأبدية منذ أن يولد ويموت، حتى يُبعث حيا.
«لا بد لهذه الأمة أن تأخد درساً في التخريب»
كان مظفر يقول،
وها نحن نأخذ درساً طويلاً في خراب بلا هوادة.
شاعر بحريني